| 

يوصف جبرا ابراهيم جبرا دائماً بأنه مثقف كوزموبوليتي، أي مواطن عالمي بسبب تكوينه الثقافي الأممي وإنتاجه المتعدد الوجوه والمناهل. ولد جبرا في بيت لحم لأبوين من التابعية السريانية عام 1920 وتلقى تعليمه في المرحلة الابتدائية في مدرسة طائفة السريان التي اتقن لغتها السريانية الموروثة عن والديه، ثم درس في مدرسة بيت لحم الوطنية، فالمدرسة الرشيدية في القدس، التي اتاحت له التعرف على كوكبة من المبدعين الفلسطينيين الذين لعبوا دوراً ريادياً في الحركة الثقافية الفلسطينية والعربية، كإميل حبيبي وإحسان عباس وناصر الدين الأسد وابراهيم طوقان وإسحق موسى الحسيني وأبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ثم التحق جبرا بالكلية العربية في القدس، وفيها اتقن اللغتين العربية والانكليزية. غادر جبرا بعد ذلك فلسطين الى انكلترا حيث التحق بجامعة أكستر، وبعدها جامعة كمبردج، التي حصل منها على البكالوريوس في العام 1943 ثم الماجستير في النقد الأدبي عام 1948. ثم زمالة بحث في النقد الأدبي، بجامعات هارفارد وكامبردج وماساشوستس بالولايات المتحدة (1952ـ 1954).
كان جبرا روائياً وكاتباً ومترجماً وناقداً وشاعراً ورساماً. والسؤال الأول الذي يتبادر الى الذهن هو: هل هناك ترابط بين الأجناس الإبداعية عمل عليها جبرا؟ وما هو هذا الترابط إن وجد ولماذا؟
يقول جبرا: «غالباً ما رأيت الناس يندهشون او يستغربون حين يجدونني أرسم، وبكثرة واهتمام، الى كتاباتي. أما أنا فلم يخطر ببالي يوماً أن في الجمع بين الكتابة والرسم ما يدعو إلى الدهشة او الاستغراب. فقد نشأت منذ الصغر على كليهما معاً، أتمتع بكليهما، وأتابعهما كليهما في دراساتي. كنت أيام المراهقة مفتوناً بكلمة فنان، وأشعر انني في موقفي من الحياة، من الناس، من كل ما يحيط بي، انما أنا فنان». وجبرا، الذي اتسمت شخصيته وأدبه بقدر من الكوزموبوليتية، ظل وفياً لمسقطه، نجد ذلك التشبث بمتعلقات المكان الفلسطيني من جهة وبفلسفة وجودية من جهة اخرى. يقول في جملة وضعها في مطلع اعماله الشعرية ما يلي: «فلتكن هذه فروع زيتونة اخرى في جبل الزيتون، زرع بذرتها في زمن مضى فتى كان كثير الرؤى ولم يملك في حياته سوى الحب والكلمات». يفصح جبرا عن الكثير من مكنوناته الذاتية في هذه الجملة، وهو يختار لها الرمز الفلسطيني الأقوى، أي شجرة الزيتون، يحدد مكان هذه الشجرة في مكان يحمل معاني ورموزاً لها دلالات واضحة عن العلاقة بالمكان وتجذره فيه، وبذلك يبدو، كأنه يقول لنا إن إنتاجه جملة متكاملة مثل فروع زيتونة زرع هو ذاته بذرتها. بذرة ظلت حاضرة وموجودة رغم ترحال جبرا وبُعده عن البئر الاولى، لكنها تظهر وتتجلى بأنواع فنية متعددة. المهندسة ندة الاطرش، رئيسة قسم البحث والتدريب في «مركز حفظ التراث الثقافي»، تمكنت من المطابقة بين حكاية رواها في كتاب «شارع الأميرات» (1999)، وإحدى اللوحات المعروضة التي اكتشفها واقتناها جورج الأعمى وتعود الى العام 1946. تصور اللوحة حلماً متكرراً يرى نفسه فيه واقفاً بين امرأتين، إحداهما عارية والأخرى مرتدية ثيابها، ويقوم باحتضانهما معاً، بينما وجوه مختلفة وحائرة تطل عليه وتراقبه... مقاربة اخرى تساعد في رسم معالم إنتاج جبرا وفلسفته. إنها الفلسفة الوجودية. زمن جيل جبرا هو زمن صعود تلك الفلسفة بعيد الحرب الكونية الثانية على أيدي جان بول سارتر صاحب كتاب «الغثيان»، وألبير كامو صاحب كتاب «الغريب». الوجودية كما يقول سارتر، ليست فلسفة تأمل وسكون، لأنها تحدد الإنسان طبقاً لما يفعل. وليست فلسفة متشائمة، لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه. بذلك تكون اكثر الفلسفات تفاؤلاً.
أول ما يتبادر الى الذهن عند محاولة سبر عالم جبرا الفني هي محاولة التعرف الى المرتكزات الفنية التي أتاحت لجبرا الولوج الى عالم الفن بالطريقة التي أنتج فيها أعماله الفنية، أعني دراسته ومنابع تأثره الفني، علماً أنه لم تكن هنالك مدارس ولا أكاديميات ولا حتى تراث فني كما هو موجود في الغرب عموماً. المصادر التي تتحدث عن هذه المسألة شحيحة ولا تصلح لأن تكون مرتكزا لدراسة جادة عن جبرا الفنان التشكيلي. الإشارات القليلة التي بين يدينا تفتح لنا كوة صغيرة، ولكنها مع ذلك تسمح لنا عند إضافتها الى معطيات كثيرة اخرى بأن نكوّن فكرة عن عالم جبرا التشكيلي. نقطة البداية هي ما يقوله جبرا عن علاقته بالرسم والفن التشكيلي: يقول جبرا: «إن الجزء الأكبر مما رسمته كهاو وليس كمحترف ما زال في دارنا في بيت لحم. وكان معظم نتاجي رسماً بالزيت، وكان البيت مليئاً به لمن أراد ان يزورنا في تلك الفترة. وكان الرسام الوحيد والهاوي الذي عرفته في الاربعينيات بعد عودتي من دراستي في انكلترا والصديق روبير ملكي، الذي كان معي في الهيئة الرباعية المشرفة على نادي الفنون في جمعية الشبان المسيحية في القدس. والطريف ان روبير ملكي استقر بعد عام 1948 في دمشق، واستطاع بجهوده ان يجمع عدداً من الفنانين السوريين الذين كونوا معه فيما بعد جمعية الفنانين السوريين، وكان له في سوريا دور يقارب الدور الذي شاءت الظروف ان اقوم به، بحب وحماس، في الحركة الفنية العراقية».
ويقول في معرض حديثه عن جبران خليل جبران ما يلي: «لعل اشهر من جمع بين الفن والأدب من كتاب العرب جبران خليل جبران، والطريف ان جبران لم يتلق دراسة منظمة في الادب، ولكنه، في معظم ما رسم، جعل لوحاته تخدم غرضه الأدبي، فكأنها توضيح لبعض صوره او رؤاه الشعرية، اكثر منها اعمالا قائمة بحد ذاتها». وينهي جبرا كلامه بالقول إن «جبران المجدد في الأدب العربي الحديث لم يكن مجدداً في الفن».
أسس جبرا مع جواد سليم «جماعة بغداد للفن الحديث» (1951). ثم تولى في وقت لاحق رئاسة تحرير مجلة «فنون عربية» التي اصدرتها «دار واسط» في لندن (1980ـ1983). كما تبوأ منصب رئيس «رابطة نقاد الفن في العراق» منذ إنشائها في أيار 1982. وشارك كرسام في اعمال فنية في المعارض التي كانت تقيمها «جماعة بغداد للفن الحديث» في بغداد (1951ـ1971).
عندما شاهدت اعمال جبرا في بيت الصديق جورج الأعمى اول مرة قلت له بشكل تلقائي إن أعمال جبرا تشبه اعمال الرسام الفرنسي روو. كان ذلك مجرد ملاحظة عابرة، ولكن عندما تفحصت اعمال روو وقارنتها بأعمال جبرا وجدت مبررات كافية لحدسي، وأول هذه المبررات هو التشابه البصري للأعمال وروحيتها. وأكثر ما لفت انتباهي هو ان جبرا نفذ بعض اعماله على الزجاج. وأعمال جبرا الزجاجية لا تنتمي للأشكال الشعبية المعروفة كما هي الحال في اعمال ابو صبحي التيناوي في سوريا مثلا، لا من حيث الشكل ولا من حيث الموضوعات، بل إنها تدور في فلك روو ثم ماتيس، وإذا عرفنا ان روو وماتيس نفذا عدداً كبيراً من اعمال الزجاج المعشق فإن هذه المقاربة قد تقدم لنا تفسيراً مقبولا الى حد كبير. ولكي نتعرف اكثر على امكانية وجود قرابة بين اعمال جبرا ابراهيم جبرا من جهة وبين اعمال روو وماتيس من جهة اخرى لا بد من التعرف على بعض ملامح هذين الفنانين القديرين.
ماتيس فنان فرنسي ولد عام 1869 وتوفي في عام 1954، نفذ عملاً فنياً رائعاً من الزجاج المعشق لكنيسة روزير دو فانس التي سميت كنيسة ماتيس في أواخر حياته عام 1951. أما جورج روو فهو فنان فرنسي أيضاً ولد عام 1871 وتوفي عام 1958 وأسس مع ماتيس وألبيرت ماركي صالون الخريف عام 1903. وقد انجز روو عدداً كبيراً من أعمال الزجاج المعشق في عدة كنائس اهمها نوتر دام دو توت غراس.
اول ما لفت انتباهي هو ان جبرا نفذ معظم اعماله المعروفة لدينا في سنوات الأربعينيات والخمسينيات، أي في الفترة التي انجز فيها روو وماتيس أواخر اعمالهم، وهذا ما يحملنا على الاعتقاد بأن جبرا كان على اطلاع على اعمال هذين الفنانين، وهذه بحد ذاتها سابقة فريدة في نوعها ليس في البلاد العربية فقط بل وفي معظم البلدان التي تقع خارج مراكز الانتاج الفني الاوروبي، وخاصة باريس عاصمة الفن في تلك الفترة. اشار جبرا في كتاباته اكثر من مرة الى ماتيس ولكنني لم اعثر حتى الآن على أي اشارة الى روو، خصوصا ان روو كان لسبب ما معروفاً لدى الجمهور البريطاني والاميركي اكثر مما كان معروفاً في بلده فرنسا. النقطة الثانية التي أود ان اشير إليها النزعة الروحانية الكثيرة الشبه بما لدى جبرا من روحانية، فقد كان يؤمن «بأن روحانية الشاعر لماتيس وروو هي اهم في الحياة». وقد عرف عن جبرا ايضاً بأنه رسم بعض الأيقونات ولكنني لم اعثر على صور لها حتى الآن.
النقطة الأخرى التي أود ان اتساءل عنها هي لماذا رسم جبرا؟ ثم لماذا قال إنه هاو فقط؟ باعتقادي أن جبرا، مثل معظم متعددي المواهب، ترك لقدراته العنان في البداية الى ان جاء الوقت الذي رغب فيه في ان يركز على بعض انواع قدراته من دون غيرها لكي يتمكن، ربما، من الوصول بها الى ابعد نقطة ممكنة. كتب جبرا الشعر ونشر كتابين في حياته ولكن أشعاره لم تحظ في حينها بما حظيت به اعماله الروائية والنقدية، مع انه كان من اوائل الذين كتبوا قصيدة النثر ونشرها في مجلة «شعر». وفي أي حال فإن ممارسة جبرا للرسم تحملنا على القول إن سلاح جبرا الناقد الفني امضى من غيره ممن لم تتوافر له مقدرة الإبداع بهذا النوع من الفن الذي يتطلب فهماً للفضاء وللون ولروحانية خاصة، إضافة الى ما تتطلبه الضرورات التقنية لإنجاز مثل تلك الاعمال. لوحات جبرا وهي خارجة للتو من سباتها العميق، ولكنني الآن اعلن عن مزيد من الدهشة بعد ان جرى تنظيف اللوحات وتأطيرها وتقديمها كما يليق بها، ويعود الفضل في ذلك لتعاون جميع القائمين على المعرض بدءاً باكتشافها ثم اقتنائها والتفكير بإقامة معرض لها، وأخص بالذكر منسقة المعرض الصديقة فيرا تماري. والآن باستطاعتنا القول، بعد مشاهدة لوحات جبرا القديمة، ما عاد في الإمكان ان نتحدث وأن نكتب عن الفن الفلسطيني كما كنا نفعل قبل تعليق لوحات جبرا ابراهيم جبرا في كلية دار الكلمة في بيت لحم، لا بد من اعادة النظر في كتابة تاريخ الفن الفلسطيني بصورة يتربع فيها جبرا ابراهيم جبرا في مكانة مرموقة كفنان تشكيلي محدث وكرائد للحركة التشكيلية الفلسطينية.

*فنان تشكيلي فلسطيني.