| 

تشكل المصادفة العامل الرئيس في الاكتشافات الأثرية في قطاع غزة الذي غاب عنه حتى اللحظة أي جهد ممنهج وعلمي للتنقيب عن الآثار، على الرغم من توقعات الخبراء باكتناز باطن الأرض آثاراً مهمة نظرا للأهمية التاريخية لهذا الإقليم الساحلي ولا سيما أنه كان موقعا وطريقا لالتقاء الحضارات المختلفة.
وعلى الرغم من الامكانات المحدودة وعدم اهتمام المنظمات الدولية والعربية المعنية بالآثار، إلا ان آخر اكتشاف اثري في قطاع غزة يعود إلى بداية العام الجاري حين تم اكتشاف أرضية فسيفساء جديدة في مدينة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة تضاف إلى ثلاث أرضيات أخرى تم اكتشافها خلال السنوات الأخيرة.

المسجد العمري الكبير

يزخر قطاع غزة بمعالمم أثرية عظيمة غالبيتها ذات طابع إسلامي ومسيحي، ولعل أبرز هذه الآثار «الجامع العري الكبير» الذي تبلغ مساحته 4100 متر مربع، ويتربع في حي الدرج وسط مدينة غزة، وقد وضعت حجارته الأولى قبل نحو 900 عام، إذ كان معبدا وثنيا ثم تحول إلى كنيسة بعد دخول المسيحية إلى غزة. وكان الصليبيون استولوا على غزة، وأقاموا كنيسة القديس «يوحنا» على أنقاض المسجد العمري، وهو البناء الحالي للمسجد الذي يتخذ الشكل المستطيل على النمط «البازيليكي» كما قال المؤرخ الفلسطيني المعروف سليم المبيض. وللمسجد العمري، بحسب قول الخبير عبد اللطيف أبو هاشم مدير دائرة المخطوطات والمكتبات والآثار في وزارة الأوقاف في غزة، في حديث لملحق «فلسطين»: واقعة لها أثر في التاريخ، ووقائع تذكر كأنها تروى للمرة الأولى، حيث أشرف على بنائه أحمد باشا الجزار، وزاره السلطان عبد الحميد، قبل أن تدوسه أقدام البريطانيين ليسرقوا أقدم مصحف في فلسطين أطلق عليه أبو هاشم «المصحف الأسير».

قصر الباشا

يتوسط مدينة غزة معلم أثري فريد من نوعه في قطاع غزة، وهو قصر الباشا الذي تم تحويله إلى متحف باسم متحف قصر الباشا ليضم المئات من المقتنيات والآثار التاريخية، ويعتبر القصر النموذج الوحيد المتبقي من القصور في غزة. وتكمن أهمية القصر في أنه يعود إلى العصر الإسلامي المملوكي من حيث الزمن، وفي طراز بنائه وطريقة عمارته من الداخل والخارج، لما تعكسانه من عراقة العمارة الإسلامية المملوكية، من حيث استخدام الحجر الرملي في العقود، أو من حيث شكل النوافذ والزخارف. وبحسب بعض المؤرخين والخبراء، فإن بناء القصر تم في زمن الظاهر بيبرس (1260-1277م)، مستدلين على ذلك بشعار الظاهر بيبرس الموجود على مدخله الرئيس، والذي هو عبارة عن أسدين متقابلين.
ويتألف القصر من بناءين منفصلين تتزين واجهاتهما وأعتاب مداخلهما بأشكال مختلفة كالأطباق والنجمية والمقرنصات والزخارف النباتية والمحورة والدعامات السائدة، وهي عناصر معمارية لدعم الواجهات، خاصة المرتفعة، بالإضافة إلى العقود التي تزين المداخل وتستخدم فيها الأحجار الجيرية والرخامية الملونة. أما الطابق السفلي من القصر، فيتألف من ثلاث قاعات رئيسة فيها آثار بيزنطية وعملات نقدية وأدوات فخارية، وآثار إسلامية أيوبية ومملوكية وعثمانية، منها أباريق نحاسية. فيما يتألف الطابق العلوي من قاعتين، وهو يحتضن آثارا برونزية وكنعانية وحديدية ويونانية ورومانية وبيزنطية. وبحسب المؤرخ سليم المبيض، تعرض القصر لحريق متعمد في أواخر ثمانينيات القرن الفائت قام به مستوطنون يهود، إضافة إلى تعرضه لتدمير جزئي في الحرب الأخيرة على غزة.
من الآثار البارزة في غزة أيضاً مسجد السيد هاشم وجامع كاتب ولاية في مدينة غزة، والمسجد العمري في جباليا، وأديرة وكنائس أهمها كنيسة دير القديس هيلاريون، والكنيسة البيزنطية بجباليا، وكنيسة القديس بيرفيريوس، ومواقع أثرية أخرى كتل العجول وتل السكن وتل المنطار والبلاخية، بالإضافة إلى العديد من البيوت والمنشآت الأثرية والخانات القديمة كخان الأمير يونس النوروزي وقلعة برقوق. وظلت هذه الآثار شامخة رغم قسوة العدو والإهمال وشح الإمكانات، والأخطر من ذلك جهل مواطني القطاع بأهمية هذه الآثار وعدم تشجعهم لزيارة الغالبية العظمى منها.

دير القديس هيلاريون

من الملامح الأثرية المهمة في قطاع غزة دير القديس هيلاريون في مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث يعد من أوائل الأديرة المسيحية التي أقيمت في فلسطين وأقدمها على الإطلاق ويعود إلى العهد البيزنطي، حيث أنشئ في البداية كصومعة للقديس هيلاريون، وهو أول من أنشأ نظام الرهبنة في فلسطين عام 329م، ثم تطور نظامه المعماري حتى أصبح ديراً كبير المساحة، وتعرض الدير لزلزال دمر مرافقه في منتصف القرن السابع الميلادي.

حمام السمرة الأثري

ربما يكون المعلم الأثري الوحيد الذي يؤمه سكان القطاع من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، حمام السمرة في وسط مدينة غزة، وذلك لأمور صحية بحتة، إذ دأب سكان القطاع على ممارسة طقوس الغسل والاستجمام الصحي في الحمام منذ مئات السنين وبشكل يومي، حيث يعتبر الحمام أحد النماذج المميزة للحمامات التي بنيت خلال العهد العثماني، ويعمل في الحمام جماعة تسمى (السمرة) فسمي باسمهم، ويقال انهم تملكوه، ويحتوي الحمام على عناصر معمارية وزخرفية غاية في الجمال.

غزة من أقدم مدن العالم

يقول الخبير أبو هاشم «إن غزة مثلت قاعدة وثنية في بعض العهود السياسية، وكان عمرو بن لحي أول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب، ليأخذ وثناً منها لبلاد الحجاز». وذكر أبو هاشم بعضاً من أهم المواقع الأثرية في غزة، ومنها تل العجول جنوباً، الذي عثر فيه الأهالي على تمثال لصنم، نقل إلى متحف القسطنطينية. وأوضح أن صلاح الدين الأيوبي نزل في تل العجول، وحدثت فيه أكبر معركة بين السلطان محمد بن قلاوون والخارجين عليه، وانتهت المعركة باندثار التل. ويعتبر أبو هاشم ميناء غزة من المواقع الأثرية في المدينة، حيث أُنشئ في عهد الإمبراطور الروماني «كونستنا»، مبيناً أن الميناء يحتوي على آثار ممتدة تحت كثبان الرمل، وقطع فخار وغيرها من الآثار التي تدلل على العهد الروماني. ومن المواقع الأثرية أيضاً، بحسب أبو هاشم، خربة أم التوت، وتل النقيد أو تل الصنم، ويسمى معبد سرابيس، وهي الآن من القرى المندثرة في القسم الشمالي الغربي لمدينة غزة، إضافة إلى تل «أبي الهوى» وكان عبارة عن تل من أنقاض وفيه وأرض مرصوفة بالفسيفساء، وهو الآن من أشهر أحياء غزة.
أكد المؤرخ المبيض لملحق «فلسطين» أن ما يميز قطاع غزة من ناحية أثرية وتاريخية هو موقعه المتفرد في أقصى الجنوب الغربي الفلسطيني، بالإضافة إلى وجود ميناء «انكلون» (الزهرة البيضاء)، في العصور القديمة، وكان يعتبر موقعا مهما للعلاقات التجارية بين غزة واليونان وقبرص. وقال: «إن وجود هذه الميناء منذ القدم عزز مكانة القطاع كموقع لتلاقي الحضارات عبر آلاف السنين، الامر الذي عكسه العثور على مئات القطاع النقدية والفخارية المختلفة في منطقة البلاخية القريبة من الميناء، والتي تقع غرب مدينة غزة». وأضاف: «عكست هذه النقود والعملات المختلفة حجم التجارة الكبيرة في هذه المنطقة، وهذا يدل على كثافة التجارة في هذا الميناء وعلاقته المتميزة بجنوب اليونان وأوروبا، إضافة إلى العلاقة المتميزة والجيدة بالجزيرة العربية وتجارة التوابل مع آسيا. ولفت إلى أن الآثار في غزة متنوعة ومختلفة الجنسيات، حيث تنتمي إلى الحضارات الفارسية والبابلية والفرعونية والكنعانية والرومانية والإسلامية وغيرها من الحضارات. وأكد المبيض الذي اشتهر بشغفه على مدار نصف قرن في التنقيب عن الآثار وتأريخها والاهتمام بها، أن «غزة تلخص حضارات قديمة جداً منذ أن كانت عاصمة الفراعنة في أرض كنعان، وهذا ما يجسده وجود المقابر الفرعونية في مدينة دير البلح وسط القطاع».

إمكانات محدودة

إن النقص في المعدات والأدوات اللازمة لأعمال الحفريات والتنقيب، ونقص الكفاءات، بالإضافة إلى رفض منظمة اليونسكو التعاون مع «حكومة غزة» بشكل مباشر لأسباب ودوافع سياسية، يقف عائقاً أمام مزيد من الاكتشافات، كما يقول وكيل وزارة السياحة والآثار في حكومة غزة الدكتور محمد خلة. وعرض خلة في حديث لملحق «فلسطين» الجهد المبذول في الاكتشافات الأثرية وأعمال التنقيب في قطاع غزة، مبيناً أن الوزارة قامت بترميم عدد كبير من المواقع الأثرية التي كانت قديما أماكن مهملة لم تلق أي اهتمام، ومن أهم تلك المواقع دير القديس هيلاريون وخان الأمير يونس أو ما يعرف بقلعة برقوق، وموقع الكنيسة البيزنطية، وقصر الباشا. وبيّن أن الوزارة بذلت جهدها للحفاظ على القطع والمكتشفات الأثرية «فقد بدأت في مشروع توثيق جميع القطع الأثرية التي تم العثور عليها في سجل الكتروني مرفق بالصور يبين نوع كل قطعة وإلى أي تاريخ تعود». وتحدث خلة بنوع من التفصيل عن مشروع التنقيب في تل رفح الأثري في جنوب قطاع غزة الذي يعد من أكبر مشاريع التنقيب التي عملت عليها الوزارة، حيث يدخل الآن في المرحلة الثالثة، مشيراً إلى أن الموقع يعتبر من أهم التلال الأثرية في فلسطين المليئة بالقطع واللقى الأثرية التي تعود إلى آلاف السنين. ومن بين أهم تلك القطع المكتشفة في الموقع جرار وأطباق فخارية وأرضيات فسيفساء وقطع نقدية متنوعة، كما تم الكشف عن أعمدة أثرية وبعض الجُدُر التي تعود إلى العصور الكنعانية. وأكد أن الحصار الإسرائيلي يحول دون التواصل مع الخارج لاكتساب الخبرات، خصوصاً أن معظم الدول العربية والإسلامية ترفض التعامل مع وزارة السياحة في غزة بشكل مباشر، مبيناً أن الحصار حال دون ادخال الكثير من المواد والأجهزة التنقيب. وأشار خلة إلى رفض المؤسسات الدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو والمنظمة العربية للثقافة والعلوم، التواصل مع وزارة السياحة والآثار في غزة لاعتبارات سياسية، مقللاً في الوقت ذاته من قدرة الكفاءات المحلية الموجودة في قطاع غزة، والتي تحمل على عاتقها القيام بعمليات تنقيب بدائية وبسيطة، على تحقيق نجاحات على صعيد الاكتشافات الأثرية. وأوضح أن «مدينة غزة القديمة هي آثار بحد ذاتها لاحتضانها العشرات من الأماكن الأثرية ما بين مسجد وكنيسة ومقبرة وتكية وحمام وقصر ومقامات وغيرها».

الإنكليز والمصريون أهملوا الآثار والاحتلال سرقها

أشار سليم المبيض إلى أن الآثار في القطاع تعرضت لظلم كبير وإهمال شديد منذ بدء حقبة الاستعمار الانكليزي في مطلع القرن الماضي وحتى إقامة السلطة الفلسطينية في منتصف تسعينيات القرن الماضي. واتهم الانكليز بإهمال الآثار خلال فترة استعمارهم فلسطين، ما ضاعف من محنة هذه الآثار وتهميشها، والمساهمة في طمس العديد منها واندثارها تحت وطأة العوامل الجوية والحروب والدمار والسرقة. وتلى هذا الاهمال عدم اهتمام آخر خلال حقبة الإدارة المصرية للقطاع التي استمرت منذ عام 1948 وحتى الاحتلال الإسرائيلي للقطاع عام 1967. وأكد أن أكثر ما أضر بقطاع الآثار هو الاحتلال الإسرائيلي الذي حرض المواطنين على التنقيب عن الآثار ليشتريها منهم بتشجيع من القيادات العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسها الجنرال موشي ديان الذي اشتهر بكونه لص آثار محترفاً. ولفت المبيض إلى أن فترة الاحتلال الاسرائيلي لقطاع شهدت سرقة المئات من القطع الأثرية من القطاع.
يتفق خلة مع المبيض على أن الاحتلال الإسرائيلي تعمد تدمير بعض الآثار، منها مسجد النصر في بيت حانون الذي يعود بناؤه إلى العهد المملوكي، والذي تم تدميره في العام 2006. ولم يكتف الاحتلال بتدمير هذا المسجد، بل قام أيضاً بضرب الكنيسة البيزنطية وموقع البلاخية الأثري بالصواريخ خلال الحروب الأخيرة على القطاع.

* صحافي فلسطيني مقيم في غزة.