| 

لا فيزيائيًا ولا رياضيًا ولا طبيعيًا يصح أن تكون الدحرجة إلى أعلى. ولكن، ألا يحمل هذا التعبير إشارة إلى صعوبةٍ ما، بل صعوبات تشبه التنفس تحت الماء أو إخراج فيلم سينمائي أو إنتاج عمل مسرحي أو إصدار كتاب في غزة؟
المخرج مصطفى النبيه، حائز الماجستير في فلسفة الجمال، يقول: الحقيقة انها دحرجة إلى أعلى. نحن نفتقد في غزة قاعدة فكرية فلسفية إعلامية واضحة، أكثر مما نفتقد مواد الإنتاج والمبدعين. مضيفًا: أظن أن الوقت حان لنعتمد السينما أداةً يتخطى دورها محاولات استدرار العطـــف، إلى نقل الحضارة والثقافة، وترسيخ فكر المقاومة والدفاع عن النفس والحق.

الاستقرار السياسي

إن قطاع غزة، بحسب مصطفى النبيه، زاخر بالشبان الموهوبين في التمثيل والمونتاج والتصوير والإخراج، لكن غياب المال ودور العرض، وعدم الاستقرار الســــياسي وغياب الأمن، لهما شأن في جعل مصير الشبان مبهمًا ومحــــبطًا، وإن بدا مقبلاً في الفترة الأخيرة على تقديم أعمال سينــمائية تسجيلية تنقل قصصا وحكايات ومشاهد واقعيـــة مؤثرة. وعلى الرغم من أن مصطفى النبيه أخرج عـــدداً من الأفلام التسجيلية والروائية التي فاز بعضها بجوائز محــــلية وعربية، فإنه يرى أن كلا النوعين، ما زال يحــــتاج إلى الدعم، وإلا فهما جاهزان للانسياق وراء رغبات الممولين الأجـــانب التي قد تتعارض في بعض الحالات بالمصلحة الفلسطينية، لكنه يفسر الإقبال الحالي على الأفلام التسجيلـــية بقلة التكلفة مقارنةً بالأفلام الدرامية التي تحتاج إلى طواقم ومعدات كثيرة.
يشير مصطفى النبيه إلى أن العمل السينمائي في غزة يعتمد بدرجة كبيرة المبادرة الفردية والتطوع اللذين بدآ في التضاؤل نتيجة سوء الوضع الاقتصادي بعد الحصار. وقد أخرج النبيه فيلما روائيا صامتا بعنوان «يوميات موظف» اعتمد فيه طاقماً من المتطوعين، في حين كانت تكلفة الإنتاج اللبناني لفيلمه الأخير «عصفور الوطن» 65000 دولار أميركي. ويوضح النبيه أن المشكلة في غزة لا تقف عند حدود المال، بل تمتد إلى المعنى، «فالجمهور أكثر ميلاً إلى التلفزيون»، «لكن العقدة الحقيقة تعتري علاقة الفن بالسلطة السياسية التي تفرض رقابة مستمدة من الأيديولوجية التي تتبناها. وعلى سبيل المثال، منعت حركة حماس المخرج خليل المزين من عرض رِجْل امرأة في أحد مشاهد فيلم له».

حرق دور العرض

لا ينكر المخرج النبيه الزيادة النسبية في عدد الإناث اللواتي يشاركن في الأعمال الفنية، مقارنةً بالأعوام السابقة، متوقعًا ارتباط ذلك بزيادة الإيمان بالفن، أو زيادة الإيمان بالمال. وعلى الرغم مما يردده الكثيرون عن قيام حركة حماس بحرق كثير من دور العرض في غزة في عام 1995، احتجاجاً على اتفاقية أوسلو، فإنه يلحظ زيادة إيمان الخطاب الإعلامي الحمساوي بالسينما، لدرجةٍ صار فيها الممثل رجـلاً وطـــــنيًا. وعن تمويل حكومة غزة المقالة لفيلم «عماد عقل» الروائـــي عام 2009، بنحو 20000 دولار أميركي، ودعمها مهرجان غزة للأفلام التسجيلية، قال النبيه: الدعم يُمنح على أساس الهــــوية لا على أساس الانتماء الفصائلي، وأنا رفضت المشاركــــة في لجنة تحكيم مهرجان غزة لأنه مهرجان حزبـــي بالدرجة الأولى، ومع ذلك يحسب له أنه قدم مخـــرجين جــدد موهوبين.
تنحصر أفضل أماكن العرض الحالية في القطاع في «مسرح رشاد الشوا»، وهو عبارة عن قاعة جماهيرية تتسع لألف شخص، وسينما الهلال الأحمر الفلسطيني وهي قاعة مسرح في الأساس، وفيها مشكلات كثيرة في تقنيات الصوت، وقاعة «مركز المسحال للطفل» ما يجعل الضفة الغربية تبدو «أفضل حالاً» بكثير إذ لا حصار يمنع الإطلاع على تجارب الآخرين، والمؤسسات الداعمة أكبر، ودور العرض موجودة. ويلفت النبيه إلى رفضه الانضمام إلى رابطة الفنانين الفلسطينيين التي تألفت مؤخرًا، لأنه «لا يعرف عن القائمين عليها شيئًا يشهد لهم بالكفاءة»، مبينًا غياب المنافسة الشريفة عن الوسط الفني الغزي بسبب حالة الفراغ القائمة.

الطفل والمرأة

المسرح ليس أحسن حظًا، فها هي الفنانة سماح الشيخ تتحدث عن حالة من الضعف تعتري مفاصل الحركة المسرحية في قطاع غزة. وتسترسل الشيخ: المسرح في غزة منحصر في إنتاج قلة من المؤسسات الثقافية التي تتلــــقى التمويل الخارجي، وهي تسلط الضوء، في معظمها، على قــــضايا الطفل والمرأة، ما ينسجم في فكرته ومضمونه مع رغبـــة الممول.
وترى الشيخ أن غياب الدعم والمساندة الحكومية للعمل المسرحي، مع إحجام رأس المال الخاص عن الخوض في هذا الميدان خوفاً من الخسارة سببان يفسران هذا التراجع، علاوة على ضعف البنية اللازمة للإنتاج، وعلى رأسها قلة وجود المسارح، خاصة بعد تدمير بعضها خلال الحربــــين الأخيرتين على القطاع، وعدم ملاءمة بقية القاعات للعروض المسرحية.
تعتقد الشيخ أن ثمة خبرات موجودة لدى الممثلين والمخرجين في القطاع حتى مع غياب أكاديمية أو معهد متخصص، لكن غزة تشكو غياب النص المسرحي الذي يلامس الواقع ويبحث في تفصيلات الوضع الفلسطيني. وتضيف: نعتمد كفنانين على الارتجال الجماعي في كتابة النصوص المسرحية كي نتجنب المسرح العالمي، وحتى مع ذلك فإن الأعداد التي تحضر العروض قليلة وتتركز في النخبة وليس في المواطنين العاديين الذين أثقلتهم هموم الحياة، إذ صار حضور مسرحية آخر ما يمكن أن يفكر فيه المواطن العادي.

التشبيك

في ظل رفض عدد كبير من الممثلين المعروفين فكرة المسرح الجوال، تصر الممثلة سماح الشيخ على ضرورة ابتكار الأساليب التي يمكن من خلالها تخطي العقبات، ومنها خلق حالة من التشبيك مع رواد الحركة المسرحية في الدول العربية، خاصة الذين يزورون القطاع في وفود التضامن. وعن مشاركة المرأة في هذا المجال، لا يبدو أن الحال تختلف كثيرًا عما هي عليه في السينما، لكن الشيخ ترى أن النقد السينمائي كأحد مكونات الحركة السينمائية موجود أكثر مما هو موجود في الحركة المسرحية.
الدحرجة إلى أعلى مستمرة حتى في الأدب والفنون التشكيلية، الأمر الذي يزيده الشاعر والكاتب وسام عويضة وضوحًا بالقول: الواقع الثقافي في مدينة غزة واقع هش، وغني في الوقت ذاته، فمع غياب أي نوع من الاهتمام على المستوى الرسمي، وغياب وزارتي الثقافة (في الضفة وغزة)، واتحاد الكتاب، واضمحلال دور الجمعــــيات المهتمة، وغياب الصحف بشكل كامل تقريباً، ولا سيما الصــــحف والمجلات التي تهتم بالثقافة، عانى الكتاب طويلاً غيـــاب صوتهم. ويكمل وسام عويضة: لقد أدى هذا الواقع إلى ولادة واقـــع افتراضي مواز من خلال مواقع التواصل الاجتماعي الـــتي أعطت حضوراً للنصوص المكتوبة، ووضعت أصحابها عـــلى خريطة الميدان الثقافي الذي تمدد من مجرد حالة افتراضـــية إلى فعل يخترق الواقع ويتعامل معه، فولدت العديد من المجموعات الشبابية والمبادرات التي أُسست أو كان الفــــضل في تأسيسها مبنياً على الواقع الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي.

النص الجديد

يقول عويضة: «ثمة غياب لنوافذ النشر، وغياب أي اهتمام بالفعل الثقافي في ما عدا المبادرات الفردية والجماعية التي يقوم بها الشبان، والتي تواجه كثيراً من العقبات والانتكاسات، مع وجود محاولات كثيرة جادة، لكنها معزولة ولا تسلط عليها الأضواء». ومع بروز رابطة الكتاب الفلسطينيين التي يدعمها الإطار الرسمي في قطاع غزة على حساب اتحاد الكتاب الفلسطينيين، يصر عويضة على اتهام هذه الرابطة بمحاولة «فرز الكتاب والأدباء وفق تصنيفات الانتماء الانتماء الحزبي. فابن حماس أهلاً وسهلاً به، ننشر له بشرط أن يقول ما يرضينا».
ولم يتوانَ عويضة عن وصف اتحاد الكتاب الفلسطينيين في قطاع غزة بـ«الاتحاد المهلهل الذي لا تغيب عنه بعض المحاولات الخجولة لبعث الروح فيه من خلال بعض الفاعليات الهامشية»، وحتى القطاع الخاص لم يسلم من انتقاد عويضة الذي اعتبر تقصيره غير مبرر، خاصة أنه يمتلك الأدوات والوسائل التي قد تشكل له نافذة جيدة.

لا يؤمن بالموهبة

الفنانة التشكيلية الشابة سلوى السباخي، التي لجأت مؤخرًا إلى رسم لوحاتها بمشروب القهوة، عوضًا عن مواد الرسم الباهظة الثمن وغير الموجودة غالبًا، تؤكد هي الأخرى كثرة عدد الموهوبين أمثال عصام حلس وبشير السنوار وحمدان البنا وغيرهم، وقبلهم إسماعيل شموط وكامل المغني.
لكن السباخي تشكر الله على وجود جامعة الأقصى الحكومية التي تدرس الفنون الجميلة، إذ «لا غنى عن الخبرة الأكاديمية المساندة للموهبة، خاصة في مجتمع لا يؤمن بالموهبة ربع ما يؤمن بشهادة تعلق على الحائط»، وفي الوقت نفسه تحزن لحال رابطة الفنانين التشكيليين التي لا يستطيع القائمون عليها حتى دفع إيجار مقرها، وبالكاد يستطــــيعون حشد جمهور لائق حين يتم تنظيم معرض شبه لائق لفنانين تشكيليين «نحن ندفع تكاليف المعارض من جيوبنا، وندعو إليها زملاءنا المثقفين الذين يشاركونا الهموم نفسها، أحيانًا ،جد الحضور محدودًا، وأحيانًا نجده مقبولاً، وفي جميع الأحوال، لا أحد يساندنا».
في السياق نفسه، تشير السباخي إلى دور هامشي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني، عبر دعوة الفنانين إلى رسم جداريات في الشوارع لإحياء ذكرى ما، أو إقامة معارض جماعية بشكل موسمي عن موضوعات محددة.

صحافية فلسطينية مقيمة في غزة.