| 

يحيى عياش، صلاح شحادة، إبراهيم المقادمة، إسماعيل أبو شنب، أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، عدنان الغول، عماد عباس، نزار ريـــان، سعيد صيام، أحمد الجعبري... وكلها أسماء للقادة السياسيين والعسكريين في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» الذين اغتالتهم إسرائيل خلال سبعة عشر عامًا مضت، ومضوا خلالها إلى نهاياتهم. ما الذي طرأ على حماس بعد غيابهم؟ كيف تأثر وما السبل التي سلكها؟ ما الذي أرادت إسرائيل تحقيقه  بتغييبهم عن الساحة؟
« مبدأ الاغتيالات حاضر في الذهنية الإسرائيلية منذ قيام الكيان وربما قبل ذلك، إنها وسيلتهم للتخلص ممن يقف في وجوههم، ليس في فلسطين وحدها بل في كل مكان»، بهذه الكلمات استهل فوزي برهوم الناطق الرسمي باسم «حماس» في قطاع غزة حديثه. ورأى برهوم أن الاغتيالات نجحت في إرباك ساحة بعض الفصائل الفلسطينية، لكن ما تحقق مع بعض الفصائل لم يكن ليحدث مع «حماس»، فصمودنا أمام الحصار، جاء بعد الاغتيالات للقادة. وأصرّ برهوم على استبعاد الأثر السلبي لفقدان الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي وباقي القادة، فحماس، فهي، على حد قوله، «حركة مبادئ ومؤسسات، وليست حركة رموز أو أشخاص، ولها خطط مرحلية واستراتيجية واحدة».

حماية المشروع الوطني

نفى فوزي برهوم وجود أي علاقة بين السعي للحفاظ على حياة القادة، وانخراط الحركة في النظام السياسي الفلسطيني، كأن يكون الأخير سببًا للأول، مشددًا على أن «حماس حركة براغماتية متكيفة» تستطيع الخروج من الأزمات، ولهذا كان الاندماج في النظام السياسي شكلاً من أشكال حماية المشروع الوطني الفلسطيني من التدهور، وليس حماية الأفراد. وأشار إلى «ضعف استراتيجية حماية القائد في حماس مقارنةً بقدرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي استطاعت اغتيال القائد أحمد الجعبري أملاً في ترميم نفسيات جنود الجيش الإسرائيلي بعد هزيمة حرب 2012، ولكنها لم تستطع حماية الكيان الإسرائيلي من الرد».
وتوقع برهوم استمرار قوات الاحتلال في سياسة اغتيال قيادات «حماس»، محذرًا من «رد المقاومة على هذه الحماقات».

الأكثر براغماتية

كايد الغول، عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعلى النقيض مما قاله برهوم، يعتقد أن الاغتيالات التي طالت قادة تميزوا بعمق الفكرة العقائدية في «حماس» استطاعت خلق حالة قلق وجودي داخلها، وأربكتها. وكمثال على ذلك، أشار إلى أن «ما تعرضت له حركة فتح من اغتيالات لقادة تاريخيين، مكن من أن تكون التحولات أكثر سهولة باتجاه فتح حوار مع الاحتلال»، وقال: في عام 1996 أراد إسماعيل هنية، المشاركة كمستقل في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الأولى، فاعتبرته الحركة خارجًا عنها حتى عاد عما أراد. لهذا فإن اغتيال من هم في الصف الأمامي مهد لتقدم القادة الأقل تأثيرا والأكثر براغماتية». وعلل الغول انخراط حركة حماس في النظام السياسي الفلسطيني برغبتها في ألا يدوم النظر إليها كمنظمة «إرهابية»، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انشقاق البعض وظهور اتجاهات أكثر تشددا مثل جماعة «جلجلت»، علاوة على اندماج البعض الآخر في التيار السلفي الجهادي، واستيعاب بعض أعضاء حزب الخلاص الوطني الذي أسسته حماس في الوزارات والمجلس التشريعي. وقال: ان اعتماد المقاومة والسياسة معا يعد أبرز التحولات الاستراتيجية في حركة حماس التي أفرزتها الاغتيالات، مضيفًا: سابقًا في عهد أيام «أبو عمار» ثم في عهد «أبو مازن»، عندما كانوا يعرضون الهدنة على الفصائل كنا نرفض وترفض «حماس» معنا لأننا كنا ننظر إلى الهدنة كأمر تكتيكي وليس جزءا من اتفاق كالذي وقعته «حماس» في القاهرة بعد الحرب الأخيرة، ونص على وقف الأعمال العدائية ضد إسرائيل.

دور المدافع

ردًا على ما قاله برهوم بشأن الانتصارات التي حققتها «حماس» في عدة معارك على الرغم من اغتيال عدد من قادتها، أوضح الغول أن «حماس حريصة على الهدوء في قطاع غزة، ومع ذلك حريصة على خطاب المقاومة، لئلا تخسر شعبيتها، في حين انتقلت من دور المبادر إلى المقاومة إلى دور المدافع عن الهدنة كما حدث بعد اغتيال العسكري أحمد الجعبري، والاعتداء على قطاع غزة. وعن علاقة الاغتيالات بشعبية حركة حماس، باعتبارها فقدت أبرز رموزها، أكد الغول الأثر الإيجابي لذلك شعبيا، «فالناس نظروا إليها كقوة دفعت الثمن، في حين كان لأدائها وهي في السلطة أثر سلبي كبير، إذ لم تستطع أن تلبي احتياجات الناس، ولم تستطع تقديم نقيض للسلطة السابقة، وبدا ذلك في استخدام العنف إبان الانقلاب الدموي في عام 2007، ثم الإمعان في ملاحقة كل من يبدي رأيه، وإغلاق المؤسسات ونهب محتوياتها، وغير ذلك». ورأى أن اغتيال محمود المبحوح في دبي في 19 /1/ 2010، دليل على نجاح «حماس» في بناء شبكة سهلت لها الحصول على قدرات عسكرية جيدة، مشددا على ضرورة تحصين القادة الفلسطينيين وحمايتهم في مواجهة القدرات الإسرائيلية الاستخبارية الجبارة، واستمرار العمل على مواجهة التخابر مع الاحتلال وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للنادمين لكسبهم وعدم خسرانهم.

عمل تراكمي

في السياق ذاته، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة الدكتور صلاح أبو ختلة، إلى «عملية الإحلال النخبوي» التي طالت جميع الفصائل الفلسطينية في إثر الاغتيالات السياسية لقادتها السياسيين، مشيراً إلى أن الإحلال كان هائلاً في «حماس». وبيّن أبو ختلة الفارق الكبير اليوم، بين «حماس الميثاق والانطلاقة» و«حماس السلطة»، مضيفًا: يستطيع أي شخص أن يقارن بين قول الشيخ أحمد ياسين «لو أتتنا السلطة على طبق من ذهب فسنرفضها»، وبين المشهد السياسي العام الذي تبدو فيه «حماس» حريصةً على سيطرتها على قطاع غزة. ولم يوافق أبو ختلة على الرأي القائل إن انخراط «حماس» في النظام السياسي الفلسطيني على مستوى السلطة التي أُسست بموجب اتفاق أوسلو، هو شكل من أشكال حماية قادتها وعناصرها، موضحًا أن «حماس نفسها لم تكن تتوقع فوزها بهذه الدرجة، وأن كل من صوت لها ليس بالضرورة جزءًا منها، ولكن من المحتمل أن يكون مستاءً من الوضع في الفترة ما قبل تسلمها السلطة». كما قلل من أهمية اغتيال القادة العسكريين كالجعبري، مقارنة باغتيال القادة السياسيين كالرنتيسي مثلاً، «خاصةً أن تحولات كثيرة حصلت في سياسة حركة حماس، خلال الأعوام الماضية.
وأيًا كانت التحولات التي أحدثتها الاغتيالات الإسرائيلية في الداخل الحمساوي، وانعكست على علاقاتها بالخارج، فإن الأيام المقبلة، والممارسات الآتية على أرض الواقع ليست إلا نتاج الماضي، وردة الفعل عليه!

[ صحافية فلسطينية تقيم في غزة.