| 

كان الاستيطان ولا يزال أحد أركان الحركة الصهيونية، إن لم يكن ركنها الأساسي، شأنها في ذلك شأن أي حركة كولونيالية غربية. لذا فإنها تسلحت، منذ تأسيسها، بالحجج والأكاذيب والمواقف العنصرية نفسها إزاء السكان الأصليين في البلد الذي خططت لاستعماره أي فلسطين. وفحوى هذه الحجج هو أن هؤلاء السكان الأصليين متخلفون، جهلة... وما إلى ذلك. لكن «الأهم» من هذا كله هو أنهم في حاجة ماسّة إلى من يأخذ بيدهـم كي يلحقوا بركب التطوّر والحضارة.
انعكست هذه الحجج في كتاب مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتسل «دولة اليهود» الذي تضمن برنامج الحركة الصهيونية لاستعمار فلسطين، وكذلك في روايته اليوتوبية «ألطنويلاند» (الأرض القديمة - الجديدة). كما أنها ترد في كتابات جميع الذين ساهموا في تأسيس الحركة الصهيونية، وفي صوغ أهدافها وبرامجها. ولم تكن مثل هذه النظرة العنصرية- الاستعلائية منحصرة في الشخصيات المناصرة، قلبًا وقالبًا، لمشروع استعمار فلسطين بالقوة وحسب، وإنما تعدتهم أيضًا إلى شخصيات صهيونية أخرى كانت تتبنى، في الظاهر على الأقل، أفكارًا اشتراكية أو هيومانية. وقد احتاجت الحركة الصهيونية - وربما أكثر من الحركات الاستيطانية المماثلة الأخرى - إلى ما يسميه كثير من الباحثين بـ «الحصافة والليونة»، أو «البراغماتيـة». وتمثلت براغماتيتها، من ضمن أشياء أخرى، في جانبين كان لهما أثر كبير على شخصيتها:
الأول، تطوير أسلوب استيطان خاص بها- هو الاستيطان الكوموني والتعاوني (الموشافاه والموشاف والكيبوتس)- الذي استند إلى التعاون بين الحركة الصهيونية وبين حركة العمل. وهذا الأسلوب وفر تعويضاً عن ظروف البدء غير المريحة، سواء في سوق الأرض أو في سوق العمل. وكانت غايته، عملياً، هي إنشاء مستعمرة استيطان طاهرة تكون مستندة إلى السيطرة على سوق الأرض وسوق العمل، وإلى الهجرة المتعددة الأبعاد إلى المستعمرة.
الثاني، تمثل في جهوزية التيار المركزي لتقييد أطماع الصهيونية الإقليمية (الجغرافية)، بقصد ملاءمتها مع القدرة الاحتمالية الديموغرافية والإمكانات الاقتصادية الضيقة لليهود، ودراسة التأييد والدعم اللذين يمكن تجنيدهما من طرف الدول العظمى في كل مرحلة من مراحل الاستيطان. وهذه البراغماتية ظلت تميّز دافيد بن غوريون حتى بعد حرب 1948، إذ إنه لم يتجاوب خلال تلك الحرب مع دعوات الجنرالات للاستيلاء على باقي فلسطين، أي الضفة الغربية، والتي تشكل 22 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، بما في ذلك مدينة القدس القديمة. وكان يفضل اكتساب «الشرعية» على اكتساب مزيد من الأرض.
وأدّت البراغماتية إلى «تقليد صهيوني عريق» في سيرورة النزاع العربي - الصهيوني، تمثل في تحويل الجغرافيا إلى وسيلة لخدمة غايات الديموغرافيا.
ما زال هذا الجدل الديموغرافي- الجغرافي مستمرًا حتى الوقت الراهن، ومن آخر وقائعه يمكن الإشارة، مثلاً، إلى ما كتبه الكاتب والأستاذ الجامعي غادي طاوب، ولا سيما إشارته إلى أن كثيرين من الإسرائيليين المؤيدين للتقسيم حاليًا قد تبنوا هذا الموقف عمليًا بعد أن «يئسوا من إمكان التوصل إلى سلام إسرائيلي- فلسطيني- عربي»، وهم يعتقدون أن التقسيم هو «الطريق الوحيدة لمنع أفول المشروع الصهيوني وفقدان الأغلبية اليهودية». ووفقًا لما يقوله أيضًا فإن الفكرة الصهيونية لدى كل من هرتسل وحاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي وإسحاق رابين وحتى مناحيم بيغن تطلعت إلى غاية مزدوجة هي السيطرة على أرض إسرائيل (فلسطين) كلها وإلى إقامة دولة إسرائيل، إلا إنها تجنبت أي مجازفة من شأنها مسّ «استقرار الأغلبية اليهودية»، مثل ضم مناطق ذات أغلبية عربية إلى تخوم «الدولة اليهودية». وفي عُرف كاتب إسرائيلي آخر هو مناحيم بـن فإن «الإنجاز الأهم» الذي انطوى عليه اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية هو «تخليص إسرائيل من فخّ ديموغرافي رهيب». ويتبنى هذا الكاتب مقاربة فحواها أنه يتعين على إسرائيل أن تتوصل إلى «تسوية جغرافية» كي لا تغدو «ضحية» واقع ديموغرافي بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن تكون الغلبة فيه من نصيب الفلسطينيين. أمّا المعارضون لهذه «التسوية» فإن مقاربتهم تؤكد أنه لا توجد «مشكلة» ديموغرافية ولم يسبق أن وُجدت مشكلة من هذا القبيل، كما أن شيئًا من هذا القبيل لن يظهر في المستقبل، وعليه فلا مبرّر إطلاقًا للتفكير بحلول سياسية تنطوي على تسوية جغرافية على شاكلة «خطة الانفصال عن غزة». وثمة قاسم مشترك بين هاتين الفئتين كامن في غاية الحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل.

خلفية الاحتلال في 1967

إن ما يرد في هذا السياق يلوّح، إلى حد بعيد، بالخلفية التي مهّدت لاحتلال 1967، والذي يرى كثيرون من المؤرخين والباحثين، الفلسطينيين و«الإسرائيليين الجدد» على حدّ سواء، أنه جاء كي يكمل ما لم تستطع الحركة الصهيونية أن تنجزه في 1948.
في نطاق هذا الفهم الجدلي للأمور، وتوكيدًا على أن الصراع هو في حقيقة الأمر صراع بين تيارات صهيونية متنوعة، لا يشكل التضاد مع الفكرة الصهيونية الأصلية الدافع الرئيسي لها، يُشار إلى أن الحكومات الإسرائيلية بعد1967 - بدءًا من الحكومات التي كانت برئاسة حزب العمل- ألغت عمليًا تقسيم أرض إسرائيل (فلسطين) الذي نشأ بعد حرب 1948. و«برنامج ألون» (يغئال)، الذي شكل هاديًا ومرشدًا لمبادرات الاستيطان من طرف حزب العمل بعد حرب حزيران/ يونيو، أعدّ تحت تأثير تدوين الحسابات الديموغرافية- الجغرافية القديمة لحركة العمل الصهيونية. وكانت غاية هذا البرنامج هي ترسيخ وجود إسرائيلي ثابت في المناطق الإستراتيجية في الضفة الغربية، من خلال شمل حدّ أدنى من السكان الفلسطينيين في تخوم المناطق المعدّة لأن تبقى خاضعة لسيطرة إسرائيل. ولذا فقد تمحور البرنامج حول تشجيع الاستيطان اليهودي في غور الأردن ذي الكثافة السكانية المنخفضة. مع ذلك، فإن إحدى الحكومات برئاسة حزب العمل صادقت على إقامة المستوطنات «غير الشرعية» في منطقة «غوش عتسيون» والخليل (ومن هذه المستوطنات ظهر زعماء منظمة «غوش إيمونيم» الاستيطانية الجامحة، في فترة لاحقة). وبهذه المصادقة انجرّت تلك الحكومة وراء سياسة توسّع إقليمية بالتقسيط. وجرى توسيع المناطق المشمولة في «برنامج ألون»، بمقدار كبير، في 1973، عبر «برنامج غاليلي» الأكثر غلواءً. وبشكل تدريجي حدثت نقلة كبيرة في المفاهيم والتصورات السابقة بشأن المناطق الحدودية والاستيطان، بدءًا بالاستيطان الأمني، مرورًا بالاستيطان ذي الدوافع الدينية- المسيانية، وانتهاء باستيطان الأطراف غير الأيديولوجي.
كذلك فإن الطريقة الرئيسية للاستيلاء على الأرض في الماضي- طريقة امتلاكها بالمال- استبدلت بطريقتين أخريين هما: طريقة الاحتلال العسكري، وطريقة المصادرة الإدارية. ومع اتساع اللجوء إلى استعمال هاتين الطريقتين، في سبيل تكديس الأراضي لصالح الاستيطان اليهودي، بدأ يتقلص أكثر فأكثر الفارق الملفق بين نموذج الاستيطان الكولونيالي الإسرائيلي، وبين نموذج الاستيطان الكولونيالي التاريخي للدول الأوروبية العظمى.
وفي ظل حكومات «الليكود» (بدءًا من 1977) تغيرت أيضًا، بصورة جوهرية، الخلفية النظرية لتمدّد المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة منذ 1967. ففي فترة الييشوف، وكذلك بعد 1967، في إطار «برنامج ألون»، كان زرع المستوطنات اليهودية يتم بصورة «متراصة» ومتتابعة لتسهيل التتابع الإقليمي، ولإقصاء السكان الفلسطينيين من المناطق المعدّة لأن تشملها الدولة اليهودية ولرسم حدود التوسع المستقبلية. في مقابل هذا فإن برنامج الاستيطان لحكومات «الليكود» سعى نحو توزيع المستوطنات اليهودية بين المدن والقرى العربية كي يمنع تواصلاً إقليميًا فلسطينيًا من شأنه أن يشكل نواة لدولة فلسطينية عتيدة. بكلمات أخرى فإن نموذج الاستيطان والتمدّد الجديد سعى نحو إبطال أهمية الوجود الديموغرافي الفلسطيني أو، على الأقل، إلى التغاضي عن هذا الوجود بصفته عاملاً يحدّ من التمدّد الجغرافي اليهودي.

مراحل الاستيطان بعد 1967

قام ألـوف بن، رئيس تحرير صحيفة «هآرتس»، عندما عمل باحثا في «معهد دراسات الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، بتقسيم تطور الاستيطان والمستوطنات (في الضفة الغربية أساسًا) بعد 1967 وحتى الآن إلى ثلاث مراحل رئيسية:
الأولى- مرحلة الإنشاء أو التكوين، وقد استمرت من 1967 وحتى 1992، وتمّ خلالها إقامة مستوطنات بهــــدف رسم حدود إسرائيل في المستقبل، وتعزيز سيــــطرة إسرائـــيل على الضفة، وإحباط إمكان تسليمها إلى جهة أخرى. وفي مرحلة الإنشاء تم رسم خريطة الاستيطان الحـــالية في الضفة.
الثانية- مرحلة الفرز، والتي استمرت من 1992 وحتى 2005، وخلالها تم تثبيت الفرق بين ما يسمى بـ «الكتل الاستيطانية»، التي تسعى إسرائيل إلى ضمها إلى سيادتها في إطار اتفاق دائم، وبين المستوطنات المعزولة في عمق الضفة وفي غور الأردن، والتي تستخدمها كورقة مساومة في المفاوضات مع الفلسطينيين. وكان مؤشر الفرز هو حجـــم المـــستوطنات من جهة، وبُعدها عن الخط الأخضر من جهة أخرى. وأنـــشأ الجدار الفاصل عزلا فعليا بين هذين النوعين من المـــستوطنات. ومنحت التفاهمات بين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أريئيل شارون ورئيس الولايات المتحدة السابق جورج بوش، والتي جرى التوصل إليها في 2004 في مقابل إخلاء المستوطنين من قطاع غزة من خلال خطة الانفصال أو فك الارتباط (نُفذّت في 2005)، مفعولا سياسيا لسياسة الفرز.
الثالثة- مرحلة التطبيع، والتي بدأت مع صعود إيهود أولمرت إلى سدّة الحكم في 2006. وتصرّف أولمرت كما لو أن الكتل (الاستيطانية) قد تم ضمها فعليا إلى إسرائيل، وفي فترة ولايته تسارع البناء في الكتل الاستـــيطانية وشـــكلت (سيـــاسته) بالأساس أداة لحل مشكلات اجتماعية، وأولها توفير سكن للحريديم (اليهود المتدينين المتزمتين). وبموجب التفاهمات التي توصل إليها شارون مع الإدارة الأميركية، تم تحديد البناء في الجانب الغربي من الجدار الفاصل، وكان تطوير المستوطنات المعزولة ضئيلا وبمبادرات محلية، على حدّ زعم الكاتب.
ولا بُدّ من ملاحظة أن المدّ الاستيطاني الإسرائيلي الواسع النطاق، العائد إلى الأعوام التي أعقبت صعود «الليكود» إلى الحكم في 1977، جرى تحت إشراف وزير الزراعة في ذلك الوقت، أريئيل شارون. فقد سعى «الليكود» نحو تكريس سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية من خلال الاستيطان. وجرى التوسع الاستيطاني بوتيرة سريعة لأن حكومة هذا الحزب اعتبرت أن الوقت ضيّق، وذلك على خلفية مفاوضات السلام بين إسرائيل ومصر، فضلاً عن خشيتها من عودة العمل إلى الحكم. ولذلك قررت حكومتا «الليكود» خلال ستة أعوام، مثلا، إقامة مئة وثلاث مستوطنات في الضفة الغربية.
وتدل الوثائق الإسرائيلية على أن شارون استعرض أمام حكومة مناحيم بيغن الأولى (1977- 1981) عدة أهداف لإقامة المستوطنات في الضفة الغربية، ومنها ما يلي:
أولاً- إنشاء عازل (حاجز) يفصل بين الفلسطينيين في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية، تحسبا من نشوء كتلة عربية «تهدّد» السكان اليهود في منطقة السهل الساحلي؛
ثانيًا- السيطرة- بواسطة المستوطنات- على المناطق الواقعة في الضفة الغربية والمطلة على التجمعات السكانية الإسرائيلية في السهل الساحلي بهدف منحها عمقا وتعزيز «الممر» إلى القدس وضمان عدم انتشار أي قوة غير إسرائيلية في المناطق المطلة على إسرائيل؛
ثالثًا- السيطرة بواسطة المستوطنات على غور الأردن لصد أي هجوم بري من جهة الشرق؛
رابعًا- ضمان بقاء القدس، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، عاصمة دائمة للشعب اليهودي بواسطة إقامة حزام من المستوطنات يحيط بالأحياء العربية في المدينة. ولتحقيق هذا الهدف تمت إقامة الكتلة الاستيطانية غوش عتسيون، ومستوطنات إفرات ومعاليه أدوميم وغفعات زئيف وبيت إيل. وكان تقدير شارون أن إقامة مستوطنات «غلاف القدس» ستضمن وجود أغلبية يهودية وسيطرة يهودية على المدينة لخمسين أو مئة عام مقبلة.
وكتب شارون في مذكراته عن اجتماع الحكومة الذي استعرض خلاله هذه الأهداف يقول «لم أعرف ما إذا كان الوزراء قد صدقوني أم لا، لكني قلت لهم إني لا أتحدث إلى محضر الجلسة (فقط)، ولذلك فكروا جيدا في الخطة، لأنه في اللحظة التي ستتم فيها المصادقة عليها فإني سأنفذها». وقد صادقت الحكومة الإسرائيلية على الخطة.
وسعى شارون إلى تنفيذ خطته بسرعة قبل أن توقف معارضة داخلية وخارجية مشروعه الاستيطاني. وعمل في البداية على فرض وقائع في الأرض ليتمكن من مواصلة المشروع في المستقبل. وفي الأعوام اللاحقة تعرضت إسرائيل إلى ضغوط دولية كانت غايتها منعها من إقامـــة مستـــوطــــنات أخرى. لكن البؤر الاستيطانية كانت قد أقيمت، ولذا فقـــد وجهت إسرائيل جهدها الأساسي نحو توسيع هذه البؤر والمستوطنات، ولا سيما في مناطق الضفة الغربية المتـــاخمة للخط الأخضر والتي كان عليها طلب، كما وجهت هذا الجـــهد نحو إقامة بنى تحتية مثل شبكة الشوارع الالتفافية، التي سهّلت على المستوطنين العيش بأمن بالقرب من المدن الفلسطينية.
من جهة ثانية شجع شارون تنفيـــذ «خطة النجوم» المتمــثلة في إقامة بلدات يهودية غربي الخط الأخضـــر، لتحقـــيق الـــهدف الذي وضعه ويتعلق بفصل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر عن الفلسطينيين في الضفة الغربية. لكن الاتصال بين الفلسطينيين في كلا جانبي الخط الأخضر استمر حتى 2002. وفي هذا العــــام عاد شارون، وكان قد أصبح رئيسا للـــحكومة، واتخذ قرارين بهـــدف الفصل بين المجموعـــتين الفلسطينيتين. وقضى القرار الأول ببـــناء الجدار الفاصل الذي منــــع التنـــقل بين منـــطقة المثـــلث والضــــفة الغربية، بينما منع القرار الثاني الفلســـطينيين من الضفة الغربية، الذين تزوجوا مــــن مـــواطـــنين عرب في إسرائيل، من الحصول علـــى المواطـــنة الإسرائيلية.
ويشدّد باحثون كثيرون على أنه لا شك في أن اعتبار الفصل السكاني بين العرب مواطني إسرائيل وبين سكان السلطة الفلسطينية كان ماثلا أمام عيني شارون لدى المصادقة على هذين القرارين.