| 

شكل اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق يتسحاق رابين، في بدايات تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، في نهاية مهرجان شعبي عقد في وسط مدينة تل أبيب تحت شعار «نعم للسلام، لا للعنف»، أبرز حادثة اغتيال سياسية وقعت في إسرائيل منذ إقامتها في 1948. ومنذ ذلك الوقت جرى تأليف كثير من الكتب والأبحاث بشأن هذه الحادثة وتداعياتها والدروس المستخلصة منها. ويشير آخرها إلى أن ذلك الاغتيال كان نقطة مفصلية في سياق تصاعد مظاهر العنف السياسي في داخل صفوف المجتمع الإسرائيلي الذي انزاح أكثر فأكثر نحو اليمين، وذلك بموازاة ازدياد جهوزية الإسرائيليين للنظر إلى هذا العنف بصفته جزءًا من روتين الحياة اليومية. ومن هذه الأبحاث، نشير إلى كتاب «مقتل رابين والحرب الثقافية في إسرائيل» الذي ألفـه أستاذ الإعلام في جامعة تل أبيب يورام بيري والذي صدر سنة 2005، في مناسبة مرور أول عقد على حادثة الاغتيال، وقال فيه: كان من المتوقع أن تجرّ تلك الحادثة ردة فعل مضادة في أوساط المجتمع الإسرائيلي، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، إذ إن ما ساد بعدها هو شعور عام فحواه أنه تمّ كسر حاجز الخوف من مغبة ارتكاب جريمة اغتيال سياسية، وأن هذا الاغتيال لن يكون الأخير، بل إنه منح قدرًا ما من الشرعية الاجتماعية لعنف من هذا القبيل.
يؤكد بحث آخر لثلاثة أساتذة من قسمي العلوم السياسية وعلم الاجتماع في جامعة حيفا نُشر سنة 1999 أنه من السذاجة الادعاء أن انخفاض الأحداث العنيفة بعد اغتيال رابين يعتبر دليلاً على نهاية عهد العنف السياسي في المجتمع الإسرائيلي، وأن خفض حدّة الصدع الذي كان يعتور مواقف القوى السياسية المتعددة في أثناء ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الأولى (1996- 1999) إزاء القضية الفلسطينية نجم أساسًا عن تراجع «عملية السلام» بين إسرائيل والفلسطينيين. مع ذلك، فإن العنف السياسي رُحّل إلى حلبات أخرى، مثل حلبة الصراع بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين، والحلبة الاقتصادية، وحلبة النزاع بين المتدينين والعلمانيين. وتعاملت عدة أبحاث مع مواقف استفظعت ذلك الاغتيال وراجت في إثره، وكانت مشدودة إلى جذر أساسي وحيد مفاده أن «اليهود لا يغتالون يهوديًا»، ففتحت ملف الاغتيالات السياسية في تاريخ الحركة الصهيونية وإسرائيل لتؤكد أن اليهود يغتالون يهوداً. ولعل أبرزها بحث أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس نحمان بن يهودا عن تاريخ الاغتيالات بين اليهود (صدر سنة 2000)، والذي أشار فيه إلى أن ضحايا 60 حادثة من حوادث الاغتيال الـ 80 التي ارتكبها يهود على مدار 100 عام قبل اغتيال رابين، كانت يهودية.

تاريخ الاغتيالات السياسية:
نظرة إلى الماضي

تشير الوثائق والأدبيات السياسية الإسرائيلية الرسمية إلى العديد من عمليات القتل وحوادث الاغتيال السياسية التي وقعت في إطار الصراعات والخصومات بين المنظمات والأجنحة السياسية والعسكرية الرئيسية في الحركة الصهيونية (منظمات «الهاغناه» و«إيتسل» و«ليحي») خلال العقود الثلاثة التي سبقت إقامة إسرائيل في 1948، ناهيك عن عشرات محاولات الاغتيال التي لم تنته بقتل الضحية.
وتركز هذه الوثائق والأدبيات على خمسة حوادث اغتيال سياسية بارزة في تاريخ الحركة الصهيونية ودولتها، اثنتان منها وقعتا قبل إقامة إسرائيل (قتل يعقوب دي هان في 1924، وقتل حاييم أرلوزوروف في 1933)، وثلاثة اغتيالات بعد إقامتها (اغتيال يسرائيل كاستنر في 1957 بحجة تعاونه مع النازيين في هنغاريا، واغتيال الناشط اليساري في حركة «السلام الآن» إميل غرينتسفايغ في 1983 خلال تظاهرة عامة في القدس طالبت بتنفيذ توصيات «لجنة كاهان» التي تقصت وقائع مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت، واغتيال رابين في 1995)، فضلا عن العديد من عمليات الاغتيال التي طاولت مسؤولين سياسيين وعسكريين في حكومة الانتداب البريطانية حتى 1948، وكذلك حادثة اغتيال موفد الأمم المتحدة إلى فلسطين الكونت فولكه برنادوت (سويدي) في 17 أيلول/ سبتمبر 1948 في القدس من طرف عصابة «شتيرن» الصهيونية التابعة لمنظمة «ليحي»، وذلك بسبب قيامه بإعداد تقرير بتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة يخالف رغبة الحركة الصهيونية وإسرائيل.
كان يعقوب دي هان في منزلة «وزير خارجية» الطائفة اليهودية الحريدية (الأرثوذكسية) في القدس. وهو صهيوني- قومي سابق تحول إلى ألد خصوم زعماء حركة العمل الصهيونية. وفي مطلع القرن العشرين استطاع، لكونه كاتبًا وشاعرًا وصحافيًا وباحثًا وسياسيًا (وهو أيضًا حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق)، أن يفتح (بعد «توبته الدينية») أمام الحريديم في القدس أبواب ملوك وشخصيات رفيعة المستوى لم يتمكن من دخولها حتى ذلك الوقت سوى كبار زعماء الصهيونية فقط. ورأت فيه زعامة «الييشوف» خائنًا، وخصوصًا بعد لقاءات منفصلة عقدها مع الأمير عبد الله، وبعد لقاءات دبلوماسية في لندن. وفي هذه اللقاءات توصل إلى اتفاق باسم الطائفة الحريدية اليهودية يقضي بالتنازل عن «وعد بلفور» في مقابل اتفاقيات سلام مع العرب، وذلك خلافاً لرأي الهستدروت الصهيونية. وجراء ذلك تعرض إلى حملة هجومية متصاعدة من قبل الأحزاب والحركات الصهيونية، وأثارت لقاءاته وتصريحاته على نحو خاص غضب نائب قائد «الهاغناه» في القدس أبراهام تهومي الذي شكل مع أبراهام غيورا (كرشفسكي) رأس حربة «المجموعة المركزية» في منظمة الهاغناه برئاسة زكريا أوريئيلي الذي كان قائدًا لفرع المنظمة في القدس. وخطط هؤلاء معًا لاغتيال دي هان وذلك بعلم إسحاق بن تسفي، الذي أصبح ثاني رئيس لدولة إسرائيل.
أمّا حاييم أرلوزوروف (المولود سنة 1899 في أوكرانيا) فقد كان، بعد هجرة عائلته إلى ألمانيا سنة 1905، ناشطاً ثم أحد القادة الشبان في حزب «هبوعيل هتسعير» الصهيوني، ثم هاجر إلى فلسطين في 1924 بعد ما حصل في نفس العام على لقب الدكتوراه من جامعة برلين، وانخرط في زعامة الحزب في البلد، وبرز بشخصيته القوية ونضجه السياسي وثقافته المتعددة. وعقب إقامة «حزب بوعالي إيرتس يسرائيل» (مباي) في 1930 أصبح أحد زعماء الحزب (الذي كان يتزعمه دافيد بن غوريون). وفي المؤتمر الصهيوني الـ 17 الذي عقد سنة 1931 انتخب عضواً في إدارة الوكالة اليهودية ورئيساً للدائرة السياسية فيها. وأقام علاقات جيدة مع المندوب السامي البريطاني الأعلى في فلسطين، وساهم في توطيد العلاقات بين سلطات الانتداب و«الييشوف» اليهودي.
عقب صعود هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا سنة 1933 شرع أرلوزوروف بحملة استهدفت تهجير يهود ألمانيا وإنقاذ ممتلكاتهم وجلبها إلى فلسطين. في نفس العام سافر إلى برلين لدرس إمكان إجراء مفاوضات مع الحكومة الألمانية للهدف ذاته، وقام برحلات مكوكية لهذا الغرض بين برلين ولندن، مقترحاً أن يتولى غير يهود (بريطانيون) إجراء المفاوضات باسم الهستدروت الصهيونية، وحصل على موافقة وزير المستعمرات البريطانية شرط أن لا تتدخل بريطانيا رسمياً في المفاوضات. لكن خطته هذه اصطدمت بالذات بمعارضة من جانب يهود ألمانيا الذين عبروا عن خوفهم من السلطات النازية. وتشاور أرلوزوروف مع د. روبرت وولش، من زعماء يهود ألمانيا، فيما إذا كان يجدر التوجه حول نفس الموضوع إلى زوجة جوزيف غوبلز، وزير الدعاية والإعلام في الحكومة النازية، بغية استخدام نفوذها الشخصي لدى زوجها لإنقاذ الممتلكات اليهودية. غير أن زوجة غوبلز، التي كان لأرلوزوروف علاقة وثيقة بها، رفضت مقابلته. وخلال رحلته إلى ألمانيا شُنت في البلاد ضده وضد خططه حملة تحريض في صحيفة «حزيت هعام» (جبهة الشعب) الإصلاحية وهي لسان حال الجناح اليميني المتطرف في الحركة الإصلاحية، استخدمت فيها ضده تعابير من قبيل «تحالف ستالين- بن غوريون- هتلر» و«طعنة في ظهر الأمة» و«الدبلوماسي الأحمر» الذي ذهب لبيع شرف الشعب اليهودي وكرامته لقاء حفنة من الأموال. ونظرًا إلى اشتداد هذه الحملة أكثر فأكثر عاد أرلوزوروف إلى البلاد في 14 حزيران/ يونيو 1933 وبعد يومين (في 16 حزيران) اغتيل على يد شخصين بالقرب من المقبرة الإسلامية في تل أبيب (المكان الذي يوجد فيه اليوم فندق هيلتون). ووقعت الشبهة الرئيسية على أعضاء الحركة الإصلاحية اليمينية، واعتقل مشبوهان من أعضاء الحركة على ذمة التحقيق هما تسفي روزنفلت وأبراهام ستافسكي. كما اعتقل الكاتب الصحافي الإصلاحي ذو الميول المتطرفة آبا أحيميئير للاشتباه بضلوعه في التحريض على القتل. وخلال محاكمة المشبوهين الرئيسيين بالقتل ظهر فجأة مشبوهان آخران أحدهما عربي يُدعى عبد المجيد، أدلى باعتراف للشرطة أنه قام مع صديق له يُدعى عيسى درويش بقتل أرلوزوزوف. غير أنهما تراجعا عن اعترافهما وقالا إن المشبوهين ستافسكي وروزنفلت وعداهما برشوة مالية في مقابل اعترافهما. وأكدت المحكمة العليا الانتدابية، التي بحثت اغتيال أرلوزوروف كهيئة استئناف، وجود مؤامرة وشهادة زور في القضية. وفي نهاية المحاكمة في 8 حزيران/ يونيو 1934 برئت ساحة روزنفلت، فيما أدين ستافسكي بناءً على شهادة زوجة أرلوزوروف وحكم عليه بالإعدام شنقاً. وفي استئناف للمحكمة الانتدابية العليا في 20 تموز/ يوليو 1934 بُرِئ أيضاً ستافسكي استناداً إلى عدم جواز إدانة شخص بجريمة قتل بناءً على شهادة شخص واحد فقط. كذلك تقرر عدم تقديم آبا أحيميئير كمشبوه بالتحريض على القتل، إلى المحاكمة بتهمة مرتبطة بجريمة القتل.
ظلت هذه القضية موضع جدل داخل الحركة الصهيونية وإسرائيل طوال عشرات الأعوام، حيث كان أعضاء حركة العمل على اختلاف أحزابها واثقين بأن ما جرى هو جريمة اغتيال سياسية، وأن ستافسكي وروزنفلت هما المتهمان الحقيقيان بارتكابها، وفي المقابل اعتقد أعضاء المعسكر الإصلاحي (اليميني) على اختلاف أحزابهم أن إلقاء التهمة على المذكورين كانت مجرد فرية.
في آذار/ مارس 1982، خلال ولاية رئيس الحكومة مناحيم بيغن، وهو من زعماء الحركة الإصلاحية، قررت الحكومة إقامة لجنة تحقيق قضائية برئاسة القاضي السابق في المحكمة العليا دافيد بخور. غير أن اللجنة لم تجد منذ ذلك الوقت الأدلة المادية، كما أن الكثير من الشهود انتقلوا إلى العالم الآخر، وقدم آخرون لأسباب مختلفة إفادات متناقضة. وعلى ضوء ذلك قررت لجنة التحقيق بالإجماع أن أبراهام ستافسكي (الذي قتل على متن سفينة «ألتالينا») وتسفي روزنفلت ليسا قاتلي أرلوزوروف، وأنه ليس لهما أي ضلع في جريمة الاغتيال، كما قررت المحكمة أنها لا تستطيع تأكيد ما إذا كانت عملية القتل هي اغتيال سياسي. مع ذلك فإن هذا القرار لم يضع حدًا للخلاف بشأن حادثة قتل أرلوزوروف، التي ما زالت أصداؤها وتداعياتها تتفاعل حتى الآن.

تهديد بن غوريون بالقتل

تلقى دافيد بن غوريون نفسه تهديدات بالقتل في 1926، وذلك على خلفية سعيه لتفكيك تنظيم شبه سري باسم «الكيبوتس السري» كان يعمل في صفوف حركة العمل. وقد اعتقد في حينه أن نشاط هذا التنظيم يلحق أضرارًا فادحة بـ «الييشوف». وقد بادر إلى تقديم أعضاء هذا التنظيم إلى محاكمة تأديبية تابعة للهستدروت الصهيونية، وخلال المحاكمة بلغ أعضاء التنظيم إسحاق بن تسفي بأنه إذا ما استمر بن غوريون في التحريض عليهم، والوقوف لهم بالمرصاد، فسيقومون بقتله لدى قيامه بزيارة مستوطنة «كفار جلعادي» في الجليل. وأخذ بن غوريون هذه التهديدات على محمل الجد، وامتنع من زيارة هذه المستوطنة خلال جولته في الجليل.

اغتيالات بين التنظيمات السرية اليهودية

انتهجت «المنظمة العسكرية القومية» الصهيونية («إيتسل») التي لم تمتثل لإمرة الزعامة الصهيونية، وعلى غرارها أيضاً منظمة «ليحي»، نمط العمل الإرهابي العنيف، الذي أطلق عليه اسم «تغوفاه» (الرد) وذلك في مقابل ما يسمى «هبلاغاه» (ضبط النفس) الذي ادعت منظمة «الهاغناه» إتباعه. وقد لجأ أعضاء المنظمتين «إيتسل» و«ليحي» إلى تنفيذ عمليات إطلاق نار عشوائية، وألقوا قنابل وعبوات ناسفة باتجاه مقاه ومداخل مدن مزدحمة بالناس، واعتدوا أيضاً على زعماء سياسيين عرباً وبريطانيين ويهودا. من أبرز هذه الحوادث:
÷ في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 اغتال إرهابيان يهوديان هما إلياهو بيت تسوري («زبولون») وإلياهو حكيم («بيني») الوزير البريطاني الدائم لشؤون الشرق الأوسط، اللورد موين، في القاهرة.
÷ في 17 أيلول/ سبتمبر 1948، قتل الوسيط من طرف الأمم المتحدة الكونت فولكه برنادوت، وذلك في عملية اغتيال خطط لها يهوشواع زلتر، قائد منظمة «شتيرن» في القدس، ونفذها عضو المنظمة يهوشواع كوهين. وكانت قد وقعت بين فترة وأخرى عمليات إرهابية عديدة نفذها إرهابيون يهود ضد شخصيات سياسية مسؤولة في السلطة المدنية وضد ضباط في الجيش والشرطة. وقد بدأت عمليات القتل الإرهابية ضد القادة والمسؤولين في سلطات الانتداب البريطانية في 1939. ففي 26 آب/ أغسطس من تلك السنة أصدرت التنظيمات الإرهابية الصهيونية حكما بالإعدام وقامت باغتيال الضابط البريطاني كرنس وضابط آخر يدعى بركر بواسطة تفجير لغم كهربائي. وفي ربيع 1939 قتل أعضاء منظمة «إيتسل» آرييه بولوفسكي الذي كان مجنداً من طرف «الهاغناه» في صفوف الشرطة السرية البريطانية.
÷ في آب/ أغسطس 1944 حاول أعضاء «ليحي» قتل المندوب السامي البريطاني في فلسطين اللورد مكمايكل، وحاولت المنظمات العسكرية الصهيونية تنفيذ اغتيال سياسي ضد قائد شرطة حيفا ريموند كابرتا. كما وقعت عملية اغتيال أخرى ضد الجنرال أولين بركر، الذي كان يسكن في حي الطالبية في القدس.
÷ وقعت عمليات قتل واغتيال سياسية عديدة داخل المنظمات العسكرية الصهيونية وذلك على خلفية النزاعات على الزعامة وبتهم التعاون والتخابر... الخ. وعملية الاغتيال الأكثر شهرة هي قتل إلياهو جلعادي (شاؤول) سنة 1943 على يد إسحاق يزرنيتسكي (إسحق شامير، الذي أصبح رئيسًا لحكومة إسرائيل) وكان في حينه من زعماء منظمة «ليحي». وفي أيلول/ سبتمبر 1943 اغتيل يسرائيل فريتسكر، رئيس شعبة المعلومات (الاستخبارات) في منظمة «الايتسل»، وذلك بالقرب من بيته في تل أبيب من طرف أعضاء في «ليحي» نفذوا بذلك حكماً بالإعدام كانت المنظمة قد أصدرته بحقه بتهمة تسليم أعضاء فيها إلى البوليس البريطاني. وخلال الأربعينيات وقعت العديد من عمليات القتل والاغتيال لأعضاء ومسؤولين في المنظمات الصهيونية والتي نفذت على خلفية مشابهة. وأعدمت منظمة «الهاغناه» أيضاً في محاكمات ميدانية العديد ممن وصفتهم بالمتعاونين، بينما كانت الخلفية الحقيقية سياسية، كما حدث لدى إعدام مئير طوبيانسكي في حزيران/ يونيو 1948 والذي كان قائدًا في «الهاغناه» ورئيساً لجهاز استخباراتها (شاي) في القدس، واتهم زورًا بالتجسس على إسرائيل لمصلحة بريطانيا.
لا يتسع المجال أكثر لعرض أعمال العنف وجرائم الاغتيال السياسية المنظمة، لكن لا بدّ من القول إنها منذ العقود الأولى من القرن الفائت كانت نهج عمل وطريقة لحل وتسوية خلافات سياسية في صفوف مجتمع الاستيطان الصهيوني ومنظماته وأحزابه السياسية والعسكرية في فلسطين. ومن الأسباب التي تعزى إليها هذه الظواهر الطابع العسكري للمجتمع اليهودي- الإسرائيلي، والتوترات والتناقضات التي نشأت في شبكة العلاقات بين الأجيال، وخصوصًا بين الزعامة الأيديولوجية القديمة، من جهة، والشبان الذين سعوا إلى الارتقاء في سلم القيادة والزعامة، من جهة أخرى. وظلت عمليات ومحاولات الاغتيال السياسية تصاحب المجتمع اليهودي حتى بعد إقامة الدولة، وكان من أبرزها بالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، محاولة اغتيال مئير فلنر أحد زعماء حزب «ماكي» (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) في 1967.