| 

يسمونه «أبو ميساء» حيناً، و«الحكيم» أحياناً. وهذا الرجل الرقيق والحاني كان دائماً نسراً نادراً في القمم العالية. كان اسمه مجداً وزيتونة دهرية ربما غرس جذعها الأول القديس جاورجيوس الذي تحتضن مدينة اللد واحداً من مقاماته الكثيرة. وجورج حبش هو ذلك المسيحي العربي الذي أضاء بتاريخه المهيب أمة بأسرها، وكان برهاناً لا يمكن نقضه عن أن فلسطين، مثل المسيح نفسه، آرامية ـ عربية معاً، وليست وقفاً على أحد، ولا صفة لها إلا العروبة.
جورج حبش هو الاسم الحركي لفلسطين، وكان دائماً ضميرها المعذب وبوصلتها الصادقة، وصمام الأمان حين يحتدم عجاج الفلسطينيين. وكان يكفي أن يُمسك بيد ياسر عرفات حتى يهدأ وجيف القلوب.
شهد سبع كوارث هائلة كانت كفيلة بأن تُلجئ غيره إلى الانزواء والصمت. لكنها، بين يدي أبو ميساء، تحولت لهباً، وصنعت منه ثورياً وحالماً في الوقت نفسه. كانت الكارثة الأولى نكبة 1948 التي لم يتمكن بعدها من مشاهدة مدينته، والثانية كانت انفكاك الوحدة بين مصر وسورية، والثالثة هزيمة 1967، والثالثة الخروج من الأردن في سنة 1970، والرابعة الخروج من لبنان في سنة 1982، والخامسة انحلال آخر أمل للتضامن العربي بعد تحطيم الجيش العراقي في الكويت في سنة 1991، والسابعة سقوط بغداد في سنة 2003.

***
غادر بيروت إلى اللد قبيل سقوطها في تموز 1948. ولما لم يكن مدرباً على استعمال السلاح انثنى إلى إسعاف الجرحى. غير أنه لم يتمكن حتى من إنقاذ أخته فوتين التي توفيت في تلك الأثناء، فتركت هذه الحادثة جرحاً غائراً في نفسه. وعندما سقطت مدينته في 11/7/1948، كان في داخلها، وأُرغم على السير مع أهاليها نحو نعلين ثم بيرزيت ثم رام الله. ولعل مشهد النائحات الباكيات كان الجمرة التي جعلته ينتمي إلى «كتائب الفداء العربي» التي ظهرت في دمشق في سنة 1949. وحين كُشف أمرها في 12/10/1950 اختبأ في منزل صديقه منير سنو في البسطة في بيروت حتى زالت المخاطر. غير أن التحول الجوهري في تفكيره كان ثمرة تأثره بأجواء «العروة الوثقى» في الجامعة، وبكتابات السوريَّين ساطع الحصري وقسطنطين زريق و لا سيما كتاب «معنى النكبة». وفي الجامعة الأميركية ظهرت النواة الأولى للحركة التي سيصبح اسمها لاحقاً «حركة القوميين العرب»، وكانت مؤلفة من جورج حبش ووديع حداد (فلسطين) وهاني الهندي (سورية) وأحمد الخطيب (الكويت)، علاوة على صالح شبل (فلسطين) وحامد الجبوري (العراق).

***
عيادته في شارع الملك طلال في عمان كان اسمها «القيادة» بدلاً من العيادة، لأنها كانت مقراً للعمل السياسي والشعبي والإعلامي. وكان يشاطر رفيقه وديع حداد حتى السرير أحياناً حين تزدحم هذه العيادة بالضيوف القادمين من دمشق أو بيروت. ومن هذه العيادة انبثقت فكرة إصدار جريدة «الرأي» التي تولى تحريرها أحمد الطوالبة، وخاضت معارك شرسة في سبيل تعريب الجيش وطرد غلوب باشا (أبو حنيك) من الأردن. و في هذه الجريدة التي صدرت في دمشق بعد إغلاقها في عمان نشر غسان كنفاني كتاباته الأولى.
في سنة 1957 اعتقلت السلطات الأردنية وديع حداد بعد الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي، فاختفى جورج حبش على الفور، وبقي في الخفاء حتى كانون الثاني 1959 حين تسلل إلى دمشق التي عاش فيها وتزوج فيها. وفي دمشق اضطر إلى التخفي مرة ثانية بعد فشل انقلاب جاسم علوان في 17 تموز 1963، وظل مختفياً عشرة أشهر، ثم تسلل إلى لبنان ليجد محسن إبراهيم يدعو إلى دمج حركة القوميين العرب بالاتحاد الاشتراكي العربي، فوقف ضد هذه الدعوة، على الرغم من انخراط الحركة انخراطاً عضوياً في الناصرية. ومع ذلك لم يتسن له أن يلتقي جمال عبد الناصر إلا في سنة 1964.

***
في 11/12/1967 سمع الفلسطينيون نبأ تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». ومنذ ذلك التاريخ صارت الجبهة الشعبية الفصيل الثاني بين فصائل الثورة الفلسطينية بعد حركة فتح، على الرغم من الفارق الكبير في الحجم العددي وفي الجهد العسكري. وما كادت هذه الجبهة تستوي على قوام تنظيمي محدد، حتى كان زعيمها يدلف إلى سجن الشيخ حسن في دمشق، فقد اتهمه عبد الكريم الجندي (الذي انتحر لاحقاً) بتهريب السلاح إلى سورية للقيام بانقلاب ضد النظام الجديد الذي حكم سورية في 23 شباط 1966. والحقيقة أن الأسلحة تلك كانت مهيأة لتهريبها إلى الأردن لدعم العمل العسكري ضد إسرائيل. وفي السجن قرأ ماركس وأنغلز ولينين، وتعرف أكثر إلى الأفكار الماركسية التي راحت تغزو قواعد الجبهة. وقد طالت مدة سجنه إلى تسعة أشهر وانتهت بإطلاقه في عملية مثيرة خططها وديع حداد، وشاركه في تنفيذها أحمد الجنداوي ومحمد سعيد الخطيب (أبو أمل) ومحمود الألوسي (أبو حنفي) وجبريل نوفل (أبو رأفت) وزكي هلّو وفايز قدورة ووداد قمري وآخرون.

***
تعرضت الجبهة الشعبية لثلاثة انشقاقات: الأول، خروج مجموعة أحمد جبريل في آب 1968 التي عملت تحت اسم «الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة». والثاني خروج مجموعة نايف حواتمة في 22/2/1969 والتي اتخذت «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» اسماً لها. والثالث انشقاق مجموعة حمد فرحان (أبو شهاب) في 6/3/1972 التي ما إن عملت تحت اسم «الجبهة الثورية لتحرير فلسطين» حتى اندثرت.
انحسر حضور الجبهة الشعبية كثيراً بعد الخروج من بيروت في سنة 1982، ولاحظ «الحكيم» بحسرة كيف أن بعض أعضاء الجبهة بدأوا ينجذبون إلى المثل الإسلامية، وأن عدداً منهم صار يذهب إلى المسجد، وبعض النساء رحن يرتدين الحجاب، وكان يعتقد أن الصعود القوي للنزعة الإسلامية يشكل تراجعاً إلى الوراء على الصعيد السياسي. وكان من أمره أن قدم استقالته من موقع الأمين العام للجبهة وانصرف إلى تأسيس «مركز الغد العربي» الذي اندثر بوفاته.

***
لم يكن جورج حبش مفكراً أو منظراً أو كاتباً أو شاعراً، بل كان سيفاً. لم يكن مؤسساً لحركة القوميين العرب وللجبهة الشعبية فحسب، بل كان مؤسساً لحلم التحرير قبل أي شأن آخر. لقد أحب الفلسطينيون هذا الرجل الباسم والحالم والثوري، ومنحوه احتراماً فائقاً وتبجيلاً أحياناً، ربما لأنه جعل شعاره «مطاردة العدو في كل مكان» وحدد أعداءه بثلاثة: الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
ذاك هو «الحكيم» الذي شاهد بأم عينه كيف طُرد أهله من اللد، وكيف سيق الجميع كأسراب السبايا نحو الأردن، فتطوع فوراً في جيش الإنقاذ. ولما لم يتمكن أحد من إنقاذ فلسطين، وهب حياته لها، ومات على الطريق إليها، قريباً من موطنه، وبعيداً عنه في آن. وفي ظلال اسمه «تعمشق» كثيرون على داليته الوارفة، واعتقدوا أن ظلهم المتطاول يعكس قامة طويلة، وما كانوا يعرفون انه حينما يصبح لشخص صغير ظل كبير، فتلك إشارة إلى أن الشمس تغيب.