| 

توقف القصف على قطاع غزة، وانسحب الجيش الإسرائيلي بعد أيام من توغله في شمالي القطاع، أمعن فيها قتلاً وتدميراً، وصبّ جام حقده على البشر والحجر، وأمعن فيها المقاومون قتالاً ومقاومة بما أوتيت أيديهم، ففوّتوا على العدو فرصة تحقيق أهدافه، وأجبروه على الانسحاب مجرجراً أذيال الخيبة، على الرغم من الثمن الكبير الذي دفعوه في الأرواح والأرزاق.
توقف القصف، وانسحب المحتل، ولم يعد أحمد.
أحمد، ابن الخمسة عشر ربيعاً، لم يستطع رؤية إخوته الصغار يتضوّرون جوعاً، فأصرّ على الخروج من المخيم تحت القصف لعله يعثر على ربطة خبز يسدّ بها جوع الصغار. حاولت أمّه ثنيه عن ذلك لكنه لم ينثن. حاول أبوه منعه من الخروج خشية أن يتعرّض للقصف أو الاعتقال، تظاهر أحمد بالامتثال، وفي غفلة من الأب خرج، خرج ولم يعد.
في مخيم جباليا، حيث تقيم، تكتشف عائلة أبو سلامة خروج أحمد، يُساورها القلق، الأب تنتابه نوبة غضب، الأم تدخل في سورة انفعال، القصف يشت، البيوت تتهدّم على أصحابها، الشوارع تعجّ بالقتلى والجرحى، الجيش المحتل لا يتورّع عن قتل المدنيين من دون تمييز بين كبير وصغير، الموت في كل مكان، وأحمد لم يعد.
بطيئة تمرّ الساعات من دون علم أو خبر، العائلة تنتظر على جمر القلق، تتجاذبها الهواجس والوساوس: لماذا لم يعد أحمد حتى الآن؟ هل حصل له مكروه؟ هل يمكن أن يكون أصيب في القصف؟ هل اعتُقل؟ هل استُشهد؟ هل هو مختبئ في مكان ما بانتظار توقف القصف؟ بين الخوف على أحمد من مصير مجهول، والرغبة في حصول معجزة تعيده إلى البيت، تترجّح عائلة أبو سلامة، وتتعلق بأمل العودة، وتنتظر.
ثقيلة تمرّ الساعات، الأم تُطلق لدموعها العنان، تدعو، تبتهل إلى الله أن يُعيده سالماً. الأب يعتمل فيه بركان القلق والخوف، يتنقل داخل البيت بتوتر مكتوم، لا يعرف ما يفعل. وحين أعلنت الإذاعة وقف إطلاق النار، واستعداد المحتلين للانسحاب، كان الظلام قد حلّ على المخيم، وكان على العائلة أن تخلد إلى ليل طويل.

******
في مستشفى الشفاء، وفي قسم العناية الفائقة، يرقد جريحٌ أحرق القصف وجهه، وأفقده النطق، وعائلة حجازي إلى جانبه، تجترع مرارة القلق عليه، وتتطلع إلى شفائه بفارغ الصبر. ثلاثة عشر يوماً تلازمه الأم ليلاً ونهاراً، تبكي، تبتهل، تسأل الله أن يعجّل في شفاء أيمن. الأب والإخوة يزورون المستشفى يومياً، ويسألون السؤال نفسه؛ فأيمن هو صغير العائلة، وزينة الدار، يزرع الابتسامة حيثما حل، ويضفي على المكان البهجة والحبور. وحين تناهى إلى العائلة خبر إصابته، أصاب منها مقتلاً، فتوزّع أفرادها بين الخوف من رحيله، والأمل في شفائه العاجل. وكانت الأم الأكثر تأثراً، فأصرّت على المكوث في المستشفى حتى يعود صغيرها إليها.

******
عائلة أبو سلامة تبحث عن أحمد في كل مكان، في الشوارع والحارات، في المراكز الطبية والمستشفيات، فلا تعثر له على أثر. يزداد قلقها، تُمني النفس أن يكون حيّاً، أو مصاباً، على الأقل، وقد لجأ إلى مكان ما. بعد ثلاثة أيام من البحث المضني، وفي مستشفى الشهيد كمال عدوان، يتعرّف الأب إلى كتلة من اللحم أزال القصف ملامحها، لكنها، في هيكلها، تشبه ابنه، فيُحمدل، ويُحوقل، ويُرجّع، ويذرف دمعة كان ادخرها لمثل هذه المناسبة.
في مخيم جباليا، وقف أبو أحمد وسط أقاربه وأصدقائه يتلقى التهاني باستشهاد ابنه، ويستقبل التعازي. وهناك، جلست الأم والقريبات والصديقات حول الجثمان، تذرف الدمع، وتتقبل التعازي بدورها، غير أن شيئاً من الشك راح يتسرّب إلى داخلها، فقلب الأم لم يدلّها على حقيقة الجثمان المسجّى أمامها، وهي، على ما أبدته من حزن، لم تكن تحسّ بلهفة نحوه. ومع هذا، لم يكن أمامها إلا أن تُسلّم بالواقع الوحيد المتاح، حتى إذا ما أزف موعد الصلاة على الجنازة، تمت الصلاة، ووري الجثمان في الثرى. وانصرفت العائلة إلى اجتراع الحزن، واجتراح الصبر، واستقبال المعزين.
أيامٌ مرت على العزاء، وأم أحمد لا تصدّق أن ابنها قد مات، فصورته لا تبارحها في اليقظة والنوم، وكثيراً ما تخيلته يقرع الباب فتهب لفتحه، أو يناديها فتبادر إلى الإجابة، حتى خشي زوجها على صحتها العقلية. ثمة شيء في داخلها يقول لهـــا ان أحمد لا يزال حـــيّاً، وأنـــه سيعود إلى الدار عاجلاً أم آجلاً. تعيش على هذا الوهم الجميل، تفاتح زوجها به:
ـ قلبي يحدّثني ان ابني لم يمت، فما ذرفتُه من دموع ليست دموع أم.
ـ اتقي الله يا امرأة، واطلبي له الرحمة ليرتاح حيث هو.
تسكت أم أحمد على مضض، وتخلد إلى عالمها الداخلي تجترّ هواجسها وشكوكها، وتبحث عن فسحة يقين تفيء إليها، فتريحها مما هي فيه.
خارج الدار هيصة مفاجئة، وتهليلٌ لا ينسجم والحزن المخيّم عليها، يفتح الأب الباب، يفاجؤه أصدقاء أحمد:
ـ أحمد حي، أحمد حي، رآه محمود في مستشفى الشفاء، وهو حيٌّ يُرزق. كان الخبر أكبر من قدرة الأم على الاستيعاب، فدخلت في غيبوبة الفرح.
في مستشفى الشفاء، ومن خلال الشعر وشامة فوق الثدي الأيسر وندبة في رجله اليمنى، تتعرّف أم أحمد إلى ابنها، وتغرق في دموع الفرح. وهناك، ومــــن خــــلال الوصف، تدرك أم أيمن أن الشهيد الذي وُوري في الثرى هو ابنها، وتغرق في دمــوع الحـــزن. وفي غمرة البكاء، تتعانق الأمّان، يختلط الفـــرح بالحزن، وتمتزج الدموع بالدموع.
معاً تزور العائلتان قبر أيمن. معاً تستقبلان التعازي والتهاني من جديد.

* القصة واقعة حقيقية حصلت بالفعل في غزة.
** كاتب لبناني