| 

بعد ثلاثين سنة بالتمام أفرج أمجد ناصر عن جمرة من جمراته المشتعلة بعدما خبأها طوال هذا الزمن المتطاول. والعجيب كيف أن أمجد ناصر احتمل هذه الحرقة كلها، وهذا التوهج المؤلم نحو ثلث قرن، وصبر على نداء الكلمات، فجعل هذه النصوص حبيسة أوراقه إلى أن نشرها علينا كمن يفرّج عن كرب، أو كمن يهدينا لؤلؤة ساحرة. واللؤلوة هي كتابه الجديد «بيروت صغيرة بحجم راحة اليد» (عمان: الدار الأهلية، 2013)، وهو عبارة عن «يوميات من حصار عام 1982». لكن هذه اليوميات ليست مجرد تسجيل جميل للحوادث فحسب، على غرار الكرونولوجيات المعروفة، وليست عودة إلى الماضي واستخلاص تفصيلات من الذاكرة الغائرة في الزمن، إنما هي كشف أخاذ عن حياة متوقدة جرت وقائعها في سنة 1982، وهي اشتباك إبداعي في ميدان لاهب تبارت فيه اللغة والذاكرة والتاريخ والأشخاص، وتسربل بالحنين والاعتراف والشعر والأحلام المتوثبة والنهايات الحزينة والآمال المندثرة.
هذا الكتاب الذي قدم له الشاعر الفلسطيني غسان زقطان، رفيق أمجد ناصر في رحلته اللاهثة بين عواصم العرب، يعيد الاعتبار لفن الكتابة اليومية؛ فهذه «اليوميات» تتخطى فكرة التقاط اللحظة وتدوينها على الورق، لتصبح نصاً أدبياً مستقلاً وحاراً وطازجاً كأنه كتب اليوم في خضم حرب تجري الآن. والبراعة في نصوص هذا الكتاب هي أن أمجد ناصر تمكن من أن يعيدنا ثلاثين سنة إلى الوراء لنقرأ أيامنا نحن في الحصار، كأننا نعيش اللحظات نفسها بالقلق والخوف واضطراب الحواس ومعاندة الموت وترويض الهلع. إنه يصف الطائرات الإسرائيلية المنقضّة على بيروت آنذاك كالتالي: «صوتها يمزق الأحشاء. أشعر به في معدتي» (ص 38). وهذا الشعور لا يعرفه على الإطلاق إلا من كابده؛ ففي صيف 1982 كثيرا ما سمعت من الناس الذين احتميت في جوارهم أن صوت الطائرات المغيرة «تقطِّع المصارين». وها هو أمجد ناصر يعيد إلى حساسيتنا هذا الألم بعينه. لقد شعرت فعلاً، وأنا أقرأ هذه اليوميات بتقلص معدتي حين كان يصف انقضاض الطائرات الإسرائيلية على «أريحا الجديدة» التي واجهت جيش يشوع بن نون (ص 12) في «رقصة دم» همجية (ص 11). كانت بيروت في ذلك الصيف الدامي «قمراً صغيراً بين فكي قرش هائل (...). كانت تويجاً عارياً مرتعشاً أمام شفرة فولاذ تهوي على الجميع» (ص 15). كانت مطراً أحمر... «كارمينا بورانا، لكن من الحديد والشظايا والغبار والارتجاجات» (ص 99).
دُهشت أيما دهشة، وأنا أقرأ هذه اليوميات» لهذا التدفق المؤلم في عبارات أمجد ناصر وفي كلماته، وكيف تمكن من أن يكتبها بهذه البراعة الجاذبة في معمعان القتال الذي كان يسحق القدرة على التأمل والتفكير واستجماع شتات الأيام الثقيلة والمثقلة بالموت والدمار وروائح البارود. فالحروب تُخرس الكلام أحيانا، وكثيرون منا خرسوا في تلك الأيام اللاهبــة، وتبلبـــلت ألسنتهم، وانفجرت قرحة المعدة في أجسادهم المنهكة بدلا من أن تتفجر قرائحهم. وفي أي حال، فالأفراد أمام الأهوال متعددون، ومصائرهم متنافرة وإن تشابكت أيامهم وتشابهت.

ألمُ التذكر

أمجد ناصر، المهاجر من قفار المفرق في شمال الأردن إلى بهاء بيروت في تلك الحقبة الجميلة من تاريخ هذه المدينة الزاهية، والذي، مثل كثيرين من أبناء جيله، وجد في الثورة الفلسطينية إمكانا حقيقيا للتغيير في العالم العربي، لم يحمل سلاحا طوال إقامته في بيروت؛ فسلاحه كان الشعر والكتابة والموقف الراديكالي والسجالات الصاخبة التي لا تنتهي. لكنه في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي حمل السلاح دفاعا عن نفسه وعن مبادئه وعن الثورة الفلسطينية وعن بيروت التي يقول عنها إنها «وشم حمله كثير من الذين تنفسوا هواءها وشربوا ماءها ورف لهم جناح في فضائها» (ص 167). ومن بين هؤلاء الذين عاش أمجد ناصر معهم، وانعقدت بينهم صداقات لا تندثر طاهر العدوان ونبيل عمرو وغسان زقطان وزكريا محمد وسعدي يوسف وهاشم شفيق ورشاد أبو شاور وعماد الرحايمة (عريب الرنتاوي) وفيصل حوراني وجميل هلال وميشال النمري وسليم بركات وحيدر حيدر ونوري الجراح ونِعَم فارس المذيعة اللبنانية في إذاعة الثورة الفلسطينية التي استشهدت في أثناء الاجتياح، وعلي فودة وكثيرون غيرهم. وفي هذا الكتاب الممتع يتذكر أمجد ناصر مَن حصدهم الموت في مدائن العالم المبعثرة بعدما نجوا من الموت الإسرائيلي؛ فيذكر معين بسيسو الذي مات في لندن سنة 1983، وحنا مقبل الذي اغتيل في نيقوسيا سنة 1984، وميشال النمري الذي اغتيل في أثينا سنة 1985، ومحمد هويدي الذي توقف قلبه في مصر سنة 1986، وغالب هلسا الذي مات في دمشق سنة 1989، وناجي العلي (لندن 1989)، وسليمان صبح (تونس 1990)، وعلي حسين خلف (عمان 1998)، وعدلي فخري (القاهرة 1999)، ويوسف حسن القزاز (2008)، ومحمود درويش (2008).
أمجد ناصر في هذه اليوميات المشفوعة بنص آسر عنوانه «العودة إلى الفردوس المفقود» (وهو نص جميل عن عودة الشاعر إلى بيروت في سنة 1996 في ما يشبه عودة «يوليسيس» إلى «إيثاكا»، حيث العودة دونها حبُّ وعواصف ولجج وأملاح المياه العاتية وأشرعة متكسرة)، أعاد إلى ذاكرتنا صخب الأيام الماضية في «جمهورية الفاكهاني» حيث تطايرت مئات الأفكار والمحاولات المتكررة لتأسيس مشروع إبداعي جديد، وذكرني بمشروع «الديوان» مع ميشال النمري، وبـ«المانيفستو رقم صفر» الذي صاغه الصافي سعيد ووقعه رسمي أبو علي (وامتنعتُ عن توقيعه لاعتبارات ذاتية). وفي ما بعد أصدر علي فودة ورسمي أبو علي مجلة «رصيف 1981» التي شاركت في الكتابة فيها بمقالتين، وكتبتُ عنها أكثر من مقالة.

الجرأة على الذات والآخرين

لم ينسَ أمجد ناصر، في غمرة ذلك العماء الدموي الذي سوّر بيروت ومواطنيها في سنة ١٩٨٢، أن يدوّن كيف كان يراقب «النساء اللواتي يظهرن في الشرفات ويتحركن في دواخل الغرف بثياب النوم» (ص 30). فمشهد النساء الباقيات في بيروت في ذلك الصيف القائظ الذي أرغم الجميع على التخفف من الملابس، هو إشارة حياة في مدينة الموت آنذاك. ولعل قليل من الكتّاب يعرف كيف تكتظ الجوارح بالمتعة، وكيف تستيقظ الحواس وتشتعل باللذة في مواجهة الموت. هذه اللحظات يعرفها تماماً فدائيو الدوريات القتالية التي كانت تتسلل إلى فلسطين من جنوب لبنان، و يعرفها أيضاً مقاتلو الخطوط الأمامية. ولا يستنكف الكاتب عن الاعتراف، ولو بعد ثلاثين سنة، بأنه أقام علاقة عابرة بفتاة اسمها آمال، وكاد يتزوجها، وظل، إلى فترة لاحقة، يشم رائحة صابون «زيست» على جسدها الحنطي (ص 51).
يروي أمجد ناصر أن الحرب زعزعت نفوس كثيرين من الكوادر السياسية والثقافية، فهناك مَن هرب، وهناك من اختبأ، ولم يُرَ من الشعراء اللبنانيين إلا شوقي بزيع الذي راح يكتب إلى صوت لبنان العربي، وبعضهم هرب إلى بيروت الشرقية (ص 68 و69). نعم! ذهب شعراء الجنوب إلى الجنوب لينعموا بالهدوء الذي وفره الاحتلال بعد سيطرته على الجنوب وغادر «شعراء المقاومة»، بيروت إلى حيث لا توجد مقاومة. وفي هذا الوجيف المتطاول لا ينسى الكاتب أن يدوّن ملامح من شخصية ياسر عرفات إبان الحصار، فيقول إن أبو عمار زار مقر الإذاعة الفلسطينية في 22/7/1982، وكان مرحاً ورابط الجأش، وطلب إبرة وخيطاً ليرتق به بنطاله المفتوق. وعندما رغب الموجودون في القيام بهذه المهمة بدلاً منه قال لهم مازحا: أنتم متزوجون، والمتزوج لا يجيد هذه الأمور. وخلع بنطاله العسكري، ورتق الفتق، ثم لبسه (ص 83). والمعروف أن ياسر عرفات كان يصر على القيام بمثل هذه الحاجات بنفسه، وكان يحتفظ في جيوبه دائما بمصباح يدوي صغير وبوصلة وإبرة وخيوطاً؛ فهو كشاف. ثم إنه يحلو له أن يقوم بإصلاح ثيابه بنفسه لأن الأعمال اليدوية تريح رأسه من التفكير المتواصل، ولو إلى دقائق.

******
ظلت هذه اليوميات حبيسة في أماكنها المخصوصة حتى خرجت بعد ثلاثين سنة، فإذا بها «حية تتنفس» بحسب غسان زقطان، وإذا بها تحتفظ بحرارتها الأولى واشتعالها البدائي، وألقها السحري. وقد أفلحت هذه اليوميات في إثارة وجع جميع من مرّ بتجربة حصار بيروت، وعاش لوعة مفارقة الأحبة والأماكن الأثيرة. ومع أن أمجد ناصر أراد «فصحنة» بعض عباراته، إلا أن نضارة نصه ظلــت حاضرة، وعلى سبيل المثال يذكر «زقاق أم زكور» القريب مـــن منزله في محلة أبو شاكر في بيروت. والمعروف أن أهالي المنطقة يسمونه «زاروب أم زكور»، فبيروت كلها عبارة عن زواريب مثل «زاروب الطمليس» و«زاروب الحرامية» و«زاروب العلية» و«زاروب العيتاني»... بينما دمشق عبارة عن حارات، أي أحياء. لكن هذه الزواريب (أي الأزقة) صنعت مجـــداً كبيراً لبيروت في سنة 1982، مثلما صنعت بيروت نفسها مجداً لا يضاهى في الثقافة العربية في زمن تألقها البـــاهر في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن المنصرم. وهذا المجد كان موصولاً بأجواء الحرية التي غمرت بيروت آنذاك، وبإبداعات العرب الذين تقاطروا على هذه المدينة الصغيرة بحجم راحة اليد، ومنهم بالتأكيد أمجد ناصر.