| 

على امتداد الشريط الشرقي للضفة الغربية، تظهر سلسلة من المستوطنات اليهودية الزراعية الضخمة كعلامة فارقة مكروهة في المكان، لكن الوجود الفلسطيني البشري قليل وينحسر سنة بعد سنة، فيما تمنع السلطة الفلسطينية من تنفيذ أي من مشاريع البنية التحتية في المنطقة المصنفة (ج) بحسب اتفاقيات أوسلو. والاقتراب كثيرا من سياج إحدى تلك المستوطنات التي بنيت على سفوح الجبال الشرقية التي تطل على نهر الأردن، وهو خط الحدود الطبيعية مع المملكة الأردنية، يظهر مدى استغلال الأرض الزراعية المنبسطة المحاذية للنهر من ناحية الغرب. بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الاقتراب من حدود تلك المستوطنات يعني الاقتراب من حافة الموت. وبالنسبة إلى الإسرائيليين، يعني العمل في منجم ذهب لا ينتهي. وغور الأردن، وهو الشريط الغائر في الأرض الذي ينخفض عن سلسلة جبال الضفة الغربية عشرات الأمتار، إحدى القضايا التي يخوض الإسرائيليون والفلسطينيون حربا مفتوحة فيها. ففي الوقت الذي تفرض فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الأمر الواقع، عبر بناء المستوطنات الزراعية، وافتتاح مشاريع زراعية كبيرة، يحاول الفلسطينيون الصمود في مناطق سكناهم عبر البقاء في مساكن متداعية، إذ إنهم يُمنعون من بناء المساكن الخرسانية في تلك المناطق.
مؤخرا، نشرت وزارة الدفاع في إسرائيل، تصاميم بناء 170 مسكنا جديدا و84 غرفة للضيوف في مستوطنة «روتم». وتسعى الحكومة الإسرائيلية إلى بناء وحدات أخرى في مستوطنات تطل على منطقة الغور. وتقع «روتم»، وهي واحدة من سلسلة مستوطنات زراعية في شمال الغور، في مركز المناطق الفلسطينية المأهولة بالسكان الذين يمارسون مهنة الرعي منذ عشرات السنين. لكن البناء لا يقتصر على «روتم»؛ فعلى طول الشريط الغني بمصادر المياه والتربة الخصبة التي تسيطر عليها إسرائيل، تجري أعمال بناء في معظم المستوطنات حتى من دون الإعلان الرسمي عن ذلك. والمرور عبر شارع «آلون» الذي يخترق سلسلة التلال والجبال في مركز الغور يظهر مدى التوسع الاستيطاني في المنطقة حيث تظهر التجمعات الرعوية الفلسطينية كبقع متناثرة ومحاطة بتلك المستوطنات.
تقع مستوطنة «روتم» في غور الأردن ضمن المناطق المصنفة (ج) في الضفة الغربية، وهي المناطق الخاضعة بشكل كامل للسيطرة الإسرائيلية. لكن قبل فترة ليست طويلة كان محيط «روتم» المشبع بالماء والخضرة متاحا للفلسطينيين، وقبل سنوات كانت الأرض خالية من أشجار الزيتون التي زرعها المستوطنون مستغلين الأراضي التي استولوا عليها. ومن على بعد تظهر مبانٍ كبيرة تجري حولها أعمال بناء أخرى. وقال عارف دراغمة، وهو رئيس المجلس المحلي الذي يضم 13 خربة وتجمعا رعويا في منطقة الأغوار الشمالية، إن البناء الاستيطاني مستمر ولم يتوقف يوما حتى في أثناء المفاوضات السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وأضاف: «إنهم يبنون في كل مكان، لكننا ممنوعون من بناء غرفة واحدة للمجلس».
شمالا، على بعد مئات الأمتار من «روتم» تقع مستوطنة «ميخولا»، وهي أولى المستوطنات الزراعية التي بنيت في الضفة الغربية بعد عام 1967. وقال سكان بدو يسكنون في محيط «ميخولا»، إن المستوطنة بدأت بمنزلين، لكنها توسعت لتضم مئات المنازل التي يسكنها يهود متطرفون يستغلون آلاف الدونمات الزراعية التي استولت عليها حكومتهم وأغدقت بها عليهم. وتدعو أحزاب يمينية إسرائيلية إلى ضم المناطق المصنفة (ج) في الضفة الغربية، والتي تشكل 60% منها. وأكثر من مرة كرر رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقون نيتهم الاحتفاظ بمنطقة الغور وإبقاء نقاط مراقبة فيها بعد أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين.
ساعدت الحكومة الإسرائيلية في استثمار قوتها كلها لبناء آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية، كخطوات استباقية، لمنع قيام دولة فلسطينية متصلة الأجزاء. وفي منطقة الغور، يظهر أن المستوطنين لا ينتظرون أي قرار من الحكومة الإسرائيلية للبناء. وعلى بعد مئات الأمتار من «روتم»، تظهر أعمال بناء لمنشآت زراعية يقول السكان في المنطقة إنها ربما مزارع لتربية الحبش والطيور. وغير مرة أشارت منظمات إسرائيلية وأخرى دولية تراقب الاستيطان، إلى وقائع كثيرة في معظم مستوطنات الضفة الغربية تتعلق ببناء أعداد كبيرة من المساكن الاستيطانية.
في الغور ذاته، يمكن أي مار اكتشاف المباني ببساطة. إنها تبنى علنا في الليل والنهار. وقال محمد أبو العايدة، وهو شاب يعيش مع عائلته قرب مستوطنة «روتم»، ان المستوطنين استولوا على أراض واسعة قرب منازل العرب منذ سنوات وتركوها فارغة، لكنهم الآن يبنون فيها. ويظهر سياج شائك في محيط تلة صغيرة كان المستوطنون وضعوه لإعلان سيطرتهم عليها. وقال العايدة: «أنا رأيتهم وهم يضعون السياج قبل سنوات. الآن يبنون مباني واسعة لتربية الحبش». ويؤكد الأمر ذاته سكان كثيرون يسكنون في مضارب رعوية تطل على مستوطنة «روتم». ومن أي تلة تقابل مستوطنات يهودية زراعية في شمال الغور يمكن اكتشاف أبنية. وقالت عائلات رعوية تسكن في عين الحلوة التي كانت مشهورة بينابيعها المعدنية، ان جميع الأبنية التي بنيت على التلة المقابلة، ما زالت فارغة بانتظار من يسكنها.
أكثر من مرة قال مسؤولون فلسطينيون إن الأعمال الاستيطانية الجارية على امتداد الضفة الغربية، تهدف إلى تقويض أي حلم بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة ومتصلة جغرافيا. ذاتها قضية الاستيطان، كانت واحدة من القضايا الرئيسية التي أدت الى توقف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.
نظرة قريبة إلى الغور بعيدا عن الخرائط الجيوسياسية وتصريحات السياسيين، تُظهر أن الوضع في منطقة الغور أصبح أمرا بالغ التعقيد. لقد نهب المستوطنون الأراضي وأقاموا مشاريع زراعية تدر عليهم أموالا تسثمر مرة أخرى في البناء.

لا سـلام

البناء الاستيطاني يتواصل في منطقة الضفة الغربية والقدس. وثمة خلال الأشهر الماضية عدد كبير من العطاءات التي طرحت لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية حول القدس وبعيدا عنها. لكن الأمر بالنسبة إلى سكان الغور الذين يراقبون بعيون الخوف كل يوم ما يجري في محيطه أكثر خطورة بعيدا عن الرؤية السياسية. لقد تعلم المستوطنون مؤخرا مهنة تشابه مهنة ابن الغور وأخذوا يزاحمونه على ما تبقى من أرض. ويظهر المستوطنون الرعاة يرعون قطعان مواشيهم قريبا من منازل الفلسطينيين الهشة المبنية من الخيش والزينكو. وتبين معطيات يومية، أن الدوائر الإسرائيلية الرسمية ماضية في استغلال كل دقيقة للبناء وتطوير المستوطنات. وهو ما يظهر أمام عيني محمد العايدة وغيره من سكان الغور الذين لا يكفون عن الضحك الساخر من فرضية «إحلال السلام»، أمام آلة حرب لا تتوقف عن استغلال أراضيهم.
يقول المستوى السياسي الفلسطيني إنه لا يهتم لتغير طبيعة الائتلافات الحكومية في إسرائيل ولكنهم مهتمون بأن «متطلبات السلام لن تتغير»، بدءا بوقف الاستيطان والإفراج عن المعتقلين، وبما يشمل حل قضايا الوضع النهائي كافة، بما فيها القدس واللاجئون وصولا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود الرابع من حزيران 1967.
على أرض الواقع كل شيء يتغير. الائتلافات الحكومية الإسرائيلية تصر على مواقفها بشأن السيطرة على الغور والجغرافيا الفلسطينية التي تتغير يوما بعد يوم. في شرق الضفة الغربية، تظهر الأبنية الاستيطانية فجأة في المستوطنات الزراعية. وأشار عارف دراغمة إلى سلسلة الجبال التي أفرغها الاحتلال الإسرائيلي من السكان الفلسطينيين.
السير عبر شارع (90) شرق الغور الذي تسيطر عليه إسرائيل وتسميه شارع «غاندي»، وهو لقب وزير السياحة الإسرائيلي الأسبق رحبعام زئيفي الذي اغتالته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ردا على اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى، يظهر الأبنية الزراعية والتوسيع المستمر للمشاريع التي تقام برعاية الحكومات الإسرائيلية.
كانت الحكومة الإسرائيلية وافقت على تبييض بعض البؤر الاستيطانية في منطقة الأغوار وإضفاء سمة «الشرعية» عليها، مثل مستوطنة «غفعات سلعيت» التي أقيمت أيضا بين حرش سرو زرع بشكل نادر في هذه المنطقة الحارة التي تنبت فيها شجيرات صحراوية. وتظهر طرقات ضيقة تقود إلى البؤرة التي لا يلزم إلا تغيير وصفها لتصبح مستوطنة.
تقع «غفعات سلعيت»، في الجزء الشمالي من الغور، وكانت بنيت في العام 2001 بعد مقتل الفتاة اليهودية التي تحمل اسمها. لكن وفقا للالتزامات التي ترتبت على إسرائيل بموجب «خريطة الطريق»، يجب عليها إخلاء جميع البؤر الاستيطانية التي أنشئت بعد آذار 2000. وبحسب معطيات فلسطينية رسمية، فإن مساحة غور الأردن تبلغ 29% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، تسيطر إسرائيل على أكثر من 90% من مساحته بحسب بيانات مؤسسات حقوقية إسرائيلية، ويقيم فيه نحو 65 ألف فلسطيني، في حين يبلغ عدد المستوطنين في المنطقة نفسها 9,500 مستوطن. ويقيم العدد الأكبر من السكان الفلسطينيين في مدينة أريحا جنوب الغور وبعض القرى الزراعية على قلتها. لكن مسألة الاستيطان في الغور مرتبطة ارتباطا شديدا بقضية المياه التي يسعى الفلسطينيون للحصول عليها بشق الأنفس. وتستغل مجالس المستوطنات الموارد المائية بتسهيلات إسرائيلية حكومية، لكن يمنع على الفلسطينيين استغلال أي من الموارد المائية الجوفية، وما عاد متاحا لهم نهائيا استغلال أي قطرة من نهر الأردن بعد عام 1967.

خطة ألون

الغور، علبة العسل الممتلئ، الذي كان محط أطماع الحكومات الاسرائيلية، الأرض البكر المفتوحة الخصبة التي شكلت ممرا لاحتلال أجزاء من الضفة الغربية قبل 45 سنة، يقع تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي بالكامل من ناحية عملية، وتستغل المستوطنات موارده. ويعتبر ذلك تنفيذاً لخطة إسرائيلية قديمة تدعى خطة «ألون» الإسرائيلية بجوانبها الاقتصادية والعسكرية. وكان وزير العدل الإسرائيلي يغال ألون اقترح في أواخر الستينيات أن يبقى غور الأردن تحت السيطرة الإسرائيلية، إضافة إلى منطقة «غوش عتصيون» وجزء من جبل الخليل وما يسمى «القدس الموحدة». وعزلت السلطات الإسرائيلية في هذه المنطقة الحدودية مليونين ومئتي ألف دونم لا يستفيد منها الفلسطينيون شيئا منذ عام 1967. وأنهي الوجود الفلسطيني كليا في تلك المنطقة منذ الأيام الأولى لسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية.
كانت رياح التغيير هبت بقوة على الغور منذ اليوم الأول لحرب 1967 عندما طرد الرعاة من مناطقهم وهدمت القرى الصغيرة القريبة من نهر الأردن. وقد هدمت القوات الاسرائيلية عشية احتلالها الضفة الغربية نحو 30 تجمعا زراعيا وشردت سكانها، وأقامت في مكانها مشاريع استيطانية زراعية. غير أن الهدم لم يتوقف. ففي العام الأخير، هدمت خرب ومضارب رعوية أكثر من مرة وشرد سكانها، فيما كانت المستوطنات المقابلة لها تتوسع بخطط مكشوفة وبدونها.
المشهد اليوم في الغور، عسكري بالكامل، والوجود الاستيطاني هو الطاغي في كل مكان. فقد تحولت الكيبوتسات الزراعية اليهودية الصغيرة إلى مستوطنات كبيرة تشكل رافدا مهما للاقتصاد الإسرائيلي النامي بفعل السيطرة على الأرض الخصبة ومصادر المياه.
كانت هذه خطة إسرائيل غير المعلنة، وغايتها التخلص من الوجود الفلسطيني وإنـــهاء التجمـــعات الزراعية الفلسطينية التي نشأت في الأربعينيات والخـــمسينيات، عبر الإفراغ التدريجي للحياة الفلسطينية، واستبدالــها بالمستوطنات الزراعية التي تستغل موارد الأرض التي تضيق يوما بعد يوم.

* صحافي فلسطيني مقيم في مدينة طوباس.