| 

يغص تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل بحق مئات الفلسطينيين. وفي المقابل فمن النادر جـــدا أن نفذ فلسطـــــينيون عمليات اغتيال ضد إسرائيليين، مثل عملية اغتيال وزير الســــياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، في تشرين الأول 2001. فقد نفذت إسرائيل معظم عمليات الاغتيال في فترات معينة. مع أنها تزعم رفضها المبدئي لعقوبة الإعدام، إلا أن قسما كبيرا من عمليات الاغتيال كان إعداماً بحسب بعض المنظمات الحقوقية الإسرائيلية. وقد نفذت العصابات الصهيونية في فترة الانتداب البريطاني، وخاصة عصابتي «ليحي» و«إيتسل»، عدة عمليات اغتيال ضد مسؤولين بريطانيين، بينهم الضابط وولتر إدوارد جينس، أو «اللورد موين» الذي اغتيل في القاهرة، والديبلوماسي السويدي فولك برنادوت. كما حاولت عصابة «ليحي» قتل المندوب السامي البريطاني في فلسطين. وقالــــت وثائـــــق بريطانية، تم الكشف عنها في العام 2011، إن عصابة «ليحي» خطـــــطت في عقد الأربعينيات من القرن العشرين لاغتيال رئيس الوزراء البريـــطاني، ونستون تشرتشل. على الرغم من عدم وجود معلومات عن عمليات اغتيال أشخاص محددين نفذتها العصابات الصهيونية، إلا ان فترة الانتداب مليئة بهجمات وإلـــــقاء قنابل وزرع ألغام في مرافق فلسطينية مزدحمة، أسفرت عن مقـــتل مئات العــــرب. وبــــعد قيـــــام دولة إســـرائيــــل، أصــــبحت الاغتيالات تراثا إسرائيليا وسياسة رســـــمية. وكــــانت عمليات الاغتيال هذه، التي استهدفت أشخاصا بشكل متعمد، نابعة من رغبة إسرائيلية بالانتقام من قادة فلسطينيين، أو بادعاء أن اغتيال القائد أو الناشط سيمنع تنفيذ هجوم ضد هدف إسرائيلي، أو سيردع تنفيذ هجمات أو القيام بنشاط سياسي.

عملية «غضب الرب»

تركزت المقاومة ضد إسرائيل بعد العام 1948 بعمليات الفدائيين، في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، ولم تشهد هذه الفترة عمليات اغتيال إسرائيلية واضحة بحق فلسطينيين، ولكن إسرائيل شنت ما يعرف باسم «العمليات الانتقامية»، التي قادها أريئيل شارون، وقُتل خلالها مئات العرب، وبينهم فلسطينيون. وعقب «عملية ميونيخ»، التي نفذتها «أيلول الأسود» الفلسطينية، نفذ جهاز الموساد الإسرائيلي عملية أطلق عليها اسم «غضب الرب»، وهي سلسلة من عمليات الاغتيال ضد قياديين في «أيلول الأسود»، اعتبرتهم إسرائيل مسؤولين بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن عملية احتجاز رياضيين إسرائيليين خلال أولمبياد ميونيخ في العام 1972. ووفقا لتقارير إسرائيلية، فإن حكومة إسرائيل، برئاسة غولدا مئير، قررت في أيلول 1972 إلقاء مهمة الاغتيال هذه على الموساد، الذي كان يترأسه حينذاك تسفي زامير، انتقاما لمقتل 11 رياضيا إسرائيليا في ميونيخ. وكانت لجنة وزارية إسرائيلية، «اللجنة إكس» التي ضمت غولدا مئير ووزير الدفاع موشيه ديان ووزير التربية والتعليم يغئيل ألون، والوزير بلا حقيبة، يسرائيل غليلي، تجيز كل عملية من عمليات الاغتيال. وكان رئيس الموساد، يعرض، في كل اجتماع، اسم المرشح للاغتيال أمام «اللجنة إكس». وأكد زامير في مقابلة أجرتها معه صحيفة «هآرتس»، في العام 2006، أن هذه الاغتيالات «لم يكن لها علاقة بما إذا كان للشخص المرشح للاغتيال علاقة بمذبحة الرياضيين في أولمبياد ميونيخ». كما نفى زامير أن تكون غولدا مئير أصدرت أمرا بتنفيذ هذه الاغتيالات، وادعى أن عملية الاغتيالات كانت تهدف إلى «توجيه ضربة لقاعدة المنظمات الإرهابية في أوروبا»، وأن هدفها «إحباط تهديدات محتملة».
لتنفيذ عمليات الاغتيال هذه، شكّل الموساد طاقما كبيرا للعثور على أفراد «أيلول الأسود». وبعد ذلك بدأ عملاء الموساد تنفيذ الاغتيالات في عواصم أوروبية مثل باريس وروما وغيرها. وأشارت تقارير إسرائيلية إلى أن الموساد استخدم الحرب النفسية خلال هذه العمليات، وبينها نشر إعلانات نعي للذين يتم التخطيط لاغتيالهم في الصحف قبل أيام من تنفيذ الاغتيال. وأصبح أعضاء «أيلول الأسود» على علم بنية الموساد اغتيالهم. فقد عمل أحد ضباط الموساد، باروخ كوهين، في تجنيد عملاء من داخل المنظمات الفلسطينية. واستغل الفلسطينيون ذلك لنصب فخ لكوهين وإطلاق النار عليه من مسافة قصيرة وقتله في مدريد. كذلك أصيب في هذه الفترة ضابط الموساد في بروكسل، تسادوك أوفير.
واغتال الموساد في عملية «غضب الرب»، خلال العامين 1972- 1973، كلا من وائل عادل زعيتر في روما، والدكتور محمود الهمشري، مندوب منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، وحسين أبو الخير في قبرص، والبروفيسور باسل الكبيسي في باريس، وسعيد حمامي في أثينا.
بعد ذلك، نفذت إسرائيل عملية في بيروت أطلقت عليها اسم «ربيع الشباب»، وتم خلالها اغتيال القادة الثلاثة محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر. وشاركت في تنفيذ هذه العملية وحدتان من كوماندوز النخبة هما: «سرية هيئة الأركان العامة» و«سرية 13» التابعة لسلاح البحرية. وقاد هذه العملية ايهود باراك، الذي أصبح رئيسا لوزراء إسرائيل في العام 1999. بعد ذلك اغتال الموساد المثقف الجزائري محمد بودية. وفي كانون الثاني العام 1979، اغتال الموساد قائد «أيلول الأسود»، علي حسن سلامة.
اغتيال «أبو جهاد»

في 16 نيسان 1988 اغتالت وحدة كوماندوز «سرية هيئة الأركان العامة»، بقيادة موشيه يعلون الذي يتولى منصب وزير الدفاع الإسرائيلي اليوم، خليل الوزير (أبو جهاد) الرجل الثاني في حركة فتح. و«أبو جهاد» هو أكبر زعيم فلسطيني اغتالته إسرائيل، وذلك في حال لم يتم إثبات أن إسرائيل اغتالت عرفات نفسه بالسم. وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» النقاب، في تشرين الثاني الماضي، عن أن الضابط الإسرائيلي ناحوم ليف كان قائد فرقة الكوماندوس التي اغتالت «أبو جهاد». ولقي هذا الضابط مصرعه في حادث طرق في العام 2000. وكتب محلل الشؤون الاستخبارية في الصحيفة رونين بيرغمان، إن الرقابة العسكرية الإسرائيلية سمحت له بنشر مقابلة أجراها مع ليف قبل موته. وقال ليف إنه اختار أحد جنوده وأرسله لإطلاق النار على «أبو جهاد» وأن هذا الجندي «كان أول من أطلق النار عليه. وبدا لي أنه (أي أبو جهاد) كان يحمل مسدسا بيده، وبعد ذلك أطلقت النار عليه. زخة رصاص طويلة. وكنت حذرا ألا أصيب زوجته التي وصلت إلى المكان، وقد مات، ونفذ مقاتلون آخرون عملية تأكيد الموت من خلال إطلاق النار على الجثة. وترددت أنباء أن يعلون نفسه هو الذي نفذ عملية تأكيد القتل بجثة الزعيم الفلسطيني.
في العام 1992 اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله، عباس الموسوي، بإطلاق صاروخ من طائرة مروحية مقاتلة نحو سيارته. وفي تشرين الأول 1995 اغتال الموساد رئيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين فتحي الشقاقي، في مالطا. وفي كانون الثاني 1996 تم اغتيال يحيى عياش، الملقب بـ«المهندس» للعبوات الناسفة، من خلال تفجير هاتفه المحمول في قطاع غزة.
نفذ الموساد عملية اغتيال فاشلة ضد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، في الأردن، في العام 1997، الأمر الذي كاد يؤدي إلى أزمة في العلاقات الإسرائيلية الأردنية. كذلك اغتال الموساد القيادي في حزب الله عماد مغنية بتفجير سيارته في دمشق في العام 2007.

الانتفاضة الثانية

منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في تشرين الثاني 2000، وحتى اليوم نفذت إسرائيل عشرات عمليات الاغتيال بحق قياديين وناشطين فلسطينيين، وأصبحت تطلق على هذه العمليات تسمية «الإحباط الموضعي». وتعتبر إسرائيل هذه الاغتيالات «دفاعاً عن النفس» ومسموح بها بموجب «القانون والأخلاق»، وأنها تحافظ على «طهارة السلاح». وعندما بدأت إسرائيل انتهاج سياسة اغتيالات «الإحباط الموضعي» ادعت أن هذه العمليات إنما هي موجهة ضد ناشط فلسطيني يوشك على تنفيذ عملية. وبعد ذلك اتسع مفهوم هذا النوع من العمليات ليطال قادة فلسطينيين بذريعة تخطيطهم عمليات، أو لمجرد أنهم قياديون في تنظيم نفذ أفراده عمليات.
لكن هذه الادعاءات مجرد تغطية على هدف آخر وهو «الردع». وصرح مسؤولون إسرائيليون، وبينهم رؤساء حكومات أمثال أريئيل شارون وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو، ووزراء دفاع، أمثال شاوؤل موفاز وايهود باراك، بأن هدف عمليات الاغتيال هو التسبب بردع القياديين الجدد والفلسطينيين بشكل عام عن تنفيذ عمليات وبذل جهد دائم في الحفاظ على حياتهم وتقييد تنقلاتهم. وأصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكماً في هذا السياق، قالت فيه إن «على الإحباط الموضعي أن يستخدم لغرض وحيد هو منع تنفيذ عمليات وليس الانتقام أو العقاب أو الردع». إلا أن إسرائيل واجهت صعوبة في تفسير اغتيال قادة وناشطين فلسطينيين، مثل الأمين العام للجبهة الشعبية، أبو علي مصطفى، وقائد كتائب شهداء الاقصى في طولكرم، رائد الكرمي. فقد تم اغتيال الأخير بعدما توصلت إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى اتفاق لوقف إطلاق نار. وفيما كان الكرمي يسعى جاهدا لتثبيت هذا الاتفاق. وأدى الاغتيال إلى استئناف الانتفاضة ولكن بصورة أشد وأكثر تطرفا. وبين أبرز القياديين الفلسطينيين الذين اغتالتهم إسرائيل من خلال ما تسميه بـ«الإحباط الموضعي»، مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وقائمة طويلة جدا من قادة المنظمات الفلسطينية. وفي تشرين الثاني الماضي، شنت إسرائيل عدوانا ضد قطاع غزة، أسمته «عمود السحاب»، وبدأته باغتيال القيادي العسكري في «حماس»، أحمد الجعبري.
وأثارت عمليات الاغتيال خلال الانتفاضة الثانية جدلاً في داخل إسرائيل، وعبرت منظمات حقوقية إسرائيلية عن معارضتها مثل هذه العمليات، وشددت على أنها تتنافى مع القانون الدولي والمواثيق الدولية المتعلقة بالحروب. وقالت منظمات حقوقية إسرائيلية إنه بعد شن عملية «السور الواقي» التي اجتاح الجيش الإسرائيلي خلالها الضفة الغربية، في نيسان 2002، ما عادت هناك ضرورة لتنفيذ «إحباط موضعي» وأن في بالإمكان اعتقال «المطلوبين» الفلسطينيين وتقديمهم إلى المحاكمة. لكن في نهاية العام 2008، كشف الصحافي أوري بلاو، في تقرير نشرته «هآرتس»، عن وثائق عسكرية تؤكد أن وزير الدفاع، ايهود باراك، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكنازي، أجازا قتل «مطلوبين» خلال عملية اعتقالهم.

اغتيال بالطائرات

في أغلب الأحيان يتم تنفيذ الاغتيالات من خلال استخدام طائرات مقاتلة، مروحيات وطائرات من دون طيار. لكن خلافا لوصف إسرائيل لهذه الاغتيالات بأنها «موضعية»، فإن عددا من هذه العمليات أسفر عن استشهاد مدنيين وبينهم أطفال ونساء. وأبرز هذه العمليات كانت اغتيال القيادي في حركة حماس، صلاح شحادة، الذي استشهد معه 15 مدنيا بينهم 9 أطفال، عندما أسقطت طائرة حربية إسرائيلية قنبلة زنتها طن على منزل شحادة في قطاع غزة.
ونشرت المنظمة الإسرائيلية «بتسيلم مركز حقوق الإنسان في المناطق المحتلة» تقريرا قالت فيه إن 425 فلسطينيا قتلوا بعمليات الاغتيال بين أيلول 2000 وآب 2011، بينهم 251 فلسطينيا (59.1%) كانوا أهدافاً لعمليات الاغتيال، و174 فلسطينيا (40.9%) كانوا مواطنين لا علاقة لهم بأي نشاط وإنما قتلوا لسبب واحد هو وجودهم بالقرب موقع عملية الاغتيال.
* باحث وصحافي فلسطيني يقيم في مدينة الناصرة.