| 

في العاشر من نيسان 1973 وقعت كارثة على القيادة الفلسطينية في بيروت وهي العملية التي نفذتها قوة كوماندوس إسرائيلي قوامها أكثر من ثلاثين رجلاً جاءت بحراً ونزلت شمال مرفأ بيروت قرب محلة الدورة، ومن هناك قدمت إلى شارع فردان بسيارات مدنية استأجرها عملاء للمخابرات الإسرائيلية في بيروت. وصلت القوة إلى أمام المبنى الذي يسكنه ثلاثة من القادة الفلسطينيين هم محمد يوسف النجار (أبو يوسف) عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس اللجنة السياسية العليا لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وأحد أبرز مؤسسي حركة فتح، وكمال ناصر عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة والناطق الرسمي باسمها، وكمال عدوان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسؤول قطاع الوطن المحتل (الغربي)، أي المسؤول الأول عن العمل العسكري داخل فلسطين المحتلة.
صعد رجال الكوماندوس إلى الطبقات العليا بعد قتل الحارسين وبدأوا في نسف أبواب الشقق التي يقطنها القادة الثلاثة وكانوا على معرفة تامة بالمبنى، وبعد ذلك تم تصفية القادة الثلاثة، وبعد مغادرة فريق الكوماندوس تم زرع مسامير في الشارع الموصل من سيار الدرك في فردان إلى المبنيين، ما أدى إلى إعاقة النجدات إن حاولت القدوم إلى المنطقة.
عرف في ما بعد ان إصابات وقعت بين المهاجمين عرفت من الدماء التي وجدت في السيارات التي تركوها في الرملة البيضاء حيث كان ينتظرهم الزورق الذي أوصلهم إلى منــــطقة الدورة وعادوا من حيث أتوا، علماً أن فريقاً منهم توجه إلى منـــطقة الفاكهاني لاغتيال أبو عمار لكنهم اصطدموا بالحـــراسات الليلية التابعة للجبـــهة الديموقراطـــية، ما أفـــشل هذه العملية.
تركت عملية الاغتيال تداعيات شتى وصدى كبيراً. فأما على الصعيد الفلسطيني والحركة الوطنية اللبنانية فساد جو من الخوف والحذر وتضاعفت الحراسات وازدادت الحواجز والدوريات وزاد الحذر من السلطة اللبنانية التي كانت مكلفة حفظ أمن القيادات الفلسطينية.
تطور الوضع العسكري تطوّرا خطيرا، فانتشر الفدائيون الفلسطينيون في المدن والقرى اللبنانية بتسهيل من أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية وكثرت الإشكالات ما أدى إلى دخول الجيش على الخط فأمر رئيس الجمهورية قائد الجيش بضرب المخيمات ومواقع الفدائيين، وأمر سلاح الجو اللبناني بقصف المواقع من دون علم رئيس أركان الجيش، فقامت طائرتان من طراز هوكرهنتر بقصف تجمعات الفدائيين ومرابض المدفعية التابعة للفدائيين وفي ذلك الوقت حصل تدخل عربي وتم الضغط على رئيس الجمهورية لوقف القتال. وكان لسوريا الموقف الأكثر حسماً، فعمدت إلى إغلاق الحدود مع لبنان وفتحت الحدود للفدائيين للدخول إلى لبنان عبر حدودها، وقد اضطر رئيس الجمهورية اللبنانية لوقف إطلاق النار بتدبير سريع واستثنائي.
بعد وقف إطلاق النار المفاجئ نتيجة للضغط العربي على لبنان اجتمع الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل برئيس الجمهورية الذي كان في أشد حالات الغضب، وقال لهما بلا مقدمات: يا إخوان لقد أوقفت تقدم الجيش في مخيم صبرا تحت الضغط العربي، وأنا أعرف خطورة مثل هذا الأمر، لكن «ما عاد فينا نتكل على الجيش صار بدنا نتكل على أنفسنا». وقد أتبع ذلك بتفسير انه كلما استعملنا الجيش في قضية الفدائيين فسيتدخل العرب ويمنعوننا تحت ضغط المقاطعة الاقتصادية والمالية والسياسية، لذلك عليكم تأمين حمايتكم وحماية كرامتكم وأملاككم وأرضكم بأنفسكم. وقد كانت هذه الإشارة كافية لإطلاق سباق التسلح بين المنظمات والميليشيات المسيحية من جهة والمنظمات والأحــــزاب المتــحالفة مع المقاومة الفلسطينية أي الحركة الوطنية، وهي التي لم يتورع أركانها منذ أيام الحلف الثلاثي في أواخر الســــتينيات عن الابتعاد عن الواقع العربي، ولكـــن هـــذه المرة كـــان الحضور الإسرائيلي أكثر جرأة وأكثر تأثيراً في مجريـــات الأمور وخاصة الحربية منها. وانزلقت الأمور بالتدريــــج نــــحو حرب أهلية طاحنة انفجرت في 13 نيسان 1975 لأســــباب كثيرة ومتشابكة، من بينها تصفية منظمة التحرير الفلسطينية.

* كاتب فلسطيني.