| 

قطاع غزة جزء أصيل من فلسطين المحتلة، وهو ما برح يتعرض لسلسلة متنوعة من الاعتداءات الإسرائيلية، ما بين مجازر، واغتيالات فردية، وإطلاق نار وقصف إلى احتلال وتهجير وتدمير وحصار وتجويع. بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة منذ العام 1948 حين أعلنت إسرائيل قيام دولتها على أرض فلسطين، وما زال العدوان مستمراً حتى قبل نحو ثلاثة أشهر حين وُقع اتفاق التهدئة بين حركة حماس التي تحكم القطاع، وإسرائيل. وقد قدرت مراكز ومؤسسات الدراسات والتوثيق عدد الشهداء الذين قضوا جراء الاعتداءات والحروب الإسرائيلية، طيلة هذه السنوات، بنحو 11600 شهيد، وهو ما أكدته أيضا إحصاءات أعدها بنك المعلومات التابع لمركز القدس للمعلومات في قطاع غزة.
بعد قيام الدولة العبرية في أيار 1948، انتقل نحو 200 ألف مُهجر فلسطيني إلى القطاع هرباً من العصابات اليهودية التي قتلت وطردت الفلسطينيين من مدنهم وبلداتهم وقراهم خلال النكبة، ليتضاعف عدد السكان في القطاع. وعاش الفلسطينيون في قطاع غزة تحت الحكم المصري حتى العام 1967، حين احتلت إسرائيل القطاع في حرب الأيام الستة.
لم تتوقف أعمال النضال والمقاومة بشقيها المسلح والسلمي ضد إسرائيل في فترة خضوع القطاع للحكم المصري، كما استمرت المقاومة ببسالة بعد بدء الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 وحتى بعد انسحاب القوات الإسرائيلية في سنة 1994 مع تأسيس السلطة الوطنية عقب اتفاق أوسلو، واستمر النضال والكفاح المسلح والسلمي حتى اليوم..

بدايات العدوان الإسرائيلي على القطاع

يقول المؤرخ عمر خليل عمر في حديث لملحق «فلسطين»: مع انتهاء الانتداب البريطاني في أيار 1948 نشطت خلايا المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل التي ردت على حركة المقاومة بسلسلة جرائم أودت بحياة المئات منهم، خصوصاً في الفترة ما بين العامين 1953 و1956، فخلال هذه الفترة قصفت إسرائيل مركزاً للشرطة المصرية عمل فيه ضباط وأفراد فلسطينيون، ما تسبب باستشهاد 36 فلسطينياً، أعقبها قصف المستشفى الأهلي في مدينة غزة بالطائرات حيث استشهد نحو 62 فلسطينياً، ثم مذبحة مخيم البريج للاجئين التي قضى فيها 55 شخصاً، ومن ثم مذبحة خان يونس التي قضى فيها 250 مدنياً فلسطينياً، وبعدها بثمانية أيام وقعت مذبحة أخرى في مدينة خان يونس راح ضحيتها 275 شخصاً، ومع نهاية العام 1956 وقعت آخر هذه المجازر، حين خدع جنود الاحتلال المدنيين الفلسطينيين بارتدائهم الزى العسكري للجيش المصري وقتلوا 256 مدنياً، وتزامن ذلك مع نهاية العدوان الثلاثي على مصر، حين كانت إسرائيل تحتل قطاع غزة. وأوضح المؤرخ عمر، الذي كان قائداً عسكرياً آنذاك، أن «جزءا من العمليات الفدائية التي نفذتها قوات الفدائيين قادها الضابط في الجيش المصري مصطفى حافظ الذي كان الرئيس جمال عبد الناصر قد عينه لهذا المنصب، واستشهد حافظ في تموز 1956 اغتيالاً بظرف ملغوم وصله من عملاء إسرائيليين». وتابع: احتلت إسرائيل قطاع غزة لفترة امتدت نحو خمسة أشهر إبان العدوان الثلاثي على مصر، في العام 1956، وفي آذار 1957 انسحب الجيش الإسرائيلي، فجددت مصر الحكم العسكري على القطاع.
وفي حرب 1967 احتل الجيش الإسرائيلي القطاع مرة ثانية، ومنذ ذلك الحين أقيم نحو 26 مستوطنة يهودية في مناطق استراتيجية وساحلية من القطاع، بدأت بمستوطنة «كفار داروم» في العام 1968، حيث استوطن فيها نحو 850 شخص، ليرتفع العدد إلى نحو 7800 مستوطن، بحسب دائرة الأبحاث التابعة للكنيست، بعد مرور عشرات السنوات على الاحتلال.
بقي القطاع تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى العام 1994، حين دخلت قوات الأمن الوطني الفلسطيني إلى قطاع غزة، وأُعلن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بحسب اتفاق أوسلو الذي نص على بقاء المستوطنات وبعض المواقع العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع.

التاريخ النضالي في القطاع

أشار المؤرخ عمر إلى بدايات تأسيس حركة النضال الفلسطيني، التي ساهمت فيها حركة القوميين العرب (أبطال العودة)، والحزب الشيوعي وحزب البعث وقوات التحرير الشعبية، المنبثقة عن جيش التحرير الفلسطيني. وقال: نشطت طلائع المقاومة الشعبية في القطاع قبل احتلاله، ومع الاحتلال تصدت هذه المقاومة للجيش الإسرائيلي الذي كان قد بدأ بالانتشار في القطاع وتكثيف عدوانه على المدنيين. وأضاف: رافق ذلك قيام أجنحة مسلحة منبثقة عن الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي يعرف الآن بحزب الشعب الفلسطيني، وحركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
ومع نشاط مجموعات المقاومة، وهو ما عرف في حينه بـ«الفدائيين» الذين كانوا يحكمون السيطرة على القطاع خلال ساعات الليل، مهددين بذلك مراكز الاحتلال العسكرية، بدأت أجهزة المخابرات الإسرائيلية حملات اعتقال واسعة طالت عناصر المقاومة وقوات التحرير الشعبية، مع بدايات العام 1968، رافقتها حملات واسعة من هدم البيوت وتهجير أصحابها ونقلهم إلى مدينة العريش المصرية التي كانت تسيطر عليها إسرائيل، بالإضافة إلى إجراءات منع التجول، وجمع الناس في الساحات الخالية لتفتيش المنازل، واعتقال المقاومين، وفي بعض الأحيان كانوا يقومون بقتل الناشطين في أثناء التفتيش والتعقب.

من انتفاضة الحجارة إلى انتفاضة الأقصى

استمرت هذه الظروف حتى العام 1987، ففي كانون الأول 1987 اندلعت انتفاضة الحجارة من وسط مخيم جباليا، أكبر المخيمات في قطاع غزة، وزادت وتيرة المواجهات الشعبية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي التي استخدمت فيها الرصاص الحي لمواجهة الأطفال والمدنيين والنساء، وراح ضحيتها نحو 633 شهيداً جُلهم من الأطفال والفتية، إلى جانب جرح واعتقال الآلاف من المواطنين. وتمكنت منظمة التحرير الفلسطينية من قيادة انتفاضة الحجارة من خارج الأراضي المحتلة، تحت إشراف القائد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) الذي اغتالته إسرائيل في نيسان 1988 داخل منزله في تونس.
توقفت فاعليات انتفاضة الحجارة مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وصولا إلى إبرام اتفاق أوسلو عام 1993 وقيام السلطة الفلسطينية. واستمرت حالة الهدوء «النسبي» في العمل النضالي في قطاع غزة ضد الاحتلال الإسرائيلي ست سنوات، حتى تعثرت المفاوضات بين الجانبين، فاندلعت انتفاضة الأقصى في أيلول 2000 بعد زيارة قام بها رئيس المعارضة الإسرائيلية أريئيل شارون آنذاك للمسجد الأقصى.
جاءت هذه الانتفاضة لتعيد البريق إلى المواجهات مع الاحتلال في قطاع غزة، قبل أن تتحول بعد مرور عامين إلى مواجهة مسلحة، استخدمت فيها إسرائيل أسلحة متطورة وفتاكة. ويرى البعض أن أبرز أشكال الاعتداءات الإسرائيلية التي شهدتها هذه الانتفاضة لا تزال مستمرة حتى الوقت الراهن، إذا ما استثنينا حالات وقف إطلاق النار والتهدئة بين وقت آخر. وبحسب دراسة أعدها مركز الزيتونة للدراسات ومركز الميزان لحقوق الإنسان، عن عدد الشهداء الذين قضوا خلال انتفاضة الأقصى وإلى ما قبل قيام إسرائيل بشن الحرب على القطاع في كانون الثاني 2008، بنحو 3380 شهيداً غالبيتهم من الأطفال والنساء. وتخلل هذه الفترة قيام إسرائيل بتفكيك المستوطنات وإعادة انتشار قوات الاحتلال في محيط القطاع بقرار من رئيس حكومتها آنذاك أريئيل شارون.
عن ذلك قال كمال أبو ندا مدير بنك القدس للمعلومات في حديث لملحق «فلسطين»: في شباط 2005 صوتت الحكومة الإسرائيلية على تطبيق خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون للانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة، وإزالة جميع المستوطنات الإسرائيلية، وترحيل المستوطنين والقواعد العسكرية، وتم الانتهاء من هذا الانسحاب في أيلول 2005، وقيام إسرائيل بالإعلان عن إنهاء الحكم العسكري في القطاع. وأضاف: بقي القطاع من دون أي جندي إسرائيلي ، لتبدأ إسرائيل جولة جديدة من الحصار البري والبحري والجوي على غزة.
من أبرز ما يُذكر خلال تلك الفترة الممتدة ما بين العام 2000 وحتى العام 2008، قيام مجموعة من كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس التي سيطرت على قطاع غزة بالقوة عقب الانتخابات التشريعية في العام 2006، وبالتعاون مع أجنحة مسلحة أخرى، بالتسلل عبر نفق، ومهاجمة قوة للمدرعات الإسرائيلية كانت تراقب الحدود، في 25 حزيران 2006، ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين، وأسر أحد الجنود الإسرائيليين، يدعى غلعاد شاليط، ونقله إلى قطاع غزة حيث تم احتجازه حتى إطلاقه في 18 تشرين الأول 2011 في صفقة تبادل اضطرت إسرائيل بموجبها لإطلاق 1027 أسيرا وأسيرة من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

«الرصاص المصبوب»

استمرت مختلف أشكال العدوان الإسرائيلي على القطاع، بما في ذلك تشديد الحصار بعد خطف الجندي الإسرائيلي، إلى حين اندلاع الحرب التي أسمتها إسرائيل عملية «الرصاص المصبوب» في نهاية 2008، والتي استمرت نحو 22 يوماً، قامت خلالها إسرائيل باستخدام الطائرات المقاتلة والدبابات المتطورة في مهاجمة منازل السكان وقتل الأبرياء. ووثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان استشهاد نحو 1550 شهيدا ونحو خمسة آلاف جريح، معظمهم من المدنيين، خلال هذه الحرب، وقيام إسرائيل باستخدام أسلحة محرمة دوليا، ولاسيما ما يعرف بالفوسفور الأبيض ضد المدنيين، فضلاً عن تدمير نحو 4100 منشأة، تنوعت ما بين منازل ومؤسسات أهلية وحكومية ومستشفيات ومقار الوزارات.
قال الباحث طلال أبو ركبة مدير مركز رام الله للدراسات في قطاع غزة، في حديث لملحق «فلسطين»: شنت إسرائيل حربا عدوانية شرسة على قطاع غزة، بدأت بالقصف الجوي العنيف لجميع مقار الشرطة والأمن، ثم تتالى القصف لمدة أسبوع على المنازل والمساجد والمستشفيات، قبل أن تبدأ قوات الاحتلال بالزحف البري إلى الأماكن المفتوحة في حملة عسكرية عدوانية كبيرة، كان هدفها بحسب ما أعلنه قادة الاحتلال هو إنهاء حكم حركة حماس، والقضاء على المقاومة الفلسطينية، خصوصاً إطلاق الصواريخ، فاستخدمت قوات الاحتلال الأسلحة والقذائف المحرمة دوليا مثل القنابل الفوسفورية المسرطنة والقنابل آجلة التفجير. وأضاف أبو ركبة: كان من بين الأهداف الإسرائيلية لتلك الحرب التي وصفت بأنها أشد عدوان تشنه إسرائيل على القطاع منذ احتلاله في العام 1967، هو تحرير الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليط، لكن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق. وتابع: على الرغم من انتهاء الحرب بعد تدخل من الوسطاء بهدنة طويلة الأمد بين حركة حماس التي تسيطر على القطاع وإسرائيل، تمنع «حماس» بموجبها إطلاق الصواريخ على إسرائيل، مقابل وقف العدوان الإسرائيلي على القطاع، لكن آثار الحرب لم تنته بعد، فهناك الآلاف من المواطنين لا يزالون بلا مأوى، وهناك مئات المعوقين ومبتوري الأطراف بسبب الأعمال العدوانية. وقال أبو ركبة: سبقت هذه الحرب عملية عسكرية إسرائيلية ضد السكان في بلدة جباليا، استمرت خمسة أيام بدعوى القضاء على عناصر حركة حماس المُطلقة للصواريخ على البلدات الإسرائيلية.. وراح ضحية هذه العملية نحو 105 شهداء، وجرح نحو 350، معظمهم من المدنيين، وتدمير العشرات من المنازل.

عمود السحاب

اعتادت إسرائيل تسمية عملياتها العدوانية بمسميات محددة، ففي 14/11/2012 بدأت إسرائيل عملية عسكرية جديدة أسمتها «عمود السحاب»، باغتيال القائد العسكري في حركة حماس الشهيد أحمد الجعبري، أعقبها انطلاق المئات من الصواريخ التي وصلت للمرة الأولى إلى عمق إسرائيل التي كثفت هجماتها الجوية على القطاع وهددت بشن حرب برية على غرار عملية «الرصاص المصبوب» من دون أن تنفذ تهديداتها. وقتلت إسرائيل في تلك الحرب العدوانية نحو 170 شهيداً، وجرحت 2500 معظمهم من المدنيين ودمرت مئات المنازل والمؤسسات.
لم تختلف آلية العدوان عن سابقتها في حرب 2008، لكنها كانت أشد وتيرة في عمليات القصف، كما أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية أكثر من ألفي صاروخ على البلدات الإسرائيلية المحاذية للقطاع، إضافة إلى الصواريخ التي وصلت إلى مشارف تل أبيب، وهو ما اعتبرته المقاومة إنجازاً كبيراً، ونصراً مبيناً. وقد أجمع المحللون السياسيون، على أن وصول صواريخ المقاومة إلى مشارف تل أبيب، أجبر إسرائيل على القبول بشروط المقاومة الفلسطينية لفرض التهدئة والإعلان عنها في 22/11/2012 والتي ما زالت مستمرة حتى الوقت الراهن.

* صحافي فلسطيني مقيم في غزة.