| 

«تقاليدنا الموروثة تبعث روح الدين والأمل والغيرة والبعث والقيم. ما يميزنا هو أننا أقدم وأصغر وأعرق طائفة موجودة على وجه الأرض»، هذا ما يقوله مدير المتحف السامري وكاهن الطائفة السامرية حسني واصف وهو يشير إلى المذبح المقام على قمة جبل جرزيم جنوب نابلس في شمال الضفة الغربية. ويضيف: هنا سنحتفل في الثالث والعشرين من نيسان الجاري بذكرى خروج بني إسرائيل من مصر وتحررهم من عبودية فرعون نذبح قرباناً شكراً للرب، يشارك فيه جميع أفراد الطائفة البالغ عددهم 740 شخصا فقط، يلبسون الأبيض جميعاً، ويضعون دم الذبح على جباههم لتمييز أنفسهم من بقية أفراد العالم جميعاً. وإذا ما كنت شاهداً هنا، سيخيل اليك وكأنك تعيش مع بني إسرائيل أنفسهم الذين خرجوا من مصر.
يعتبر السامريون الذين يقيمون ما بين مدينتي نابلس وحولون في أراضي 1948، السلالة الحقيقية لشعب بني إسرائيل، كما يقول الكاهن. وكما يقولون، فهم لم يغادروا الأراضي المقدسة منذ خروجهم من مصر قادمين إلى فلسطين، أي قبل 3648 سنة وحتى الآن. وكلمة «سامري» محرفة من الكلمة العبرية «شامري»، والتي تعني محافظاً، أي المحافظين على الديانة العبرية القديمة، والذين بقوا أمناء لها من بين سائر بني إسرائيل. هكذا يقول الكاهن.

انقسام بني إسرائيل

يروي الكاهن قصة انشقاق بني إسرائيل إلى مجموعتين هما السامريون واليهود فيقول: كانت رئاسة الكهنوت الأعظم منوطة بنسل فينحاس ابن سيدنا هارون، شقيق سيدنا موسى، ولما كان عزي الوارث الشرعي قاصرا، وكان عالي متوكلا على الذبائح والتقدمات والعشور، وقد أثرى منها وجمع مالا كثيرا، طمحت نفسه إلى رئاسة الكهنوت نظرا إلى تقدمه في السن وصغر عزي. وقد أنف أن يكون خاضعا لعزي وهو دونه سنا، فانشطر بنو إسرائيل شطرين. فلزم عزي بن بقي الكاهن، بنو يوسف من أهل شكيم وجوارها عشرة أسباط، وانحاز السبطان يهودا وبنيامين إلى عالي بن يفني. وفي إثر هذا الخلاف الديني ما بين عزي وابن عمومته عالي على خلفية الكهنوت الأعظم، وانفصال عالي وجماعته واستبداله الجبل المقدس جرزيم بـ«شيلوه» التي تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة «شكيم» والتي تبعد عنها خمسة وعشرين كيلو مترا، غضب رب العالمين على بني إسرائيل فأخفى عنهم الهيكل الذي كان موجودا على جبل جرزيم، منذ ذلك التاريخ، أي منذ 34 قرنا من الزمن وحتى الآن. ويتابع: بعد دخول هذا الشعب إلى الأراضي الكنعانية قبل 3645 سنة ( 1638 ق. م.)، قام يوشع بن نون القائد اليهودي الذي خلف موسى بن عمران في قيادة هذا الشعب، يرافقه ألعازار بن هارون الكاهن الأعظم لشعب بني إسرائيل، بنصب خيمة الاجتماع على قمة جبل جرزيم، أي الجبل الجنوبي لمدينة نابلس (شكيم)، بعد ست سنوات من دخول شعب بني إسرائيل إلى الأراضي المقدسة. وظلت الخيمة على هذا الجبل المقدس حيث يكهِّن فيها نسل هارون بالوراثة، فكهَّن فيها ألعازار بن هارون وفينحاس ابنه وابيشع وشيشي وبقي مدة 260 سنة، حيث أطلق عليها «سنوات الرضى»، وليس كما يدعي اليهود في مدينة القدس.
ترتكز الديانة السامرية على خمسة أركان أساسية هي: وحدانية الله الواحد الأحد، ونبوة موسى بن عمران كليم الله ورسوله، والتوراة خمسة أسفار، وقدسية جبل جرزيم (الجبل الجنوبي لمدينة نابلس) وهي قبلة السامريين ومأوى أفئدتهم، واليوم الآخر وهو يوم الحساب والعقاب. وكل سامري لا يؤمن بالأركان الخمسة هذه، إيمانا أكيداً ثابتاً وراسخاً غير قابل للشك، لا يعتبر سامرياً.
يشير رئيس جمعية الأسطورة السامرية يعقوب عبد الله، إلى أن «العقيدة السامرية تعتمد على الوصايا العشر التي أنزلها رب العالمين على موسى الكليم في جبل سيناء، بعد خروجهم من مصر وتحررهم من عبودية فرعونها، وهي: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تنطق باسم الله كذبا، احفظ يوم السبت، احترم أباك وأمك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد شهادة زور، لا تشته بيت قريبك وما يحويه، احفظ قدسية جبل جرزيم الذي اختاره المولى لإقامة الشعائر الدينية عليه». و«السامريون يؤمنون بخمسة أسفار سيدنا موسى فقط هي: التكوين والخروج واللاويون والعدد والتثنية». ويقول عبدالله أنهم يملكون أقدم نسخة مخطوطة للتوراة في العالم، حيث يعود تاريخها إلى ما قبل 3633 سنة، وكاتبها هو الرابع من هارون، ابيشع بن فينحاس بن العازر بن هارون، شقيق سيدنا موسى. وقد كُتبت بعد دخول شعب بني إسرائيل إلى الأراضي المقدسة بثلاث عشرة سنة، باللغة العبرية القديمة التي يبلغ عدد حروفها اثنين وعشرين حرفا، تكتب من اليمين إلى اليسار، وحتى القرن الأول قبل الميلاد كان اليهود يكتبونها ويتكلمون بها. لكن «عزرا هسوفير» قام بتغييرها إلى اللغة العبرية الأشورية التي يستعملونها الآن. والتوراة السامرية تختلف عن التوراة النسخة اليهودية بسبعة آلاف خلاف بين كلمة وآية وسورة. أما كلمة التوراة فتعني الناموس، حيث يجد الإنسان فيها كل ما يحتاجه في هذا الوجود.

الجبل المقدس

«جبل جرزيم هو جبل الفرائض»، يقول مدير المتحف السامري الكاهن حسني واصف، وقد «اختاره الله لتقدم عليه القرابين والعشور والأضاحي. وهو أحد الأركان الخمسة التي يرتكز عليها الدين السامري. وهو يعتبر قبلتهم ومأوى أفئدتهم». ويضيف: بنى سيدنا إبراهيم مذبحه فيه، وأراد أن يقرب ولده اسحق عليه (كما يعتقد السامريون)، بحسب ما رأى يعقوب في حلمه، وعند دخول يوشع بن نون الأراضي المقدسة، بنى الكاهن الأكبر العازار بن فينخاس، هيكل موسى على قمته. وخص الله جبل جرزيم بثلاثة عشر اسماً مميزاً في الشريعة المقدسة، لكن القدس لم تذكرها التوراة المقدسة ولا مرة واحدة.
يترأس الطائفة السامرية الكاهن الأكبر، ويجب أن يكون الأكبر جيلا من عائلة الكهنة، أي من سلالة ألعازر بن هارون، يساعده في مهامه هذه 12 كاهنا، وهو الذي يقرر كل ما يتعلق بالشؤون الدينية، أَكان السامريون سكان جبل جرزيم أم الذين يقطنون في مدينة حولون قرب تل أبيب. أما في الشؤون الدنيوية، فتنتخب لجنتان في كل من جبل جرزيم وحولون لإدارة أمور الطائفة يترأس كلا منهما سكرتير، وتُنتخب اللجنتان مرة في كل سنتين وبطرق ديموقراطية. ويحتفل السامريون بأعياد التوراة الدينية فقط وهي سبعة: عيد الفصح (عيد القربان)، عيد الفطير (العجين غير المختمر)، عيد الحصاد، عيد رأس السنة العبرية، عيد الغفران، عيد العرش «المظال»، العيد الثامن أو فرحة نزول التوراة، وليس للسامريين أعياد وطنية أو قومية. ومن خلال هذه الأعياد يحج السامريون إلى جبلهم المقدس (جبل جرزيم) ثلاث مرات سنويا، في أثناء عيد الفصح وعيد الحصاد وعيد العرش.

مكانة المرأة عند السامريين

«الديانة السامرية تركز على المرأة بصفتها الأم والمربية والقادرة على اتخاذ القرارات التي تهم أسرتها، هي التي تعلم الأطفال التربية الصحيحة التي تعتمد أولا وأخيرا على التمسك بدينهم وعقيدتهم، وكذلك الحلال والحرام، واحترام الغير»، هذا ما تقوله جنان السامري. وتضيف أن «المرأة السامرية ترى أن تمسك أولادها بالدين والعقيدة هو العنصر الأساسي في بقاء طائفتها واستمرارية وجودها، وعدم ذوبانها في المحيط». وتشير جنان إلى أن «معظم النساء السامريات في السنوات العشر الأخيرة جامعيات، ويشكلن أكبر نسبة تعليمية جامعية في العالم بالنسبة إلى عدد أفراد طائفتهن، ويعملن في الوظائف الحكومية والمؤسسات الخاصة، كالبنوك والشركات، ويندمجن في الحياة العامة». وتردف: الحياة بالنسبة إلى المرأة السامرية مستمرة، إذ تعتبر سر بقاء طائفتها ووجودها، مع إيمانها بمبدأ معين ألا وهو المحافظة على الدين السامريّ، وكذلك العادات والتقاليد. كما أن كون النساء السامريات غير متعصبات هو سبب مهم في المحافظة على بقاء هذه الطائفة. أما من ناحية الرجل السامري، فقد اعتاد الحفاظ على كرامة المرأة منذ حداثته.
الدورة الشهرية عند النساء
نصت تعاليم التوراة المقدسة على الحفاظ على الدورة الشهرية للنساء، سبعة أيام الحيض لا تلامس أياً من أبناء السامريين، ولا أي شيء يخصهم، ولها غرفة خاصة تكون لها مع أشيائها الخاصة، ومع ذلك يتاح لها ممارسة حياتها الدراسية والعملية كالمعتاد، إذ جاء ذلك في الشريعة المقدسة (لاويين 15: 19-20)، ونصت الشريعة أيضا بالنسبة إلى المرأة الوالدة، فإذا ولدت ذكرا يجب أن تحافظ المرأة على أيام طمثها 41 يوما، وفي حال المولودة أنثى يجب أن تحافظ عليها 80 يوما. وتقول جنان: عندما تكون المرأة منعزلة بسبب طمثها، يقوم رجلها بعبء البيت، وإذا كان مشغولا في عمله فالواجب يقع على الأولاد، وإذا ما كان الأولاد مشغولين بالدراسة، فإن الجيران يقدمون المساعدة. رب البيت يعرف هنا، كم هي المرأة ضرورية وحيوية في البيت وكذلك الأولاد، بالإضافة إلى ما تتركه من تعاون وتآلف وانسجام بين الجيران. وبعد سبعة أيام يشعر أهل البيت أن هناك تجددا شهريا في حياتهم، يكسر الروتين الذي نعيشه. وتضيف: هذا هو الواجب الديني والطهارة بحد ذاتها للإنسان الذي خلقه الله طاهرا ومقدسا ومباركا. فالسامري عندما يحافظ على مثل هذه الوصايا، فهذا يعني أن الطهارة والقدسية والبركة قد حلت عليه، عدا عن الراحة للمرأة. وقد أثبت الطب أن ملازمة الأم طفلها في أثناء النفاس، ضرورية للأم وللطفل أيضا. كما تستطيع الذهاب إلى عملها الخارجي والدراسة والسفر والخروج من بيتها كما تشاء.

الزواج

السامريون لا يتزوجون من خارج أبناء الطائفة السامرية، إلا في حالات معينة وبشروط مسبقة، يأتي في مقدمتها الإيمان بالتوراة (العبرية القديمة السامرية)، والعمل بوصاياها وتعاليمها، وكذلك بالعادات والتقاليد. وبالأحرى، أن تتسمرن (تصبح سامرية)، يعني أنه ممنوع على الفتاة السامرية أن تتزوج أي شخص من خارج الديانة السامرية حفاظا على ديانة الطائفة وكيانها وعددها. وإذا حدث مثل هذا فإنها تعتبر خارجة على الدين.

التعليم

يلتحق السامريون في نابلس بمدارسها التي تعود مرجعيتها إلى وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، بينما يتلقى سكان مدينة حولون السامريون تعليمهم في المدارس الإسرائيلية، ويكمل كل منهم تعليمه الأكاديمــــي في جــــامعات مدينته. ويقول يعقوب: التعليم الديني يبدأ بتدريس الأطفال قبـــــل دخولهم المدارس اللغة العبرية القديمة عند أستاذ سامري خاص، حتى يتقن اللغة، ويختم قراءة الأسفار الخمسة في عمر السبع سنوات، ثم يتجه إلى تعلم التراتيل الدينية والصلوات والأنغام السامرية لدى أستاذ آخر. ويضيف: الصلوات لدى السامريين يسبقها الوضوء، وهي باللغة العبرية القديمة، وتكون بالركوع والسجود.

الطعام

«لا يجمع السامريون في طعامهم بين روحين، أي أنهم لا يطبخون لحم الجدي مع لبن أمه كما حثتهم التوراة». ويقول حسني الكاهن: لا يمكن أن نأكل أي شيء من منتجات الحليب مع أي طعام من منتجات اللحوم، ولا نجمعها على طاولة واحدة أبداً. ولدينا عدة شروط للذبح، منها أن يكون الذابح سامرياً طاهراً متوضئا، يغطي رأسه، ثم يبدأ بالبسملة، ويحمل سكيناً طويلة بحيث لا يعود عند الذبح بها ولا يعذب الضحية، وعليه أن يطمر الدم بالتراب قبل أن يغادر المكان. ويشير الكاهن إلى أن السامريين «متمسكون بدينهم، ويقومون بجمع تعاليمه، ويطبقون العادات والتقاليد منذ آلاف السنين، إلا أنهم يعاصرون العولمة ويتبعون «الموضة» والأزياء الحديثة، حتى أن لمعظم أفرادهم صفحات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي».

* صحافية فلسطينية تقيم في نابلس.