| 

بحزام من مخيمات اللاجئين تتزنر مدينة نابلس، جبل النار، شمال الضفة الغربية، فحيثما يولي المرء وجهه جنوبا أو شرقا أو غربا هناك مخيم يكتظ بألوف اللاجئين. السكان يتزايدون مع مرور السنين والمساحة تضيق في كل يوم لتخنق الكبار الصغار معاً.
أن تكون لاجئا يعني أن تسكن في أحد هذه المخيمات، أو أنك ولدت في أحدها، وحتى الذين قرروا الانتقال إلى خارج المخيم، تراهم يحجون إليه أسبوعيا إن لم يكن يوميا هم وأولادهم. وإن سألتهم من أين أنتم ستجيب البديهة فيهم: من يافا، لكني أسكن مخيم بلاطة أو مخيم عين بيت الماء أو مخيم عسكر.
المخيمات تتشابه لأنها اختراع الجحيم، بيوت متقاربة، غالبا ما تكون الجدران مشتركة، أزقة ضيقة، شوارع لها من الشارع اسمه فقط تستخدم لعبور السيارات والمارة ولعب كرة القدم للأولاد والقفز عن الحبل للبنات. أما عتبات البيوت المطلة على هذه الشوارع والأزقة، فتتحول صيفا إلى «كافيهات» لشرب الشاي والنارجيلة، وهي ذاتها التي تستخدمها الأمهات صباحا لتبادل أخبار الجيران والمساعدة في إعداد طبخة اليوم وتقديم النصائح للمستجدات في الزواج أو حل خلافات عالقة بين نساء الحارة.
معظم سكان المخيمات الأربعة في محافظة نابلس تعود جذورهم إلى مدن يافا واللد والرملة وعشرات القرى المجاورة، وهؤلاء هاجروا قسراً بعد تعرض قراهم لهجوم العصابات الصهيونية التي كلفتهم كثيراً من الشهداء والجرحى، ورحيلا كانوا يظنوه موقتا لحين انتصار الجيوش العربية التي جاءت لتحارب ضد العصابات الصهيونية، لكن الموقت أصبح هو الوضع الدائم منذ ما نحو 65 عاماً.

مخيم بلاطة

هذا المخيم يشبه «جهاز رصد نبضات القلب» للضفة الغربية. هناك تستطيع أن تعرف أين تجري الرياح السياسية، هل يتم شحذ شرارة المقاومة للاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي، أم أن رياح المخيم تهب عكسية بحيث يوجه الغضب نحو تصفية الحسابات والفلتان الأمني ليكون الاشتباك أحيانا مع السلطة الفلسطينية وعناصر أمنها.
في أقل من كيلو متر مربع يعيش سكان مخيم بلاطة، أكبر مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، البالغ عددهم 27 ألف نسمة، بحسب أرقام اللجنة الشعبية لخدمات المخيم. والاكتظاظ السكاني هو أبرز ملامح المخيم الذي يعاني انفجارا في السكان. فهنا من البديهي أن ترى بيوتا بأربع طبقات أو خمسة. والطبقة هنا لا تعني شقة متكاملة بل غرفة يُلحق بها أحيانا حمام يضاف بشكل عمودي، لأن التمدد العمودي هو المتاح في ظل ضيق المكان.
وفي ظل عدم وجود تخطيط منذ البداية للمخيم، كان البناء العشوائي سيد الموقف على حساب الشوارع والطرقات التي تحولت الى أزقة ضيقة، يصعب المشي فيها أحيانا.
تقول أم خالد الجماسي: إذا أردنا ان نشتري ثلاجة جديدة أو مقاعد نقوم بنقلها عبر أسطح المنازل لأن الأزقة ضيقة. لكن الأصعب من نقل الأثاث الجديد هو نقل جثمان أي ميت، حيث يتعذر نقل كثير من جثامين الموتى أو الشهداء إلى بيوت عائلاتهم من أجل إلقاء نظرة الوداع عليهم بسبب ضيق الأزقة، فيتم الإكتفاء بوداعهم في مسجد المخيم.
لكن الأزقة ليست سيئة بالكامل، ففيها يتقن المقاومون فن مراوغة جنود الاحتلال الذين اعتادوا اجتياح المخيم، فلا يغامرون، في ساعات الفجر بالدخول إلى هذه الأزقة التي تشبه متاهة خطيرة على الرغم من أسلحتهم الفتاكة. وهناك درج المطاردون في أوج الانتفاضة الثانية على النوم في هذه الأزقة لأنها الأكثر أمانا، ويعرفونها كما يعرفون أكف أيديهم، فقد كانت ملعب طفولتهم قبل أن تتحول في الانتفاضة إلى ملاذ آمن وساحة معركة أحيانا، على حد تعبير الأسير المحرر محمد حشاش. وعلى الرغم من تباين مشارب أهل المخيم، إلا أن هوية اللجوء أو هوية المخيم توحدهم. ففي المخيم تتجاور عائلات قادمة من الجماسين، ومن عرب السوالمة وأبو كشك وطيرة دندن واللد والمجدل والعباسية ويازور وأبو غوش ودير طريف وسلمة وفجة وبيت دجن وكفر عانا وكفر سابا والخيرية والسافرية وسيدنا علي وراس العين وجريشة، لتكوّن أغلبية السكان. الجميع يعرفون بعضهم ويسهل تمييز قراهم الأصلية من اسم العائلة أو اللهجة أو اسم الحارة التي يسكنون فيها أحيانا.
الازدحام هو سمة المخيم من البيت الذي يعيش فيه عشرة أشقاء وشقيقات في مساحة ضيقة، إلى الزقاق الذي يلعبون فيه متزاحمين، إلى المدرسة التي يتشارك في الصف الواحد أكثر من 45 طالبا أو طالبة. حتى مقبرة مخيم بلاطة تشهد ازدحاما جراء الموت الطبيعي أو الشهادة، فالازدحام يطغى على كل شيء، ويتسبب بكثير من المشكلات.
يقول محمد صبح، مسؤول مركز الصحة النفسية في المخيم: الازدحام وعدم وجود وسائل ترفيه خلقا مشكلات كثيرة، لاسيما بين الأطفال والمراهقين، أبرزها العنف. وترصد آخر إحصائية للجنة الشعبية لخدمات مخيم بلاطة أن 62% من سكان مخيم بلاطة هم من الأطفال ما دون 18 عاماً. فالازدحام والفقر وندرة أماكن الترفيه المخصصة للأطفال إن لم يكن انعدامها، عوامل أساسية في تفشي العنف بين أطفال المخيم، بحسب ما أكد أكثر من معلم، وبخاصة في أوقات الهدوء النسبي أو تلك التي تنخفض فيها حرارة الانتفاضة إلى أقل من مستوياتها المعتادة.
ويبدع بعض المعلمين المثقلين بهموم الحياة والفقر في ابتكار طرق لتنفيس غضب الطلبة وطاقتهم السلبية. إحدى هذه الطرق كانت تنظيم دوري الكرة القدم في شباط 2013 قبل بدء الدوام المدرسي، أي قبل الساعة الثامنة صباحا. وبفضل هذا الدوري المبكر انخفضت حالات العنف بين الطلبة، إضافة إلى أن بعض الطلبة المتسربين عادوا إلى المدرسة حبا في كرة القدم ليس أكثر، لكن شرط المعلمين كان اعتبار المشاركة في لعبة كرة القدم مرهونة بالدوام المدرسي.
تشرف وكالة الغوث (الأونروا) على المدارس الأربع في المخيم التي يدرس على مقاعدها جيش يضم خمسة آلاف طالب وطالبة من الصف الأول حتى التاسع، في غرف تشهد ازدحاما شديدا ونقصا في الكوادر التعليمية والإرشادية. فيكفي أن نعلم أن هناك مرشدا إجتماعيا واحدا يقدم خدماته لكل مدرسة أو مدرستين في بعض الأحيان.
وبما أن الأطفال هم المخزون البشري الأكبر في المخيم، فهم وقود الانتفاضات المتعاقبة، شهداء أكانوا شهداء أم أسرى أم جرحى أو معتقلين، فمن النادر أن تجد حائطا في مخيم بلاطة ليست عليه صورة شهيد أو أسير، وغالبا ما تجد صور الأطفال بين الكبار في مشهد يومي اعتادته عيون أهل المخيم خلافاً لعين الزائر الذي تصدمه رؤية طفل شهيد في التاسعة أو الخامسة عشرة وقد وضعت في رأس الملصق كلمة «الجنرال» أو «القائد الشهيد». ويحار المرء في البحث عن منطق لما يقرأ لكن للمخيم منطقه الخاص في ما يفعل!
قدم مخيم بلاطة نحو 200 شهيد، ثلثهم تقريبا من الأطفال، ويؤكد رئيس اللجنة الشعبية للخدمات، أن «مخيم بلاطة ليس الأكبر في التعداد السكاني فحسب، بل في عدد الشهداء الذين قدمهم خلال العقود الأربعة الماضية، أي منذ ما قبل الانتفاضة الأولى». ويقول: ما قدمه ويقدمه مخيم بلاطة من شهداء يعادل خمس ما تقدمه محافظة نابلس وقراها التي يتجاوز عدد قراها الخمسين قرية.

مخيم عسكر

الظروف المعيشية لا تقل سوءا في مخيمي عسكر القديم والجديد جنوب مدينة نابلس، حيث لا يبعدان إلا شارع واحد عن مخيم بلاطة، ما يفسر العلاقات العائلية الممتدة بين المخيمات الثلاثة. والاكتظاظ السكاني الخانق في مخيم عسكر القديم جعل السكان يتمددون أفقيا على قطعة أرض مجاورة لتشكل عبر السنين مخيم عسكر الجديد، لكن وكالة الغوث لم تنشئ أي مؤسسة تابعة لها في المخيم المذكور!
يقول عبد الحكيم الصوالحي، من اللجنة الشعبية في المخيم: الأمور تزداد سوءا، ووكالة الغوث تصر على تقليص خدماتها للاجئين عاما بعد آخر، وعلى جميع المستويات. ويتابع: يقولون إن الوكالة تعاني مشكلات مادية ضخمة، وإن العالم يشهد المزيد من كوارث اللاجئين، لكن ما ذنبنا نحن؟ فإن كانوا غير قادرين على حل مشكلتنا سياسيا، لماذا يتخلون عنا إنسانيا إذاً؟!
أسئلة الصوالحي مثل مئات من أسئلة أبناء المخيم، لن تجد إجابات مقنعة لدى وكالة الغوث، فحتى الغوث الذي كان يقدم المخيمات الأربعة على شكل مواد تموينية شهرية من أرز وسكر وزيت، توقف منذ سنوات، واقتصر على بضع عائلات هنا وهناك تحت بند «الفقر الشديد»، فيما البطالة تعصف بنحو 38% من أهالي المخيمين البالغ عددهم 14 ألف نسمة.
قدم المخيمان نحو 30 شهيدا وعشرات الجرحى من الشبان والأطفال، وهما محطة مقاومة لا تقل عن مخيم بلاطة، بل إن شهيدا في عسكر يعني أن يلحقه شهيد آخر من بلاطة، فالتواصل بين المخيمين يتوقف على رصاصة تسمع من الجانبين وليس مكالمة هاتفية!

مخيم عين بيت الماء

على الرغم من أن مخيم عين بيت الماء يقع غرب مدينة نابلس، إلا أن الوضع هناك ليس بالأفضل حالا، فجميع المخيمات في المعاناة شرق، وإن تغير موقعها الجغرافي. ومع أن أول مخيم أقيم في محافظة نابلس لاستقبال اللاجئين عام 1948، إلا انه أصغر المخيمات، إذ يبلغ عدد سكانه نحو 7 آلاف نسمة، إلا ان للمخيم صولاته في مقاومة الاحتلال، وله أيضا نصيبه من الفقر والبطالة والتهميش.
قدم المخيم نحو 40 شهيدا في الانتفاضتين، وعشرات الجرحى والأسرى، وجدران المخيم المتخمة بصور الراحلين أو الغائبين مع وقف التنفيذ أكبر مثال على ذلك، فقد تحول بعضها إلى ما يشبه ألبوم صور مفتوح للجميع.
في مخيم عين بيت الماء هناك عائلات تنحدر من الجليل وقيسارية خلافاً لمخيمي بلاطة وعسكر، إضافة إلى عائلات تنحدر من العباسية ويازور والخيرية وتربطها علاقات قرابة بمخيمات بلاطة والعسكرين.
ورغم أن السلطة الفلسطينية لا تقوم بأي مسؤوليات تجاه هذه المخيمات، مثل الصحة والتعليم والنظافة، وهي قضايا مقتصرة على «الأونروا»، إلا أن هذه المخيمات قادرة على قلب أي معادلة سياسية، في وقت السلم مثل انتخابات المجلس التشريعي، حيث تفرز هذه المخيمات نوابا يساوي عدد ما تفرزه محافظة نابلس إن لم يكن يفوقها، وكذلك في وقت الانتفاضة، لأن المعادلة تبقى مرهونة بحجارة وبندقية المخيم ودماء أبنائه، فهم وقود الانتفاضات الفلسطينية وبوصلتها دوماً.

* صحافية وناشطة في مجال الحريات من مخيم بلاطة.