| 

هذا التاريخ يعني لي الكثير فتتأرجح مشاعري بين الحزن والفرح... كنت في السادسة عندما دخلت مؤسسة بيت أطفال الصمود بعد استشهاد مخيم تل الزعتر وفقداني والدي. وبينما كنت ألعب واصدقائي لمحت شابا في العشرين، طويل القامة اسود الشعر، يبتسم لنا من بعيد. اقترب منا قليلاً واذ به يضع يده الدافئة على رأسي. في هذه اللحظة شعرت انني لم افقد والدي. كان شعوراً غريباً، فسألت نفسي: هل هذا هو والدي؟ اذا الذي توفي من يكون؟ انتابني شعور بالأمان الذي كنت افتقده، وأدركت ان الله عوضني بك عن والدي، وكلماتي هذه نابعة من القلب ومن مشاعر طفلة صغيرة لا تعرف ان تكذب في مشاعرها.
كنت شقية جدا ولكني كنت أحبك كثيراً، تقسو عليّ احياناً لكن سرعان ما يزول هذا الغضب. كنا في المؤسسة اكثر من مئة طفل، وكل منا كان يشعر انه المفضل والمحبب إليك، وكنت اشعر بالغيرة إذا شعرت انك تحب اخوتي اكثر مني لانك كنت تعاملنا كالأب الحنون، ولم يكن ليغمض لك جفن قبل ان تتفقدنا في الفراش وتطمئن علينا، وتفرح لفرحنا وتحزن لحزننا، وترقص معنا وتغني لنا وتلعب معنا.
لا انسى في الاجتياح الإسرائيلي للبنان قلقك وخوفك، والتعب الذي كان ظاهرا على وجهك. آنذاك هربتنا إلى سوق الغرب، وهناك بدأنا نسمع صوت جنازير الدبابات الإسرائيلية وهي متجهة نحونا والطائرات الحربية تحلق فوق رؤوسنا، فضممتنا جميعا حولك. كنت انظر إلى عينيك، أراقب وجهك ككل طفل يترقب ساعة الخطر، لكنكَ كنتَ اقوى من الجميع وكنتُ مطمئنة انك إلى جانبي تقول لنا لا تقلقوا، نحن بخير... وعندما اشتد الخطر هربتنا إلى سوريا وكانت المسافة طويلة والمشوار شاقا. كنا نمشي صفاً واحداً، وطوال الرحلة كنتُ اتساءل: هل تعب؟ هل هو خائف؟ هل سيتركنا؟؟ لكنكَ بقيتَ معنا وكنت تتفقدنا إلى ان اوصلتنا إلى بر الأمان: إلى مدينة ابناء الشهداء في عدرا.
لقد عرفتُ قيمةَ هذا الشعور عندما تزوجتُ وأصبح لديّ اطفال، كم هي المسؤولية كبيرة والحمل ثقيل. وعرفت يومها كم عانيتَ معنا وكم تحملتَ الصعاب من أجلنا.
كنت تحثنا على العلم وتخبرنا ان العلم سلاحنا وفلسطين تتحرر بالعلم. وها أنا الآن انقل هذه الأمانة لأولادي، واعدكَ يا والدي الحبيب اني سأكمل مشوارك وسأبقى وفية لدماء الشهداء وفلسطين.