| 

بالقرب من الحمام التركي القديم، تقع «صبّانة» النابلسي. ما إن تدخلها حتى تشعر بأن التاريخ يحدثك بنفسه عن قِدم المكان والآلات المستخدمة في صناعة الصابون. جُدُر سود جراء اشعال النيران في المعمل على مدى قرون طويلة، آلاتٌ أكلها الصدأ واهترأت، أسلاك كهربائية لم تستعمل منذ عشرات السنوات، ورائحة الرطوبة والزيت والصابون تمتزج ببعضها لتزكم الأنوف.
الحاج معاذ النابلسي، وهو رئيس غرفة تجارة وصناعة نابلس السابق، وصاحب «المصبنة» الواقعة في قلب البلدة القديمة يحدثنا عن دور العائلات في امتلاك معامل الصابون على مدى عقود طويلة: كان عدد الصبّانات في نابلس أيام الاحتلال البريطاني نحو 40 مصبنة، ولكنها أخذت بالتلاشي شيئا فشيئا حتى وصلت اليوم إلى خمس أو ست صبّانات. ويعزو الحاج النابلسي السبب إلى أن هذه المصابن التي تملكها بعض العائلات كان يقوم عليها كبار السن، ولكن توجه أبنائهم نحو الدراسة في الجامعات، والتوجه نحو الأعمال الأخرى كالهندسة أو السفر، قللّ عددها، فبموت أحدهم ينتهي العمل في الصبانة.
يتحدث النابلسي عن مصبنة عائلته التي يقدّر عمرها بأكثر من 800 عام، قائلا: ورثت العمل عن والدي، وهو ورثه عن جدي، وجدي ورثه عن والده، وتستمر هذه العملية إلى مئتي عام من التوثيق. ويضيف إنه حرص على تعليم نجله الأكبر هذه الصنعة، كي يصبح متأكدا من عدم اندثارها بعد رحيله كما اندثرت عشرات المصابن بسبب عدم توجه الأبناء نحو احتراف العمل في تصنيع الصابون. وهو ينتقد تقصير السلطة الفلسطينية في عدم دعمها هذه الصناعة التي يصفها بأنها «الصنعة الأولى والمتميزة في فلسطين، واكتسبت نابلس السمعة الخيرة من هذه المهنة».
ويختم النابلسي حديثه بحسرة وألم: للأسف الشديد، اليوم نتعامل مع كل ما يمكن أن يدخل من باب الصناعة، كل يتعامل في الصابون على هواه من دون رقيب أو حسيب، وبناء عليه تتوه المهنة وتتوه إمكانية التواصل لإقناع المستهلك بالنوعية المميزة والجودة العالية، لذلك أصبحنا نرغب في كل ما هو مستورد من الزيوت الرخيصة المجلوبة من إيطاليا بغض النظر عن الجودة.
إلى جانب خطر الاندثار الذي يتهدد ما تبقى من مصابن، يشار إلى أن قوات الاحتلال دمرت «مصبنة كنعان» في الحارة الغربية للبلدة القديمة في نابلس خلال اجتياحها مدينة نابلس عام 2002 عقب اندلاع انتفاضة الأقصى، حيث قامت بقصفها بطائرات «اف 16» وسوتها بالأرض، وحُولت فيما بعد ساحة عامة. ويقدر عمر هذه المصبنة بمئات السنين.
تصدير خجول!
يقول أحمد عكوبة مسؤول العلاقات العامة في غرفة تجارة وصناعة نابلس، إن خمساً من «الصبّانات» تصدّر جزءا من إنتاجها إلى خارج الأراضي الفلسطينية، والباقي تستهلك في السوق المحلية. وأوضح عكوبة أن حجم التصدير إلى لخارج - إسرائيل غير محسوبة في عام 2012 بلغ ما يقارب 2 مليون دولار أميركي، ولا تدخل كميات الصابون التي يحملها المسافرون معهم ضمن هذه الإحصائية. ومن بين البلدان التي يُصدر إليها الصابون: الأردن والإمارات العربية المتحدة والعراق والولايات المتحدة الأميركية واليابان وماليزيا وبلدان أخرى.
وعزا اضمحلال صناعة الصابون إلى اتفاقية السوق الحرة التي يتم تطبيقها في الأراضي الفلسطينية. وأشار إلى أن دخول نوعيات منافسة وذات جودة عالية من الصابون التركي والصيني دفع المستهلك نحو شراء هذه الأنواع من الصابون بسبب رخصها وجودتها مقارنة بالصابون النابلسي المحلي. واتفق عكوبة مع الحاج معاذ النابلسي على إن الأبناء من العائلات هجروا عمل آبائهم واتجهوا نحو الهندسة والعمارة والدراسة الجامعية.

من نابلس إلى السوق الإسرائيلية

تشتهر مدينة نابلس أيضاً بصناعة الحلاوة والطحينة والزلابيا والكنافة، فعائلة علاء التمام تمتلك مصانع لإنتاج الطحينة والحلاوة في المدينة، وقد بدأت العائلة العمل في هذا المجال منذ بدايات القرن الماضي، وتحديدا في عام 1921. ويقول التمام إن الإنتاج اليومي لمصانع عائلته - وهي شركات كروان - يبلغ أربعة أطنان من الطحينة، حيث يقومون بتصدير هذه البضاعة بشكل مباشر إلى الأسوق الإسرائيلية.
إن تصدير أكثر من 90% من إنتاج الطحينة والحلاوة النابلسية إلى إسرائيل دليل على جودة الإنتاج، بغض النظر عن الجدل في شأن ضرورة فك الارتباط القائم على علاقة التبعية مع السوق الإسرائيلية، والظروف والشروط التي تحكم عملية التبادل التجاري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
ويوضح التمام في إجابته عن سؤال عن الأسباب التي تدفع دولة الاحتلال إلى استيراد هذه البضائع قائلا: جودة الإنتاج لدينا عالية جدا، إضافة إلى تراكم الخبرات الموجودة لدى العاملين في هذه الصنعة منذ عشرات السنين. ويشكو تمام قلّة إنتاج السمسم الذي يستخدم بشكل رئيس في الطحينة، إذ يدفعهم ذلك لاستيراده من خارج فلسطين. ويختم حديثه قائلا: لو توفر لنا السمسم في فلسطين، فإن ذلك سيخلق فرص عمل جديدة في السوق الفلسطينية، وسيكون بإمكان شركات الطحينة والحلاوة الشراء من السوق المحلية بدل التوجه نحو الخارج.
وجوابا عن سؤال وُجِّه إلى الى الغرفة التجارية، هل إن هذه البضائع المصدرة لإسرائيل تمر عبر إجراءات التصدير الرسمية المتبعة بين الدول، قيل لنا إنها ليست كذلك، فهي تذهب من المصنع الفلسطيني للتاجر الإسرائيلي مباشرة من دون أي إجراءات بسبب وقوع الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي. كما أن التاجر الفلسطيني لا يقوم باستصدار شهادة المنشأ من الغرفة التجارية، ولا تدخل أي منتجات فلسطينية مصدرة لإسرائيل ضمن الإحصاءات، لذلك يبقى حجم البضائع الفلسطينية المرسلة إلى السوق الإسرائيلية وإيراداتها المالية مجهولا!

حلويات نابلسية

في جولة أخرى في أزقة البلدة القديمة في نابلس التي يطلق عليها «دمشق الصغرى» لشبه أسواقها بالأسواق القديمة للعاصمة السورية دمشق، تنبعث روائح البهارات والحلويات في كل مكان، وتلامس أصالة تاريخها القديم الممتد من العصور البيزنطية مرورا بالرومانية والإسلامية لعصرنا هذا. وبالقرب من «مسجد النصر الكبير» وسط البلدة القديمة، يقع محل صغير لعمل حلويات «الزلابيا» يملكه الحاج مجدي عرفات. وعندما تذكر اسم مجدي عرفات في مدينة نابلس، لا يمكن أن تجد «نابلسيا» لا يعرفه، فهو عنوان لهذا النوع من الحلويات في المدينة، ومن يتقنون هذه الصنعة يعدون على أصابع اليد الواحدة.
في محله الصغير الداكن، يحدثنا عرفات عن «الزلابيا» التي ورثها عن والده: لقد ورثت المهنة منذ 40 عاما عن والدي، وهو بدوره ورثها عن والده. ويقدّر عمر محل حلويات العائلة بأكثر من 120 عاما، حيث توارثته أجيال العائلة جيلا بعد جيل. ويقول إنه يقوم ببيع أكثر من 30 كيلو غراما من حلويات الزلابيا بشكل يومي في الأيام العادية، وترتفع الكمية بشكل كبير في رمضان المبارك والأعياد. ويوضح عرفات أن كثيرا من المسافرين من الأراضي الفلسطينية إلى الخارج يقومون بحمل كميات من «الزلابيا» معهم لأقاربهم، وبخاصة أن هذه الحلويات تكاد تكون غير موجودة في الأردن بالجودة نفسها. ولدى سؤاله عن سبب عدم وجود هذه الحلويات في أي منطقة إلا في مدينة نابلس، أجاب والابتسامة تعلو مُحياه: هذه الصناعة نابلسية بامتياز، ولا يتقنها إلا الخبراء ممن يعملون فيها منذ عقود طويلة، لذلك لن تجد شخصا يتقن تصنيع هذه الحلويات، وحتى لو حاول ذلك فلن تكون بمثل الجودة النابلسية.

* صحافي فلسطيني يقيم في رام الله.