| 

ما لا شك فيه أن تقدم أي دولة ورقيها يُقاسان بدرجة نجاح الاقتصاد ومقدار النمو في قطاع الإنتاج. لكن، على الصعيد الفلسطيني، يعاني الاقتصاد عدم استقرار لعدة أسباب أثرت بشكل أو بآخر في اقتصاد مدينة نابلس. ومؤخرا، بدأت تدور تساؤلات في ذهن المواطنين عن مدى صحة إطلاق لقب «عاصمة فلسطين الاقتصادية» على مدينة نابلس مع رحيل رؤوس الأموال والاستثمارات إلى مدن أخرى مثل رام الله. ومن خلال التفاوت بالحديث بين ما تحاول الحكومة الفلسطينية إظهاره عبر الإعلام وبين الواقع الذي يتحدث عنه المواطن في نابلس، يبقى السؤال هو: إلى أي مدى يمكن أن تكون نابلس العاصمة الاقتصادية لفلسطين؟

نابلس قبل الاحتلال

تتفاوت مراحل ازدهار الاقتصاد في مدينة نابلس قبل الاحتلال وبعده، حيث اقتصاد المدينة يتميز بالطابع الاستهلاكي وغلبت عليه الصناعات الحرفية بعدما كان اعتماده على المصانع المحلية بالدرجة الأولى قبل مجيء الاحتلال، بحسب ما أكده الحاج أبو طاهر عصفور (92 عاما).
يقول الحاج عصفور: مدينة نابلس كانت ثاني أكبر المراكز الصناعية في الضفة الغربية، حيث وصل عدد المصانع فيها عام 1978 إلى 503 مصانع تُنتج النسيج والغزل والطحينة ودبغ الجلود والأحذية والأثاث والأغذية والكيماويات ومواد التنظيف والنجارة. أما الصابون والحلويات، فهي مشهورة بها على مستوى الشرق الأوسط.
هروب رأس المال
أدى تمركز جزء مهم من فاعليات المقاومة في مدينة نابلس والطبيعة المُسلحة للانتفاضة الثانية إلى فرض حصار خانق على المدينة استمر ما يقارب السنوات التسع منذ عام 2000، ما شكل ضربة قوية لاقتصاد نابلس، حيث أغلق الاحتلال مداخلها الثمانية وعزلها عن العالم الخارجي، الأمر الذي ألحق ضررا كبيرا بالتجارة وهروب رأس المال والاستثمارات من داخلها إلى المدن الأخرى، وأحيانا إلى خارج الوطن.
يؤكد نمير الخياط، المدير العام لغرفة تجارة وصناعة نابلس، أن معظم الشركات الضخمة في فلسطين كان مقرها في نابلس، وبدأت بالخروج منها بسبب الحصار وقيام الاحتلال بقصف المنشآت الاقتصادية، حيث دمر 1500 منشأة بلغت خسائرها نحو 30 مليون دولار، وكانت نابلس تخسر يوميا مليون دولار نتيجة تدهور القطاعين السياحي والزراعي.
ويضيف الخياط: إسرائيل كانت تتعمد تدمير بعض الصناعات التراثية من خلال قصفها لأكبر ثلاثة مصانع صابون في البلدة القديمة، وهدم سوق الحدادين، بهدف تدمير صناعة النحاس والحديد اللتين تدخلان في صناعة المتفجرات. كما سَبب انتقال «حسبة» الخضار الموجودة في نابلس، والتي كانت من أكبر المنشآت وأهمها من حيث إيراداتها الهائلة وما توفره من فرص عمل للمواطنين، كارثة اقتصادية للمدينة.
على الرغم من هجرة رأس المال خارج المدينة، إلا ان صناعات نابلس صمدت وتقدم بعضها، فمن خلال التسهيلات على الحواجز بعد عام 2008 ووجود أسواق استهلاكية خارجية للبضائع، بدأت المدينة بالانتعاش من جديد. ويقول الخياط: قامت الغرفة التجارية بالتعاون مع المؤسسات الأهلية والحكومية بالتركيز على السياحة عن طريق استقبال وفود أجنبية في المدينة، وتغير الصورة النمطية لديهم عن المدينة، كما أصبح هناك تعاون مع غرف التجارة والصناعة في المناطق المُحتلة داخل أراضي 1948 وجلب وفود من فلسطينيي الداخل للتسوق، وبخاصة في شهر رمضان، حيث تزدهر فيه الحركة بسبب الأجواء الدينية للمدينة.

أداء السلطة الاقتصادي

تظل رواتب الموظفين في القطاع العام والعمل داخل أراضي 1948 المحرك الأساس لاقتصاد مدينة نابلس، وبسبب رفض إسرائيل منح تصاريح عمل للمواطنين وعدم انتظام صرف السلطة لرواتب الموظفين بقي اقتصاد المدينة متأرجحا. وهناك قرارات غير مدروسة لوزارة الاقتصاد تهدف إلى تحسين الإنتاج المحلي، وواقعيا تضع المُستهلك والتاجر في مأزق كبير، فالقرار الأخير الصادر عن وزارة الاقتصاد الذي يُفرض بموجبه ضريبة بنسبة 35% على أي سلعة كاملة الإنتاج ومستوردة من الخارج لقي ردة فعل غاضبة من التجار في نابلس، وتسبب في تضييق الخناق على المواطنين الذين لم تُصرف رواتبهم. بالمقابل لم توجِد الوزارة أي توازن بين الضرائب العالية المفروضة على البضائع المستوردة ودعم السوق المحلية.
يقول رجل الأعمال زياد العنبتاوي رئيس مجلس إدارة مجموعة العنبتاوي، إن «أداء السلطة الرقابي والإداري سيء، فهي مؤسسة حديثة قامت تحت ظروف غير طبيعية ووظفت عددا هائلا فيها نتيجة اعتبارات سياسية، ونادرا ما نجد الشخص المناسب في المكان المناسب، بل نرى أن أداء الموظف الحكومي دون المستوى المطلوب، لذلك نجد كثيراً من موظفي السلطة يتقاضون رواتب من دون أن ينتجوا شيئا، ومما لا شك فيه أن أكبر عبء على الاقتصاد هو رواتب الموظفين». ويضيف العنبتاوي: رجال الأعمال والمواطنين في مدينة نابلس أبدعوا في تطوير بعض الصناعات، وبخاصة صناعة المفروشات التي تطورت بشكل كبير واحتلت جزءا من السوق الإسرائيلية، وواكبت الإنتاج العالمي مع حفاظها على الطابع التراثي، كما تطورت صناعة الكرتون والألمنيوم. وفي المقابل اندثرت صناعة الأحذية، حيث كانت نابلس تملك أكبر مصنع للأحذية على مستوى الضفة.

المواطن يدفع الثمن

أحوال الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام سيئة جدا وفي تراجع مستمر، كما يقول الدكتور نافذ أبو بكر، عميد كلية الاقتصاد سابقا في جامعة النجاح الوطنية، «فمعدلات النمو كانت تصل إلى 10% لغاية عام 2010، أما الآن فقد انخفضت إلى 5%، ومديونية السلطة وصلت في الموازنة الجديدة إلى 3.8 مليار دولار، ونسبة الإقراض تصل إلى 38%، وإنتاج القطاع الزراعي والصناعي تراجع من 45% إلى 19%، واقتصاد مدينة نابلس هو جزء من هذه الأرقام». ويضيف أبو بكر: المواطن البسيط في مدينة نابلس هو الذي يدفع الثمن، فما يتم تحصيله من المواطن الفلسطيني لخزينة السلطة من ضرائب مباشرة وغير مباشرة يُشكل 41.5% من معدل دخل الفرد، وهي أعلى النسب مقارنة بدول مستقرة مثل: الأردن 21.1%، إسرائيل 36.8%، ألمانيا 39.3%، في الوقت الذي نجد فيه الخدمات الصحية والتعليمية أقل بكثير من هذه الدول، وإهمالها يؤكد سوء الوضع الاقتصادي. ويتابع: ما نلاحظه في مدينة نابلس ناجم من السياسات المالية والاقتصادية الخاطئة للحكومات الفلسطينية المتعاقبة، وعلى رأسها الحكومة الحالية التي أدت إلى تحول القضية الوطنية من قضية تحرر وطني إلى قضية معيشية، حتى أصبح التركيز على بناء مؤسسات الدولة أهم من دعم صمود المواطن لكي يتخلص من الاحتلال. هناك سياسة توجه الفرد نحو لقمة عيشه بدلا من تفكيره في التخلص من التبعية. وأسباب ذلك تكمن في هيكلية المالية الفلسطينية التي تعتمد على الدول المانحة وإسرائيل في مواردها المالية دون أن تحسب حسابا لانحسار هذه الأموال أو تحكم إسرائيل بها كردة فعل سياسية. أيضا هناك أسباب سياسية تتمثل في الاحتلال وعراقيله وعدم سيطرتنا على الموارد الطبيعية والمعابر، بالإضافة إلى الانقسام الذي أنهى حركة التجارة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

حلول خلاقة

يقول أبو بكر: أن تحسن الوضع الاقتصادي في نابلس يعتمد على رواتب الموظفين وعلى الوافدين إليها من فلسطينيي الأراضي المُحتلة عام 1948، وقد يتحسن الوضع مع التخلص من الأزمة المالية، لكن هذا يبقى موقتا، لذا المطلوب حلول خلاقة وإبداعية بالعودة إلى دعم صمود المواطن في مواجهة الاحتلال، وهذا لا يأتي إلا من طريق مبادرة السلطة لإعادة هيكلة وتوزيع مواردها المالية في إطار الموازنة بما يتفق مع الأولويات، وأيضا استثمار الموارد المتاحة لدى الفلسطينيين كصندوق منظمة التحرير، ودعم القاعدة الإنتاجية في فلسطين، وبخاصة القطاعين الصناعي والزراعي اللذين يوفران موارد مالية دائمة للفلسطينيين، والأهم هو فك الارتباط التدريجي للاقتصاد الفلسطيني مع الإسرائيلي. ولا ننسى أن تكون هناك شفافية فيما يتعلق بالإنفاق والإيراد وللأسف هي معدومة.
ويفسر التناقض بين ما يقوله رجال الأعمال عن تحسن الوضع الاقتصادي وما يتذمر منه الموطن بتركيز الثروة في فلسطين بيد 10% من المواطنين الذين يأخذون 50% من الثروة. أما الـ90% الباقون من الناس فيأخذون الـ50% المتبقية من الثروة. فهناك احتكار واضح لرؤوس الأموال، وبالذات في مدينة نابلس التي تحتوي على النسبة الأكبر من الطبقة المتوسطة الدُنيا والفقيرة.

القروض والاقتصاد الاستهلاكي

«مستوى المعيشة الآن في مدينة نابلس تدهور بالمقارنة مع عام 2000، والسبب الأساسي هو التركيبة الاقتصادية غير السوية في الضفة الغربية، والتي لا تقوم على الإنتاج بقدر ما تقوم على التسول والحصول على أمول من متبرعين وعلى القروض». هذا ما قاله البروفيسور عبد الستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، «فاقتصاد مدينة نابلس ينتعش في حالة وجود الإنتاج». ويؤكد قاسم أن «عملية القروض والأموال ليست للاستثمار بل للاستهلاك، لذلك فإن الاقتصاد في مدينة نابلس هو اقتصاد استهلاكي. ومع أن للناس الحق في الاستهلاك، إلا أنه يجب توفير جزء للاستثمار وإعادة ترتيب الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية، بما فيها مدينة نابلس، والمحكوم باتفاقية باريس الاقتصادية التي تحول الفلسطينيين إلى أدوات ومستهلكين ولا تدفعهم إلى الاستثمار والمبادرة. وما دام الاقتصاد الفلسطيني معتمدا على الآخرين فسيبقى اقتصادا مترهلا، لذلك يجب أن تسود ثقافة الاعتماد على الذات والتحرر من الاقتصاد الإسرائيلي والاستيراد، كما على الحكومة أن تعي بأن المساعدات المشروطة من الدول الغربية تستهلك إرادتنا السياسية، وإلا سيبقى الفقر والعوز محققين في المستقبل.
ويضيف: التسهيلات والقروض التي توفرها الحكومة تورط الموظفين بحيث يظل انتباههم نحو مصالحهم الخاصة ويتجاهلون التفكير بالقضية الفلسطينية، فالتخطيط الاقتصادي كان مقصودا ومرتبطا بشكل كبير بالسياسة، وقد نجحت هذه الخطة إلى حد كبير.

دعم المنتج الوطني

لا تنفي الجهات الرسمية اعتماد مدينة نابلس على البضائع الإسرائيلية بنسبة تصل إلى 10%، وهي نسبة قليلة مقارنة بالمدن الأخرى، وذلك لأن سياسة السلطة تعتمد على السوق المفتوحة.
ويؤكد الدكتور عبد الحفيظ نوفل، وكيل وزارة الاقتصاد الوطني، على دور الوزارة في دعم الاقتصاد الفلسطيني، وذلك من خلال الاستمرار في تنفيذ برنامج مكافحة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، علما أنه لا توجد نية لدى الوزارة بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، ما عدا بضائع المستوطنات.
بدوره، يرى بسام ولويل، رجل الأعمال، وعضو المجلس الثوري لحركة فتح، أن «الحكومة الفلسطينية لا تدعم المنتج الوطني إلا بالكلام والتصريحات الصحافية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ولا تتطبق ذلك وفق سياسات على أرض الواقع بسبب ارتباطها مع إسرائيل باتفاقيات اقتصادية».
مدينة نابلس كغيرها من المدن التي يتأثر اقتصادها بالظروف السياسية العامة في فلسطين، لا تزال تحمل بين طياتها آمال فئة قليلة من المستثمرين ومعاناة غالبية السكان البسطاء الأكثر تأثرا بالأزمة الإقتصادية.
* صحافية فلسطينية تقيم في نابلس.