| 

عاشت سميرة عزام، في حساب السنين، حياة قصيرة، لكنها ملأتها بالجهد والإبداع والنضال معاً. وكانت مثل غسان كنفاني مغمورة بالقلق والتوتر كأنها تُشعل شمعتها من الجهتين لتمضي نحو النهاية. وفي هذه الفترة أبدعت في الأدب أكثر مما أبدعت في حياتها، فهوت، قبل أوان السكون.
لم تعش سميرة عزام طويلاً كي تنتزع لها المكانة التي تستحقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، لكنها، في أي حال، تمكنت من أن تحفر لاسمها علامة وضاءة في ميدان القصة القصيرة العربية منذ أن ظهر هذا الضرب من التعبير على أيدي أليس بطرس البستاني وزينب فواز ولبيبة هاشم ومريانا مراش ومي زيادة ووداد سكاكيني وإلفت الإدلبي وعائشة عبد الرحمن وسهير القلماوي وصوفي عبد الله وغيرهن.
كانت القصص القصيرة التي كتبتها النساء في الخمسينيات وحتى في الستينيات من القرن العشرين منسوجة على منوال واحد، فلم تتجاوز، إلا قليلاً، قضايا العشق ومشاكل الأسرة وما يدور على الحب والزواج والرجال، وانصرفت، في معظمها، إلى تصوير المغامرات العاطفية ولوعة الحب وحسرة الغياب والغرام الفاشل... إلخ. غير أن سميرة عزام انفردت عن هذا التقليد وراحت تنتقي أشخاصها من قاع المجتمع وسطحه حيث وجدت في حياة الآخرين مجالاً رحباً لصوغ قصصها، فتناولت المسالك المتغايرة للناس كالمرأة الأرملة التي تترك ابنها الوحيد لتتزوج ثانية؛ والفلسطيني الذي يبيع كل شيء للحصول على هوية لبنانية، ثم يكتشف في ما بعد، أنها مزورة؛ والخادمة التي تسرق الأحذية لابنتها ذات القدم الواحدة.
وجدت سميرة عزام في حياة الآخرين مقلعاً غنياً لقصصها، لكنها لم تجد في حياتها نبعاً تستقي منه ما تعطشت إليه. كانت قلقة جداً وساخرة ومتهكمة. ومن غير المعروف، تماماً، مبعث هذا التهكم وشيوع تلك السخرية في نصوصها. ألأنها وُلدت وفي رجلها اليسرى بعض القصر؟ أم لأنها لم تُرزق أطفالاً؟ أم لأنها تزوجت غير مَن تحب؟ أم لأن مَن أحبته تزوج غيرها؟ والمشهور أنها أحبت الإذاعي علي عصام مراد الذي تزوج المذيعة ماجدة عطار، فصُدمت. وحتى بعد أن تزوجت أديب يوسف حُسن ظلت في نفسها بقية من حبها الأول. إنها المصائر المتعاكسة لأديبة فلسطينية مبدعة رحلت باكراً.

******
وُلدت سميرة عزام في مدينة عكا في 13/9/1927 ثم نزحت مع عائلتها إلى لبنان سنة 1948، وأقامت في بلدة فالوغا لعدة أشهر قبل الانتقال إلى بيروت. وهناك قرأت إعلاناً في إحدى الصحف عن حاجة العراق إلى معلمات، فتقدمت بطلب لهذه الوظيفة، ثم غادرت إلى العراق حيث التحقت بمدرسة الإناث في مدينة الحلة. وبقيت هناك سنتين عادت بعدها إلى لبنان.
في سنة 1952 التحقت بإذاعة الشرق الأدنى في قبرص كمذيعة متمرنة وكاتبة برنامج «ركن المرأة». وعندما افتتحت الإذاعة مكتباً لها في بيروت سنة 1954 انتقلت إليه وصارت مسؤولة عن برنامج يومي بعنوان «مع الصباح». وفي عام 1957، بعدما توقفت إذاعة الشرق الأدنى في أثر العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، حصلت على عقد للعمل في إذاعة بغداد. لكنها لم تستمر في عملها الجديد أكثر من ثمانية أشهر، فاستقالت وعادت إلى بيروت. وفي أثناء إقامتها في بغداد تعرفت ثم ارتبطت بشاب من الناصرة يقيم في العاصمة العراقية يدعى أديب يوسف حُسن. وقد جرى زواجهما عشية الميلاد سنة 1959 في بيروت وعادا معاً إلى العراق لتعمل مجدداً في برنامج يومي إذاعي هو «ركن المرأة»، ولكن في إذاعة الجمهورية هذه المرة بعد أن أطاح عبد الكريم قاسم الملكية العراقية في 14/7/1958. غير أن النظام الجديد لم يلبث أن أبعدها وزوجها إلى بيروت بتهمة العداء لنظام الزعيم عبد الكريم قاسم. وفي أثناء إقامتها في بغداد نشرت مقالاتها في صحيفة «الشعب» العراقية التي كان يكتب فيها الشاعر بدر شاكر السياب.
بعد عودتها من العراق عملت معلمة في الكلية العاملية لعدة أشهر، ثم لم تلبث أن التحقت بمؤسسة فرانكلين للترجمة والنشر في بيروت، وكانت تكتب في مجلة «صوت المرأة» ومجلة «دنيا المرأة». وفي هذه الأثناء أصدرت أربع مجموعات قصصية وترجمت أكثر من عشرة كتب، فضلاً عن عدد كبير من المقالات والبرامج. وفي الوقت نفسه كانت إحدى نشيطات «لجان السيدات العربية» التي تألفت في بيروت في أعقاب حرب 5 حزيران 1967 لجمع التبرعات للنازحين، كما كانت من أوائل اللواتي ساعدن في انطلاقة الإذاعة الفلسطينية. وفي 8/8/1967، بعد شهرين على حرب حزيران، بينما كانت في طريقها إلى عمان، وعند وصول السيارة إلى مكان قريب من مدينة جرش، تعرضت لأزمة قلبية صاعقة توفيت في أثرها. وأعيد جثمانها إلى بيروت لتدفن في مقابر الشهداء يوم 9/8/1967.
وقد أقام الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين مهرجاناً تأبينياً لها في إحدى قاعات جامعة بيروت العربية، وأصدرت مجلة «الآداب» اللبنانية في كانون الثاني 1968 عدداً خاصاً.

******
أصدرت سميرة عزام، في حياتها، أربع مجموعات قصصية. ثم صدرت لها مجموعة خامسة بعد وفاتها. والمجموعات هي:
- أشياء صغيرة (1954).
- الظل الكبير (1956).
- وقصص أخرى (1960).
- الساعة والإنسان (1963، نالت عليها جائزة أصدقاء الكتاب).
- العيد من النافذة الغربية (1971).
وترجمت إلى العربية نحو عشر كتب تنوعت بين القصة والرواية والبحث هي على التوالي: كانديدا (برنارد شو، 1955)؛ أميركي في أوروبا (وودزورث ولويس سنكلير، 1956)؛ جناح النساء (بيرل بك، 1958)؛ ريح الشرق وريح الغرب (بيرل بك 1958)، القصة القصيرة في أميركا (راي وست، 1960)؛ القصة الأميركية القصيرة (دانفورث روس، 1960)؛ حين فقدنا الرضا (جون شتاينبك، 1962)؛ حكايات الأبطال (أليس هزلتون، 1963)؛ عصر البراءة (أديث آرثون، 1963)؛ فن التلفزيون (وليم كوفمان، 1964). وفي أثر نكبة حزيران 1967 وفي فورة وجدانية ساخطة مزقت رواية كانت قطعت في كتابتها شوطاً بعنوان: «سيناء بلا حدود».
إن جمع أعمال سميرة عزام مهمــة علـــى غايـــة من القدر والأهمية، لكنها ما زالت تنتظر من يبادر إليــــها ويتــــنكب مشقة البحث بروية وجلد. وأعمـــــالها، في أي حـــــال، منثورة في جريدة «فلســـــــطين» اليافـــــاوية وفي صحيـــــفة «الشـــــعب» البغدادية وفي مجــــلتي «صوت المرأة» و«دنيا المرأة» اللبــــنانيتين، وفي تسجــــيلات إذاعة الشـــرق الأدنى وصــــوت العـــرب وإذاعة بغـــداد.