| 

تُعد الانتخابات الفلسطينية التشريعية التي جرت 25/1/2006 في الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة، وظهور النتائج التي بينت فوز كتلة التغيير والإصلاح المحسوبة على حركة حماس بـ76 مقعداً من أصل 132 مقعداً، أي بما نسبته 57% من أعضاء المجلس، وفوز كتلة حركة فتح بـ43 مقعداً، أي بما نسبته 32.6% من هذا المجلس، بعد أن كانت فتح مسيطرة عليه تماماً لمدة عشر سنوات متتالية، علامة فارقة في حياة الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة. فمنذ هذه الانتخابات وظهور تلك النتائج التي لم ترق لكثيرين على مستوى محلي أو إقليمي أو دولي، بدأ حصار غزة الخانق الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة، وهو شريط طولي ضيق تبلغ مساحته الإجمالية 365 كيلو متراً مربعاً، ويقطنه نحو مليون وسبعمئة ألف نسمة معظمهم من اللاجئين. وقد اشتد الحصار بعد سيطرة «حماس» بقوة السلاح على غزة في منتصف حزيران 2007.

اقتصاد منهك

على الرغم من إعلان إسرائيل «انسحابها» من غزة من طرف واحد، فإنها لا تزال تسيطر فعلياً وبصورة مطلقة على جميع المعابر البرية والمجال الجوي والمياه الإقليمية لقطاع غزة، إلى جانب ما تمارسه من انتهاكات شبه يومية عبر الاجتياحات المتعددة للمناطق الحدودية الواقعة شمال القطاع وشرقه، أو بالقصف المدفعي والجوي واستمرار الاغتيالات للمدنيين والمقاومين.
يشرح الخبير الاقتصادي عمر شعبان الأوضاع بالقول: «منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 يعيش مواطنو القطاع ظروفاً إنسانية صعبة، ويرجع ذلك إلى ممارسات الاحتلال وسياساته المعرقلة للتنمية، والمانعة لأي تطور في حياة الفلسطينيين، وما الحصار المفروض حالياً إلا جزء من هذه السياسات؛ فهو يهدف إلى تفكيك البنيان السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي للشعب الفلسطيني، وإيصاله إلى حالة من الإحباط والفقر والمعاناة والحرمان، لتصبح الأولوية لدى المواطن هي توفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة ولقمة العيش، وليصبح الصراع ومقاومة الاحتلال في درجة ثانوية».
أضاف شعبان: «إن إغلاق المعابر أثر سلباً في مناحي الحياة كلها في قطاع غزة، خاصة التنمية الاقتصادية التي واجهت عقبات كبيرة، واتضح ذلك من خلال تراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي بشكل حاد، ولا سيما بعد فرض القيود على دخول السلع والبضائع والسيولة النقدية، علماً أن القطاع كان يساهم بنحو 44% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني»... و«نتيجة لذلك، تعرض القطاع الخاص لأضرار بالغة، ولا سيما أنه يوظف نحو 170 ألــــف عــــامل، أي ما يمثل نحو 53% من عمالة القطاع، منهم نحو 80 ألــــف عامل يعملون في مجال الزراعــــة والصادرات الزراعية»، مؤكداً أن هـــذه الظروف أدت إلى تزايد اعتمـــاد قطـــاع غزة على المساعدات الخارجية، وتزايد الوزن النسبي للسوق السوداء في اقتصاد القطاع.

مجتمع استهلاكي

يشرح عمر شعبان: «كان من الواضح جداً أن الاحتلال ومنذ بداية فرض الحصار على القطاع، عقد العزم على جعل المجتمع الفلسطيني في غزة مجتمعاً استهلاكياً لا غير، فكانت سياساته المبدئية تهدف إلى تدمير القطاع الصناعي الذي يعتبر شريان الاقتصاد في القطاع، علاوة على انتهاج سياسة جديدة تمثلت بإلغاء العمل بالكود الجمركي لقطاع غزة، إلى جانب منع مرور أي مادة من المواد الخام إلى القطاع، الأمر الذي أدى إلى توقف قطاع الصناعة الذي يعتمد في إنتاجه على استيراد أكثر من 85% من المواد الخام من إسرائيل أو من خلالها». وتشير الإحصاءات إلى إغلاق أكثر من 97% من المنشآت الصناعية البالغ عددها 3900 منشأة صناعية منذ بداية الحصار، ومنع تصدير أي من بضائعها، الأمر الذي أدى إلى انضمام أكثر من 35,500 عامل في هذا القطاع إلى العاطلين عن العمل. وبعد الإغلاق لم يتجاوز عدد العاملين في هذا القطاع 1500 عامل. أما فيما يخص قطاع النسيج والملبوسات، فذكر شعبان أن التقديرات تشير إلى إغلاق المنشآت العاملة في هذا القطاع البالغ عددها أكثر من 960 مصنعاً تنتج سنويا حوالي 5 ملايين قطعة ملبوسات، يُصدر منها 95% إلى إسرائيل، إلى جانب فقدان أكثر من 25 ألف عامل وظائفهم، فضلاً عن إغلاق مصانع البناء البالغ عددها 13 مصنع بلاط، و30 مصنع اسمنت، و145 مصنع رخام، و250 مصنع طوب، ما سبب فقدان 3500 فرصة عمل.
أما عن قطاع الزراعة فقد قال المهندس تيسير محيسن، مدير دائرة البرامج والمشاريع وبناء القدرات في جمعية التنمية الزراعية، إن القطاع الزراعي كان يوفر وظائف دائمة وموقتة لأكثر من 40,000 مواطن في غزة (12,7% من القوى العاملة) ويوفر الغذاء والحياة المعيشية لربع السكان في القطاع. ومنذ أن فرض الحصار الشامل على القطاع، تم منع تصدير المنتجات الزراعية، إلى جانب عدم السماح بإدخال أي من البذور والأسمدة والمستلزمات الزراعية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى تكبد القطاع الزراعي خسائر كبيرة. وبحسب بيانات وزارة الزراعة في حكومة غزة، فإن معدل الخسائر اليومية نتيجة عدم قدرة المزارعين على تصدير منتجاتهم تبلغ 150 ألف دولار، في حين يواجه مزارعو المحاصيل خسارة مباشرة من البيع في الأسواق المحلية. وتأثر مزارعون آخرون بسبب إغراق السوق المحلية بالبضائع التي كانت مخصصة للتصدير. ولم يستثنِ الحصار حركة الصيد البحري في القطاع، إذ تشير التقديرات إلى فقدان أكثر من 3 آلاف عامل صيد بحري لوظائفهم وخسائر شهرية تقدر بحوالي 3 ملايين دولار.
إلى جانب التحكم الإسرائيلي بإدخال الوقود إلى القطاع، وكذلك الكهرباء، فلا مواد خام للصناعة، ولا حرية لحركة الأفراد والبضائع من غزة وإليها عبر المعابر المحيطة بها، ولا عمال داخل الخط الأخضر، فضلا عن منع أو تقنين إدخال أكثر من 5 آلاف صنف من السلع، منها، على سبيل المثال لا الحصر، الملح والكزبرة والهال والكمون والزنجبيل والخل والبسكويت والدواجن واللحوم.

تعدد الأسباب والموت واحد

في غزة وحدها «أن تلعن الظلام خير من أن تضيء شمعة»! جملة جعلها الاحتلال واقعاً مفروضاً بقطعه إمدادات الوقود لتشغيل المحطة المحلية في قطاع غزة، التي كانت تغذي ثلث احتياجات القطاع، الأمر الذي أجبرها على التوقف، فتفاقم العجز الأصلي الذي يصل الآن إلى 65%. وباتت الكهرباء متوافرة من مصدرين: إسرائيل ومصر التي لا تغطي إلا 35%، ما أجبر السلطات في غزة على القيام ببرنامج تقنين 6 ساعات تغذية يومياً، ثم 12 ساعة قطع، ثم 6 ساعات تغذية. وأجبر الغرق في الظلام المواطنين على البحث عن مصادر أخرى للطاقة؛ مصادر كانت لها من المخاطر ما أباد عائلات بأكملها كعائلة ضهير: أب وأم وخمسة أطفال احترقوا جميعهم وهم نيام بعد أن أضاءوا شمعة حاولوا فيها قهر ظلام الليل الذي ازداد سواده مع انقطاع الكهرباء.
الشاب صبري الكردي (21 عاماً) كان يأمل بالحصول على علاج في أحد المستشفيات الإسرائيلية لتلقي الجرعة الكيماوية ضد مرض السرطان، قال قبل أن يفارق الحياة: «يرفضونني أمنياً.. لماذا، فأنا مريض وما الذي سأفعله عندما أذهب إلى العلاج؟!
إن حال الشاب الكردي الذي صارع المرض عامين لم يحصل فيهما إلا على جرعة علاج واحدة، هي حال مئات بل آلاف المرضى «الممنوعين أمنياً»، أو الذين تساومهم سلطات الاحتلال على العمل معها كعملاء لقاء السماح لهم بتلقي العلاج في مستشفياتها أو مستشفيات الضفة الغربية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من المعاناة، فأنفاق الموت أو «شرايين الحياة»، كما يحلو للبعض تسميتها، تعتبر البديل الوحيد من المعابر، والسبيل الذي لا مفر منه لمد المواطنين في قطاع غزة بمقومات الحياة، إلا أنها تعتبر مقابر لشبان أجبرهم الخوف من الموت جوعاً إلى اللجوء إليها علهم يحظون ببضعة شواقل تعينهم وعائلاتهم على التغلب على مصاعب الحياة التي جعلها الحصار مريرة للغاية.
الشاب عبد الله فوزي العريني (28 عاماً)، كان أحد ممن يمكن أن يقال عنهم من المحظوظين الذين كتبت لهم الحياة بعد تجربة بشعة في أحد تلك الأنفاق أفقدته أحد أطرافه وجعلته ينضم إلى طوابير الذين طحنتهم متاريس الحصار. يقول العريني: «كنت أسمع عن الشبان الذين يموتون اختناقاً تحت رمال هذه الأنفاق، لكن شبح البطالة الذي خلفه الحصار، والخوف من الموت جوعاً، كانا أقوى من قدرتي على رفض فرصة كهذه». وأضاف: «كنت أحد المحظوظين الذين نجوا. صحيح أنني خرجت بإعاقة أفقدتني قدمي وجعلتني أعود إلى صفوف البطالة مرة أخرى».
يحكي العريني قصته وعيناه لا تفارق قدمه المبتورة: «كنت أعمل في أحد الأنفاق المخصصة لنقل البضائع الغذائية إلى القطاع، فكنت أنقل البضائع عبر بكرة ضخمة تجر بمولد كهربائي إلى خارج النفق، وفي ذلك اليوم كان علينا نقل كمية بضائع كثيرة، وبسبب ضيق المساحة في النفق كان علي أن أمر من فوق الحبال الحديدية للبكرة، وفي إحدى المرات عمل المحرك وبدأ بسحب حبال البكرة الموضوعة بشكل عشوائي في النفق، لم أكن حينها منتبهاً إلى أن قدمي عالقة في إحدى دوائر هذه الحبال. ويضيف: «في ذلك اليوم رأيت الموت أمام عيني، لقد سحبتني البكرة إليها وبدأت بتمزيق قدمي قطعة قطعة».
في هذا السياق، يرى بعض المحللين السياسيين أن مصر برئاسة محمد مرسي لا تختلف كثيراً عن مصر برئاسة محمد حسني مبارك في مشاركة إسرائيل في فرض الحصار على غزة، وإن كان ذلك بشكل غير رسمي، حيث أغلقت وتغلق ما بين الحين والآخر معبر رفح البري الحدودي الذي يعتبر المنفذ الوحيد لحركة الأفراد من قطاع غزة إلى العالم الخارجي، ما اضطر العديد من التجار وسكان المنـــاطق الحدودية إلى اللجوء لحفر الأنفاق تحت الأرض لتمتد عشرات بل مئات الأمتار بين الجانبين المصري والفلسطيني لتهريب البضائع والسلع التي تمنع إسرائيل إدخالها، علاوة على تهريب الأشخاص أيضاً.
يقول الشاعر: «من لم يمــــت بالــــسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد»، يقول ســـكان غزة: من لم يمت داخل معابر الموت (الأنفاق) التي تختطـــف أرواح بعض الغزيين الشبان مات على السياج الأمــــني الإسرائيلي الذي يفصل شرق قطاع غزة عن شماله، أو داخـــل الخط الأخضر لحظة مجازفته بتجاوز ما يُعرف بالمنطقة الأمنيـــة العازلة التي فرضتها إسرائيل على بعد نحو 300 مـــتر من هذا السياج داخل قطاع غزة حين يلجأون إلى البـــحث عن لقـــمة العيش التي تعينهم على شظف الحياة وضنك المعيشة.

صحافي فلسطيني مقيم في غزة.