| 

ظل مسيحيو قطاع غزة، كما هي الحال في الضفة الغربية، طوال القرون الماضية، جزءا أصيلا من نسيج وبنية المجتمع الفلسطيني، وكانوا وما زالوا شركاء في النضال والتضحية، وعاشوا مع المسلمين من أبناء شعبهم أسوأ الظروف، خاصة في ظل الحصار وفي الحربين الأولى والثانية على القطاع. ويقيم معظم المسيحيين العرب الفلسطينيين الذين ينتمون إلى أربع طوائف دينية، في مدينة غزة، وهي أكبر مدن القطاع، ومعظمهم يحظون بمكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، فبعضهم تخصص في تجارة الذهب، وآخرون في بيع البترول ومشتقاته، بينما يعتبر البعض من أكبر ملاك العقارات في المدينة، ومنهم أطباء ومهندسون وأكاديميون بارزون. وعلى الرغم من تباين آراء معظم المسيحيين في أوضاعهم وحياتهم تحت حكم حركة «حماس»، إلا ان جلهم أكدوا أنهم يمارسون حياتهم الدينية بحرية، وينعمون بحماية الجهات الأمنية، ويتوجهون إلى كنائسهم وقتما يشاؤون، ولم يسبق أن تعرضوا لأي محاولات إكراه.
يقول جبر الجلدة مدير العلاقات الدينية في كنسية الروم الأرثوذكس في القطاع، ان عدد المسيحيين في قطاع غزة يبلغ حاليا نحو 1500 شخص، ينقسمون إلى قسمين من حيث أصولهم الجغرافية: فهم مسيحيون مقيمون في غزة منذ مئات السنين، وتعتبر غزة بلدهم الأصلية، وآخرون هاجروا إليها بعد نكبة العام 1948.
كما قسم الجلدة المسيحيين المقيمين في قطاع غزة من حيث الطوائف الدينية إلى أربع: الروم الأرثوذكس، وهم يمثلون أغلبية المسيحيين المقيمين في قطاع غزة، والكاثوليك، والمعمدانيون، والانجيليون، مبينا أن عدد المنتمين إلى الطائفتين الأخيرتين قلة، وهم كانوا في الأصل من رعايا الطائفة الأم «الأرثوذكس».

الحصار سبب الهجرة

يرى جبر الجلدة أن عدد المسيحيين الفلسطينيين في قطاع غزة انخفض خلال السنوات الست الماضية من 3500 شخص إلى 1500 فقط جراء هجرة مئات الشبان من هذه الطائفة. ونفى الجلدة أن تكون الهجرة ناتجة عن اضطهاد من حكومة حماس، أو ضغوطات تمارس عليهم، مؤكدا أن معظم المهاجرين هم شبان خرجوا من قطاع غزة بهدف الدراسة، وبعد التخرّج فضلوا البقاء في البلدان العربية أو الأوروبية، خاصة أن معظمهم حصل على فرص عمل قد لا يجدونها في قطاع غزة المحاصر.
وأكد أن مسيحيي غزة يعيشون حياتهم كما المسلمون، ولا يتعرضون لأي ضغوطات، ويشاركون إخوانهم المسلمين المناسبات الاجتماعية، وثمة زيارات وصداقات دائمة، مبينا أن عائلته على سبيل المثال تقطن في حي جل سكانه من المسلمين، ولم يشعر هو أو عائلته يوما بالغربة. وأكد أن الشدائد والمحن التي عاشها سكان القطاع لم تميز يوما بين مسلم ومسيحي، فالجميع عاش الحصار بمرارته، كما أن صواريخ الاحتلال التي انهمرت على غزة إبان الحربين لم تفرق بين مسيحي ومسلم، مذكرا بسقوط أحد الشهداء من المسيحيين خلال الحرب الماضية. وأشار إلى أن الجنازة المهيبة للنائب المسيحي حسام الطويل الذي توفي قبل مدة وشارك فيها آلاف المسلمين، دليل على عمق العلاقة المسيحية الإسلامية، وعدم وجود أي فوارق بين الجانبين.
رد الجلدة على ما تروجه إسرائيل عن تقديم تسهيلات للمسيحيين من دون المسلمين، فقال إن «هذه مجرد أحاديث تفتقد الصواب، فالمسيحي يخضع للإجراءات والقيود الإسرائيلية التي يخضع لها المسلم، والتصاريح التي تمنحها إسرائيل لعشرات المسيحيين مرة واحدة في كل عام، بهدف الحج إلى كنسية المهد في الضفة الغربية، يشترط أن يكون عمر الحاصل عليها إما أقل من ستة عشر عاماً أو أكثر من 35 عاما، حتى أن كثيرين ممن تقع أعمارهم ضمن السن المسموح بها يتم رفض تصاريحهم لأسباب أمنية». وقال: المسيحيون في غزة، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت بعضهم إلى الهجرة، سيبقون في غزة إلى جوار إخوانهم، وسيواصلون نضالهم ضد الاحتلال، فهم أصحاب أرض وتاريخ، وكنائسهم تجاوز عمر بعضها 1650 عاما.
يؤدي معظم مسيحيي قطاع غزة شعائرهم في كنيسة القديس برفيريوس للطائفة الأرثوذكسية، وهي كنيسة تتوسط مدينة غزة، وتقع في قلب حي شعبي معظم سكانه مسلمون، وهي ملاصقة تماما لمسجد «كاتب ولاية»، بحيث لا يفصلهما إلا جدار مشترك. والكنيسة المذكورة من أهم المعالم التاريخية القديمة في قطاع غزة، وهي مبنية من حجارة صخرية قديمة، تتوسطها ساحة كبيرة، وفيها أماكن لتعليم الكتاب المقدس.
يؤكد إلياس الجلدة أحد المسيحيين البارزين في قطاع غزة، أن المسيحيين في القطاع ليسوا ضيوفا أو جالية منفصلة عن المجتمع، فهم أصحاب أرض ووجودهم في القطاع وجود تاريخي يمتد عبر مئات السنين، ولهم نشاط اقتصادي بارز ويقيمون في أماكن استراتيجية وسط قطاع غزة. ويضيف ان هذه المكانة جعلتهم ينخرطون في المجتمع الغزي ذي الأغلبية المسلمة، ويعيشون حياتهم بصورة طبيعية، إذ بات من الصعب التمييز بين الشخص المسيحي والمسلم، فالجميع عاشوا حياة واحدة. وأشار إلى «مشاركة المسيحيين إخوانهم المسلمين النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، ووقوع شهداء وجرحى ومعتقلين في صفوفهم، وهذا النضال المشترك قوى هذه العلاقة، وجعلها أكثرا تجذرا، بحيث باتوا شركاء في الدم والتضحية، كما ظلوا لقرون شركاء في الأرض والتاريخ». وأوضح أن «الاحتلال الإسرائيلي حاول مرارا وتكرارا خلق روح التفرقة وإثارة النعرات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، لكن هذه المحاولات فشلت، كما فشلت المحن والظروف العصيبة في خلق هذا الشرخ».

إجراءات مستفزة

مع ذلك، وجه الجلدة انتقادات عدة إلى الحكومة في قطاع غزة، أبرزها ما وصفه بمحاولة تضخيم بعض الحوادث الفردية التي تقع بين الفينة والأخرى، خاصة في ما يتعلق بتحول شاب أو فتاة من الدين المسيحي إلى الإسلام. وقال: بعد الانقسام وحصار قطاع غزة، بات تواصل مسيحيي غزة مع مسيحيي الضفة محدودا وصعبا، وباتت فرص الزواج بين الشبان والفتيات محدودة، لذا تحدث علاقات حب أو إعجاب بين شاب وفتى ينتميان إلى دينين مختلفين، فيصطدمان بعقبة الدين، ما يجبر أحدهما على التحول عن دينه من أجل الزواج بمن أحب. وأكد أن «هذا كان يحدث أحيانا في زمن السلطة الفلسطينية، قبل تولي حركة حماس مسؤولية الحكم في غزة، لكن لم يكن يلقى ضجة كبيرة، وكأن ما حدث نصر لدين على حساب دين». كما انتقد الجلدة مبالغة الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس في إجراءات التفتيش التي يتعرض لها المسيحيون وأمتعهم على المعابر، على الرغم من عدم وجود نص قانوني يسمح بذلك، مبينا أن «المسيحيين باتوا يشعرون بالضيق من مثل هذه الإجراءات، وقد خاطبوا أكثر من مسؤول في غزة لوقفها». ولم ينف الجلدة انزعاج المسيحيين في قطاع غزة من «عملية التمييز التي تنتهجها الحكومة في الوظائف، ليس ضد المسيحيين وحدهم، بل ضد كل فلسطيني لا ينتمي إلى حركة حماس، وهذا ما جعل الأفق ضيقا أمام المتخرجين والشبان المقبلين على الحياة أكانوا من المسلمين أو من المسيحيين». وتابع: ربما كان هذا سببا لتزايد الهجرة من القطاع، فعدد المسيحيين الذين هاجروا تزايد بعد حكم حركة حماس، وكذلك الحال للمسلمين، لكن أثر الهجرة كان واضحا بشكل أكبر في صفوف المسيحيين. وترحم الجلدة على زمن السلطة الفلسطينية والرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان يمنح المسيحيين حقوقهم، ويعطيهم فرصاً في العمل والتعليم.
يصف بعض المسيحيين عصر الرئيس الراحل عرفات بالعصر الذهبي، بحيث تمتعوا بحرية وامتيازات في الوظائف، ونالوا حقوقهم بصورة غير مسبوقة.

شركاء في الهدف والتضحية

يرفض الأب مانويل مسلم، رئيس دائرة العالم المسيحي في مفوضية العلاقات الدولية المسيحية، ورئيس الكنيسة الكاثوليكية في غزة سابقا، وعضو الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، إطلاق مصطلح تعايش على العلاقة التي تربط المسيحيين بإخوانهم المسلمين في قطاع غزة، مؤكدا أن «جميع الفلسطينيين يعيشون معا على أرض فلسطين، وهم شركاء في القضية والتضحية والنضال، وهم شعب واحد وتاريخ واحد».
بين الأب مسلم أن «هزيمة إسرائيل أخلاقيا واجتماعيا أمام العالم، بسبب حروبها وتنكيلها بالفلسطينيين، ومحاولات بعض الجهات لخلق انشقاقات بين الدينيين، جعلتها منبوذة ومكروهة، وهذا دفعها لمحاولة فرض ما بات يسمى بـربيع عربي، مبني على التفرقة والصراع». وأشار إلى أن معالم ذلك تتضح شيئا فشيئا من خلال محاولات خلق صراعات طائفية، وبث روح الكراهية بين الدينين، وهذا ما تغذيه جماعات متطرفة وافدة، تعمل وفق أجندات مشبوهة. وإلى جانب ذلك، تسعى إسرائيل لاستمالة المسيحيين إلى جانبها في معاداة المسلمين، مبينا أن المسيحيين العرب، خاصة رجال الدين والمثقفين، فطنوا لذلك، ويتصدون بكل ما أوتوا من قوة لمثل هذه المحاولات وإفشالها عبر تعميق الوحدة، واستعادة فكرة القومية العربية، مبينا أن صراع العرب مع إسرائيل هو صراع قومي حضاري وليس صراعاً دينياً، كما تحاول إسرائيل تحويله.

مخاوف مشروعة

أكد الأب مانويل مسلم أن غزة اليوم باتت تختلف كثيرا للمسيحيين عن غزة في العام 1993، فمسيحيو غزة وفلسطين عموما باتوا يشعرون بمخاوف كبيرة، مبينا أن هذه المخاوف لم تأت من محيطهم الإسلامي الذي عاشوا فيها لآلاف السنيين، فهذا المحيط كثيراً ما كان مصدرا للأمن والمحبة. وأوضح أن هذه المخاوف انعكست على المسيحيين وعلى شعائرهم وطقوسهم الدينية، وأضفت لونا باهتا عليهم، خلافا لما كان سائدا في الماضي. وعقّب قائلا: حتى في ظل حكومة حماس في غزة، يعيش المسيحيون في أمن، ولم يتعرضوا لما يثير القلق. وبيّن أن هذه المخاوف لها مصدران: «أولهما داخلي، وهو بدأ بعد الحرب الأولى على غزة في العام 2009، وبعد فتح الأنفاق ووصول مقاتلين وشبان غرباء للانضمام إلى المقاومة في غزة، وبعض هؤلاء يحملون فكرا غريبا وشاذا عن المجتمع الفلسطيني، بحيث بات وجودهم يشكل مصدر قلق للمسيحيين الفلسطينيين من أصحاب الأرض والتاريخ. وثانيهما خارجي نابع مما يحدث في المحيط العربي من اعتداءات إرهابية تستهدف المسيحيين في سوريا أو العراق أو مصر، وجميعها خلقت نوعا من الخوف من المجهول، لدى المسيحيين». وقال: إن مظاهر الخوف المذكورة انعكست سلبا على طقوس كان يؤديها المسيحيون في قطاع غزة، كمسيرة الصليب أو إضاءة شجرة عيد الميلاد، لكنه رفض إرجاع سبب ذلك إلى وجود حكومة حماس، معتقدا أن الأخيرة لن تمانع لو قدمت لها طلبات بإقامة تظاهرات دينية خاصة بالمسيحيين في القطاع.
وعبر الأب مسلم عن اعتقاده بقدرة الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، على تخطي أي تحديات تواجههم، من خلال تعميق الوحدة، وبث روح المحبة، والعيش في محيط من التسامح والتآخي، فالقضية واحدة، والهم واحد، والهدف واحد.

حالة فريدة

أما سهيل سابا، عضو مجلس وكلاء كنيسة الروم الأرثوذكس في القطاع، فأكد أن المسلمين والمسيحيين في قطاع غزة، والأراضي الفلسطينية، يعيشون حالة من الاندماج تعتبر فريدة من نوعها إذا ما قورنت ببعض بلدان المحيط العربي. وقال: مسيحيو القطاع هم مسيحيو الدين ومسلمو الثقافة، وهذا جعلهم ينعمون مع المسلمين بحالة تعايش تاريخية جعلت من الصعب التمييز بين المسيحي والمسلم، فالجميع انخرط في مجتمع واحد، وعاش مراحل قاسية وتـــعرض لــعدوان وبطش الاحتلال. وأكد سابا أنه أمضى جل عمره في غزة، ولم يشعر يوما بأي نوع من التمييز أو الفصل، مبينا أن حالة التعايش المذكورة ربما باتت لا تروق لبعض الجهات، بحيث بدأت تظهر مؤخرا بعض الظواهر الغريبة والشاذة في المجتمع الغزي، مع وجود اختلافات في الخطاب الديني لدى بعض الجهات الأكثر تشددا، والتي تحاول خلق حالة من الشرخ بين الشعب الواحد.

شعائر دينية ناقصة

شدد سهيل سابا على أن البعض لم تعجبه بعض شعائر المسيحيين الدينية، بحيث باتت بعض الشعائر تؤدى بحذر، وبعضها يؤدى بشكل منقوص. وقال: قبل سنوات، كانت تضاء شجرة عيد الميلاد في وسط مدينة غزة، وتخرج مسيرة كشفية يُحمل خلالها الصليب، لكــن هــذا بات صعبا في الوقت الحالي. لكن سابا نفى أن تكون حركــة حماس التي تحكم قطاع غزة، تمارس أي نوع من الضغوط على المسيحيين. ومع ذلك فإن عدداً من الطلبة المسيحيين، ممن غادروا قطاع غزة في السنوات الماضية بهدف العلم، بدأوا العودة إلى القطاع في العام 2012، وخوض مشوار البحث عن فرص عمل أسوة بباقي الشبان.

* صحافي فلسطيني مقيم في غزة.