| 

يصنف الجيش الإسرائيلي عملية «ربيع الشباب» واحدة من أجرأ عملياته ويعتبرها بين الإنجازات المعنوية الأبرز. و«ربيع الشباب» هو الاسم الذي أطلق على العملية التي وقعت ليلة التاسع من نيسان 1973 في بيروت وأسميت في الإعلام العربي إما «عملية فردان» أو عملية القادة الكبار. واختلفت الروايات العربية والإسرائيلية إزاء ما جرى في تلك الليلة وحقيقة الأهداف التي أفلح الإسرائيليون في تحقيقها أو فشلوا فيها. وبحسب الرواية الرسمية الإسرائيلية فإن «ربيع الشباب» كانت ردا على عمليات منظمة «أيلول الأسود» التي نشأت بعد الحرب الأهلية في الأردن مطلع السبعينيات. وبحسب الرواية هذه وضعت للعملية سبعة أهداف تم تقسيمها ضمن أربع مهمات كانت الأهم بينها مهمة اغتيال ثلاثة من قادة فتح ومنظمة التحرير: محمد يوسف النجار، الذي اتهمته إسرائيل بالتخطيط لعملية ميونيخ ضد الرياضيين الإسرائيليين، وكمال بطرس ناصر الناطق بلسان منظمة التحرير، وكمال عدوان الذي كان مسؤولا عن حركة فتح في الأراضي المحتلة. وتضمنت العملية مهمة أخرى وهي تفجير مقر قيادي للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين فضلا عن جملة عمليات تضليل بينها تفجير مصنع ألغام في ميناء الأوزاعي ومصنع آخر شمال بيروت ومكاتب لحركة فتح. وخلافا لسياسة إسرائيل المتبعة في عمليات الاغتيال بادرت حكومتها رسميا للاعتراف بمسؤوليتها عن هذه العمليات.
من المهم الإشارة إلى أن إيهود باراك، الذي غدا رئيسا للأركان ووزيرا للدفاع وحتى رئيسا للحكومة، شارك في العملية لكنه ليس هو الذي قادها. فقد شاركت في العملية وحدات منتقاة من المظليين والكوماندوس البحري و«سييرت متكال» التي كان باراك يقودها في حينه. وقاد العملية المشتركة من داخل سفينة حربية في عرض البحر العميد عمانويل شاكيد، الذي ترأس حينها سلاح المظلات. وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن الوحدات الإسرائيلية نقلت بحرا في سفينة صواريخ من إسرائيل إلى شاطئ بيروت حيث ساعد الكوماندوس البحري في إيصال قوات المظليين وسييرت متكال بزوارق مطاطية. وعند وصول القوات إلى الشاطئ كان أفراد القوة يرتدون ألبسة مدنية بقصد التضليل، وكان في انتظارهم سيارات لبنانية استأجرها عملاء للموساد حملت القوات إلى أهدافها.
أوكلت مهمة اغتيال القادة الفلسطينيين إلى وحدة سييرت متكال التي ضمت أيضا أربعة تخفوا بلباس نساء كان بينهم إيهود باراك شخصيا وعميرام ليفين. ورغم نجاح المهمة إلا أن وسائل الإعلام تحدثت عن إخفاقات عملياتية وفرار القوة نحو شاطئ بيروت حيث كادت تترك خلفها أحد رجالها من فرط الارتباك. وكانت المهمة الأخرى تفجير مقر الجبهة الديموقراطية التي أوكلت لقوة المظليين التي قادها أمنون شاحاك. وقد تعرقلت هذه المهمة بسبب انكشاف أفرادها واضطرارهم لإتمام العمل تحت النيران وبعد مقتل اثنين من أعضائها وإصابة آخرين. وتباهت إسرائيل بأنها قضت في التفجير على خمسين من المقاتلين الفلسطينيين.

الأسطورة والحقيقة

أضفت إسرائيل طابعا أسطوريا على عملية اغتيال القادة الفلسطينيين في فردان في العديد من الكتب والروايات التي نشرت تفصيلات عن الحادث من وجهة نظر إسرائيلية. وكان آخر هذه الكتب ما صدر قبل شهر بعنوان: «الجيش الإسرائيلي... العمليات الكبرى»، بقلم ميخائيل بار زوهر ونسيم مشعال. ويبدأ الكتاب الفصل عن الاغتيال بهذا الشكل: «ليل قمري في بيروت، عاصمة لبنان، 9 نيسان 1973، الواحدة بعد منتصف الليل. سار في شارع فردان زوج عاشقين، الشاب طويل القامة ارتدى بزة حديثة، والصبية صغيرة، سوداء الشعر، ذات صدر ممتلئ. وقبالتهم ظهر شرطيان، فالتصق العاشقان ببعضهما في عناق لذيذ، إلى أن مر الشرطيان. بعد ذلك واصل العاشقان طريقهما. وما ان وصلا إلى عمارة سكنية فاخرة، حتى افترقا. الشاب، ومعه عدة شبان وامرأة شقراء ظهروا من مكان ما، دخلوا البناية. الشابة ظلت في الشارع وانضمت لها صبية أخرى، شقراء الشعر. وفي الجهة الأخرى من الشارع توقفت سيارة «دوبين» حمراء اللون خرج منها حارس ضخم، نظر مشتبها إلى الشابتين. أخرج مسدسه وبدأ يقطع الطريق، حيث انتظرته مفاجأة. الشابتان فتحتا معطفيهما فجأة وأخرجتا رشاشي عوزي ورشقتاه بصليات نارية. تراجع الرجل واحتمى بحائط منخفض، لكن طلقة أصابت مقود السيارة فانطلقت صافرتها تمزق هدوء الليل».
يعتبر الكتاب أن «عملية ربيع الشباب» بدأت على هذا النحو: كانت «الشابتان» هما قائد سييرت متكال، إيهود باراك والثانية عميرام ليفين الذي غدا قائدا للسييرت وللجبهة الشمالية في ما بعد. وقد اعتمر كل منهما باروكة فيما كانت صدريتيهما مكونة من قنابل يدوية وجرابات قديمة، وحمل كل منهما سلاحه وجهاز اتصال. ويشير الكتاب إلى أن «ربيع الشباب» نبعت أساسا من الحرب التي دارت ضد منظمة «أيلول الأسود» التي كانت اختطفت طائرة سابينا ونفذت عملية ميونيخ. وبناء على توصية من رئيس الموساد الجنرال تسفي زامير ومستشار شؤون الإرهاب أهرون ياريف قررت غولدا مئير ملاحقة قادة هذه المنظمة حتى في أوروبا. واعتقد زامير وياريف أن القضاء على قيادة هذه المنظمة سيقضي على العمليات ضد إسرائيل. وهكذا تم تنفيذ عمليات ضد قيادات فلسطينية في روما وباريس وأثينا وقبرص، لكن الجيش الإسرائيلي اعتقد أن ذلك غير كاف وينبغي ملاحقة قيادة المنظمة في بيروت لاثبات أن لا ملاذ آمناً لهم في أي مكان. وبحسب الكتاب الجديد فإن الجيش الإسرائيلي درس في البداية تنفيذ عملية عسكرية واسعة تتضمن إنزال قوة مظليين في بيروت وسد الطرق المؤدية للعمارة التي يقيم فيها القادة الفلسطينيون الثلاثة، واقتحام البناية... لكن باراك رفض هذه الخطة. ورأى باراك أن خطة كهذه تفقد العملية عنصر المباغتة الذي يعتبر أساسيا للنجاح. وأوضح أن بوسع سييرت متكال تنفيذ العملية فقط بأربعة عشر مقاتلا يصلون للمكان ويقتحمون العمارة بشكل مفاجئ. وقبلت خطة باراك لكن وزير الدفاع حينها، موشي دايان طالب بتوسيع العملية مستغلا الظروف. وهكذا أعد قائد لواء المظليين مانو شاكيد ورئيس الأركان دافيد ألعازار خطة يقودها المقدم أمنون شاحاك لمهاجمة مقر الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين لقتل أكبر عدد من أعضائها.
وقضت خطة اقتحام مقر الجبهة الديموقراطية الواقع في شارع الخرطوم القريب من جامعة بيروت العربية بقتل الحراسات واقتحام المبنى وزرع 200 كيلوغرام متفجرات فيه وتفجيره على قاطنيه. وفي الليلة نفسها تنزل إلى بيروت ومحيطها ثلاث وحدات أخرى لتنفيذ عمليات تضليل وتعمية. وتصل القوات بسفن حربية إلى مقربة من الشاطئ ومن هناك ينزلون بزوارق مطاطية إلى البر حيث يكون في انتظارهم عدد من رجال الموساد ممن حضروا مسبقا. ويستأجر رجال الموساد سيارات ويتعرفون على شوارع بيروت وينقلون في ليلة العملية الجنود إلى أهدافهم ثم يعيدونهم إلى الشاطئ بعد انتهاء العملية. وطلب باراك ثلاث سيارات أميركية يمكنه أن يحشر فيها رجاله الأربعة عشر.

التدريب التمهيدي

بدأ التدرب على العملية باختيار نماذج لأحياء بيروت في تل أبيب مما أثار ريبة بعض الجيران. كما أن عملية تفجير مقر الجبهة الديموقراطية بكمية كبيرة من المتفجرات أثار خلافا في صفوف القوة بسبب وقوع المقر قرب عمارة سكنية من سبعة طوابق. وبالفعل تم تقليص المتفجرات من 200 كيلوغرام إلى 120 كيلوغراما. عموما صدر الأمر العملياتي بتنفيذ عملية «ربيع الشباب» في الثاني من نيسان 1973. وبين الأول من نيسان والسادس منه وصل إلى بيروت عدد من رجال الموساد يحملون جوازات سفر بريطانية وبلجيكية وأقاموا في فنادق مختلفة واستأجروا سيارات ثلاث منها كانت أميركية، بحسب طلب باراك. وفي التاسع من نيسان أبحر أسطول من تسع سفن صواريخ تحمل جنودا من المظليين، سييرت متكال والكوماندوس البحري. وأعطيت لأفراد سييرت متكال صور القادة الثلاثة المطلوب اغتيالهم ومسدسات كاتمة للصوت. وفي حوالى منتصف الليل وصلت القوات إلى أهدافها في حين بقيت القيادة في سفينتين قبالة الرملة البيضاء في بيروت. وركب جنود باراك السيارات الثلاث باتجاه شارع فردان حيث توقفت السيارات في شارع ابن الوليد ومن هناك سيرا على الأقدام نحو العمارة. وركب جنود شاحاك السيارات الأخرى نحو مقر الجبهة الديموقراطية بهدف الوصول المتزامن في الساعة الواحدة والثلاثين دقيقة بعد منتصف الليل.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن اغتيال القادة الثلاثة كان أسهل مما خطط له. فباب العمارة لم يكن مغلقا والحارس لم يكن موجودا، ولم يكن ثمة مشكلة في دخول العمارة. وكانت المعلومات أشارت إلى وجود سيارة مرسيدس قبالة البيت تحوي عددا من الحراس، لكن السيارة أيضا والحراس لم يكونوا موجودين. وكانت المفاجأة أن حارسا ظهر من داخل سيارة «دوبين» وحدث إطلاق النار وانطلقت صافرة السيارة لتقطع عنصر المباغتة. في هذه الأثناء كان قد تم اقتحام بيت أبو يوسف النجار واغتياله بصليات رشاش وإصابة زوجته. وفي الجانب الآخر من العمارة كانت قوة أخرى قد اقتحمت بيتي كمال عدوان وكمال ناصر. وقد خرج عدوان برشاشه ولكن القوة الإسرائيلية عاجلته بصليات قاتلة. واغتال الجنود كمال ناصر في غرفة المطبخ. وقتل الإسرائيليون إمرأة إيطالية فتحت باب شقتها فعاجلها الجنود بصلية أردتها قتيلة. وقام الجنود الإسرائيليون على عجل بتفتيش الشقق وحملا منها كثيراً من الأوراق التي اعتقدوا انها ذات قيمة. ودارت على الطريق المجاور معركة حقيقية حين وصلت قوة من الأمن الداخلي اللبناني فعمد الإسرائيليون إلى إطلاق النار على أفرادها وإصابتهم. وما أن اقتربت السيارات التي ستحمل الجنود إلى الشاطئ ثانية حتى دار اشتباك مع قوة أخرى من الدرك. وعموما فر الجنود الإسرائيليون بعد العملية التي استمرت حوالى نصف ساعة.
في المقابل، واجهت قوة المظليين قرب مقر الجبهة الديموقراطية مشكلة. فقد تم إرسال اثنين من أربعة عشر فرداً من القوة لقتل الحارسين أمام المقر، لكن أحدهما انتبه وصرخ. ووقفت قبالة المقر في الجهة الأخرى سيارة تحمل رشاش دوشكا روسي الصنع بدأ في إطلاق النار حالما شعر بمقتل الحارسين، فقتل جندي إسرائيلي وأصيب جندي آخر بجروح بليغة. وبدأت النيران تطلــــق من النوافذ والشوارع ومن كل اتجاه. وعجلت القوة الإسرائيلية بتنفيذ عمليات التضليل لإشغال الجيش اللبناني. وعرف شاحاك أن قوته تورطت، لكنه أمر باقتحام المقر وتفجيره. ووضع الإسرائيليون المتفجرات في أرجاء المبنى بعد توقيتها لثلاث دقائق وغادروا منسحبين. وألقت قوة شاحاك بقنابل غازية كما طلبت إسنادا بقذائف الهاون. وحمل الجنود جثة زميلهم وجسد المصــــاب الآخر الذي مات بعدها وذهبوا إلى الشاطئ. واستمرت هــــذه العملية 24 دقيقة. وعلى شاطئ الرملة البيــــضاء ظــــهرت مروحيات إسرائيلية لتحمل المصابين، فيما حملت قوارب مطــــاطية باقي الجنود لتنقلهم إلى السفن التي حملتهم. وانتـــــهت أيضا عمليات التضليل التي نفذت على طول الشاطئ.
بعد أقل من ستة شهور على «ربيع الشباب» بادر العرب إلى شن حرب تشرين الأولى التي كسرت غرور الجيش الإسرائيلي وهيبته.