| 

ما زال قيس عبد الكريم (أبو ليلى)، عضو المكتب السياسي للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، يتذكر العاشر من نيسان 1973، وكيف نجا من محاولة اغتياله في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه ثلاثة من القادة البارزين في حركة فتح ومنظمة التحرير هم: كمال ناصر الناطق باسم منظمة التحرير الفلسطينية، وكمال عدوان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ومحمد يوسف النجار (أبو يوسف النجار) عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، في العملية التي عرفت باسم «ربيع فردان». وأقر «أبو ليلى» بأنه «لم يكن هناك أي استراتيجية فلسطينية لمقاومة الاغتيالات، بل كان هناك نوع من التعاون ما بين مختلف القوى، ولكن في معظم الحالات كان كل تنظيم له ترتيباته الخاصة في حماية شخصياته».
وسرد حكاية العاشر من نيسان 1973، قائلا: كان لدينا مكتب رئيس في الفاكهاني، وبالتحديد في منطقة تضم عدداً من المراكز القيادية لحركة ومنظمات فلسطينية، أبرزها مقر أبو عمار. كنت المناوب في المكتب حينها، وكان مكتبنا على مدخل المنطقة، وبالتالي تم استهدافه بقوة عسكرية علمنا لاحقاً أنها كانت بقيادة أمنون شاحاك. تعرضنا لهجوم شرس، وتمكنا من قتل جندي إسرائيلي، وأسر آخر لفترة وجيزة، قبل أن تسيطر قوات الاحتلال على المنطقة، لكن الأهم أنهم لم يتمكنوا من اقتحام البناية التي كنا نتحصن بداخلها، وبالتالي فشلت مخططاتهم. وأضاف «أبو ليلى»: كان نظام الحماية يقوم ليس على ما يمكن تسميته بالحماية الخارجية الشكلية، والتي تتمثل بحراس عند الأبواب، ولكن كانت لدينا مجموعة من الدوريات العسكرية المزودة برشاشات من طراز «دوشكا»، تم توزيعها بطريقة ما، بحيث يدعم بعضها بعضاً. ويبدو أننا كنا نخضع لنظام مراقبة من القوات الإسرائيلية، لدرجة أنهم اكتشفوا استراتيجية الحماية الخاصة بنا، فأرسلوا أحدهم بلباس مدني إلى مدخل البناية التي نتحصن في داخلها، وكان بحوزته كاتم صوت من طراز «توتو»، أطلق من خلاله عياراً أصاب رأس حارس البناية الذي نجا. لم يكن الإسرائيليون على علم بوجود أكثر من رفيق للحراسة، والذين شاهدوا عملية إطلاق النار على الحارس بأم أعينهم أطلقوا النار على الإسرائيلي المتنكر وأردوه، وبعدها دار اشتباك بين دوريات «الدوشكا» والقوات الإسرائيلية التي تمكنت من تدمير الدوريات، لكنها لم تنجح في اقتحام البناية، فوضعت ألغاماً لتدميرها. وانفجرت الألغام، ولم تتدمر البناية، ونجونا. لكن علمت لاحقاً أنه، وبسبب سيطرتهم على المنطقة تمكنوا من إطلاق سراح أحد جنودهم كان شباننا قد تمكنوا من احتجازه.
«أبو ليلى»، الذي لا يدري هل إن البناية التي يقطنها في رام الله عام 2001، كان يهدف إلى اغتياله، أم أنه انفجار داخلي، مع ترجيحه للرواية الأولى، يشدد على أهمية وجود استراتيجية موحدة لمقاومة الاغتيالات الإسرائيلية، وقال: كان لا بد من استراتيجية موحدة كهذه، وعلى هذا الصعيد كان ثمة تقصير، نافياً أن تكون الاختراقات من قبل الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية للمنظمات والفصائل الفلسطينية طالت الصفين الأول والثاني، بل مقربين منهما.

الملف مجدداً

عاد ملف الاغتيالات مجدداً بعد أن نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، مؤخراً، تفصيلات جديدة عن تنصت الموساد الإسرائيلي على غرفة عمل الرئيس محمود عباس في تونس عام 1993، قبل ثلاثة أشهر من اتفاق أوسلو، حينما كانت الاتصالات بهذا الخصوص لا تزال سرية. وعرضت الصحيفة كيفية نجاح الموساد في هذه العملية، وكيفية الكشف عن أجهزة التنصت، والعميل الفلسطيني الذي استعمله الموساد في هذه المهمة. وبحسب الصحيفة، فإن أجزاء كبيرة من نشاط منظمة التحرير حينذاك كان مكشوفا لإسرائيل التي حصلت على معلومات «ثمينة»، عن العلاقات بين الرئيس محمود عباس والرئيس الراحل ياسر عرفات. وقالت إنه بعد تزايد الحس الأمني لدى الفلسطينيين عقب اغتيال عدد من المسؤولين في العام 1988، أدرك الفلسطينيون أن عمليات الاغتيال اعتمدت على معلومات استخبارية دقيقة وصلت إلى إسرائيل، فأنشأوا عددا من لجان الفحص والتحقيق التي لم تكشف عن كثير، لكنها أوصت بتشديد وسائل الحراسة حول المقار في تونس، فكان من الصعب على الموساد تجنيد العملاء.
أما بخصوص هذه العملية، فتوضح الصحيفة أن الموساد تمكن من تحقيق الاختراق في فندق بباريس كان يرتاده قادة المنظمة، وعلى رأسهم المدعو عدنان ياسين (53 عاما) الذي كان ضابط الأمن لقيادات المنظمة ونائب القيادي في حركة فتح حكم بلعاوي. وبحسب الصحيفة، فإن ياسين أمد رجل الموساد الذي ادعى أنه تاجر مصري بمعلومات «عظيمة القيمة عما يحدث في حمام الشط، وهو مقر قيادات منظمة التحرير في تونس، واللقاءات والأسماء والمباني التنظيمية وتوزيع صلاحيات (خليل الوزير) أبو جهاد بعد اغتياله... إلخ.
وذكرت «يديعوت» أن من بين الأهداف التي طُلب من ياسين معلومات عنها لغرض التصفية شخصيات بينها عاطف بسيسو، المسؤول الأمني الفلسطيني، الذي اغتيل في باريس، وكشف التحقيق اغتياله أن رجال الموساد في فرنسا هم من اغتالوه.
وتشير إلى أن العميل عدنان ياسين حكم عليه بالسجن 15 عاما فقط، وهذه عقوبة مخففة نسبيا مع أنه نُسب إليه مشاركة ما في اغتيال بسيسو. وحينما انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من تونس نقل إلى سجن في غزة، وفي 1996 أُفرج عنه وانتقل إلى دولة خارج الشرق الأوسط!
ويعلق قيس عبد الكريم على الرواية الإسرائيلية بالقول: هذه الاختراقات لا تحدث في المنظمات والثورات والفصائل المقاومة فحسب، بل في الدول، ودول عظمى أيضاً. لا معلومات لديّ بتفصيلات حكاية ياسين، ولماذا أطلق سراحه. كل ما أعرفه أننا كنا بحاجة لطريقة ممنهجة أو استراتيجية متفق عليها من مختلف الفصائل لاكتشاف هذه الحالات واستئصالها، وهذا لم يكن موجوداً، وذلك لأسباب تتعلق بالعصبوية التنظيمية.

العميل الذي «تبخر»!

ويسرد موقع «يابيروث» الالكتروني حكاية مختلفة لعدنان ياسين، وبشيء من التفصيل، فيشير إلى أن الكاتب الإسرائيلي سمدار ييري كان أول من أعلن في مطلع العام 2004، عن حصول ياسين الملقب بـ«أبو هاني»، على حق اللجوء السياسي في السويد، قبل الإعلان أنه بات في إسرائيل، وجاء ذلك بعد إطلاق سراحه من منزله الذي كان يخضع للإقامة الجبرية في الجزائر، مع أن كثيرين كانوا يعتقدون أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قامت بإعدامه. وبالتالي فإن هربه إلى السويد ومنها إلى إسرائيل، بحسب الموقع، تم من الجزائر وليس من غزة كما ادعت الصحيفة الإسرائيلية، لافتة إلى أن الموساد طالب المنظمة بياسين أكثر من مرة، خاصة أنه قدم معلومات ثمينة على مدار سنوات لأجهزة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية. وأشار الموقع إلى أن افتضاح أمر ياسين، جاء على خلفية «زلة لسان» من شمعون بيريس حين أخبر الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس عن تفصيلات حوار بينه وبين الرئيس الراحل ياسر عرفات، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح أبو ماهر غنيم، بعيد التوقيع على اتفاق أوسلو، لافتاً إلى أن الاستخبارات الأميركية قدمت إلى تونس لمنع «أطراف غير مخولة بنصب أجهزة تنصت في مكتب عرفات، فطلب منهم عباس فحص مكتبه، وتم اكتشاف الأمر». نقل الموقع ذاته أن أجهزة الأمن الفلسطينية في تونس اعتقلت ياسين، وعثر بحوزته على ثلاثين ألف دولار أميركي، وسيارتين فاخرتين، و«حساب بنكي كبير»، فحكمت عليه بالسجن ربع قرن، وعلى ابنه هاني بالسجن خمس سنوات بدعوى التعاون معه، واتضح أنه هو من قام بكشف مخطط لاغتيال اسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، وأنه نقل إلى سجن فلسطيني في منطقة حمام الشط بتونس، وسمح له في العام 1996 بزيارة وداعية لزوحته المريضة بالسرطان في مستشفى بتونس، فيما نقل بعد ذلك إلى الجزائر، قبل «ضمان إسرائيل لاستيعاب ياسين في السويد»، وفق الموقع الالكتروني ذاته.
ونقل الموقع عن عبد الله الافرنجي، القيادي في حركة فتح، وكان عضوا في لجنة التحقيق مع ياسين، أنه لا يجب التقليل مما قام به ياسين ولا المبالغة فيه، وإن تزويد إسرائيل له بأجهزة تنصت توحي بأنها كانت معنية بتفصيلات الموقف والتوجهات الفلسطينية في فترة أوسلو وما قبلها بقليل، أكثر من سعيها لتنفيذ اغتيالات سياسية من خلاله.
ورغم أن غالبية ترجمات تقرير صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشارت إلى احتمال ضلوع ياسين في اغتيال المناضل عاطف بسيسو في باريس، إلى أن ترجمة نشرها موقع «الصفصاف» تحدثت عن دور للمخابرات والقضاء الفرنسيين في كشف ياسين، ودوره في اغتيال شخصيات قيادية فلسطينية في تونس، مثل خليل الوزير نائب القائد العام للثورة الفلسطينية، وعاطف بسيسو، فيما تحدثت صحف تونسية عن دور لأحمد بنور مساعد وزير الداخلية التونسي سابقا في اغتيال خليل الوزير وعاطف بسيسو، لكن مثل هذه الأحاديث لم يتم التأكد منها.

مزيد من عمليات الاغتيال

جاء ذلك بالتزامن مع صدور كتاب في إسرائيل لمؤلفه أهارون كلاين، وهو ضابط مخابرات إسرائيلي سابق يعمل حاليا محاضرا في الجامعة العبرية، يكشف فيه النقاب عن أن الموساد الإسرائيلي سبق أن خطط لاغتيال عرفات في دمشق، وأن اسحق شامير هو الذي اتخذ قرار قتل عاطف بسيسو في باريس. كما يشرح الكتاب تفصيلات مواجهة ساخنة بين مدير المخابرات الفرنسية ومدير الموساد تمت في مكتب الأول في باريس، على خلفية اغتيال بسيسو في العاصمة الفرنسية. ونقل موقع «المجد» الإلكتروني المتخصص بالقضايا الأمنية عن «المخابرات الفلسطينية» تأكيدها أن ياسين لعب دوراً بارزاً في تقديم معلومات لجهاز الموساد لاغتيال ثلاثة قادة بارزين في قبرص يوم 14/2/1988 وهم: أبو حسن محمد بحيصي، حمدي سلطان ومروان كيالي، بعد أن غادروا تونس متوجهين إلى قبرص للإشراف على تنظيم عدد من الخلايا العاملة في داخل الأراضي المحتلة. وقد اعتبر اغتيالهم في حينها أبرز الضربات الموجعة التي تلقاها جهاز القطاع الغربي في داخل حركة فتح، ولم يستبعد مسؤول في اللجنة المركزية لحركة فتح أن يكون نشاط ياسين لمصلحة الموساد امتد سنوات طويلة، وأنه لم يكن ليصل إلى هذا المستوى من التعامل مع الموساد على استعمال أجهزة متطورة وحبر سري ورسائل بالشيفرة لو لم يكن مر قبلها في مراحل عدة، ولهذا فإن ربط اسمه بقضايا أخرى مثل اغتيال عاطف بسيـــــسو، الذي وصفه عرفات برجل الأمن القومي، والكشف عن زيــــارة الأمين العام للجبهة الشعبية جورج حبش لفرنسا، واغتيـــــال «أبو جهاد»، ليس مستبعدا، لأنه كان من القلائل جداً الذيـــــن يطلعون على تحركات المسؤولين الفلسطينيين بحكم إشــــرافه ومعرفته بأسماء المسافرين ورحــــلاتهم (وفــــق موقع «المجد» الإلكتروني).

اعترافات إسرائيلية

روى أهرون ياريف مدير مركز الأبحاث الإستراتيجية في جامعة تل أبيب، والذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في حديث وصف بالمدوي لشبكة التلفزيون البريطانية (بي. بي. سي) في أيلول 1993، قصة الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل، وطالت عدداً من القادة الفلسطينيين في عواصم عالمية مختلفة بطلب وموافقة غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل في الفترة التي أعقبت عملية ميونيخ الشهيرة، واستمرت لسنوات تالية. ورغم أن الجميع كان يدرك مسؤولية إسرائيل عن تلك الاغتيالات، إلا أن اعترافات ياريف أثارت ضجة كبيرة حتى في إسرائيل نفسها، حيث قال: كان هدفنا توصيل رسالة للفلسطينيين ولغيرهم، بأن من يقتل إسرائيلياً سيظل مطارداً حتى في فراشه.
القصة، كما رواها رئيس الاستخبارات الأسبق، هي أن غولدا مائير شكّلت فرقة اغتيالات بعد عملية ميونيخ، وبدأت الفرقة عملها بإشراف رئيس الموساد وقتذاك تسفي زامير، وكان على رأس الفرقة مايك هراري، الذي كان مقرباً من رئيس بنما السابق «نورييغا». ومن الفلسطينيين الذين جرت محاولة اغتيالهم حسب رواية ياريف: ممثل منظمة التحرير في الجزائر «أبو خليل» الذي أصيب بجروح، وممثل المنظمة في طرابلس مصطفى عوض الذي أصيب بالشلل والعمى، وهايل عبد الحميد من قادة «فتح»، الذي استشهد في ما بعد، وعدنان أحمد من قادة الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي أصيب بجروح في مدينة بون الألمانية، وأحمد عبد الله وهو من ناشطي الحركة الطالبية الذي فقد ذراعه في كوبنهاغن. كما تم اغتيال وائل زعيتر في روما، وشارك رئيس الموساد بنفسه بإطلاق 12 رصاصة عليه من مسدسات كاتمة للصوت، والدكتور محمود الهمشري ممثل منظمة التحرير في فرنسا، والعراقي باسل الكبيسي، أحد ناشطي حركة القوميين العرب، وأحد كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فيما بعد واغتيل في باريس.
واغتيل أيضاً في سبعينيات القرن الماضي: زياد وشاحي، وعبد الهادي نفاع، وعبد الحميد الشيبي، وحسين علي أبو الخير، وموسى أبو زياد، ومحمود بودية، وهو جزائري كان يعمل في صفوف منظمة التحرير، ومحمود ولد صالح، والدكتور عز الدين القلق، وإبراهيم عبد العزيز، وعلي حسن سلامة، القائد الأمني البارز في منظمة التحرير الفلسطينية ... والقائمة تطول.

* صحافي فلسطيني يقيم في رام الله.