| 

يحلم بعضهم بعقد سلام مع القيادة الصهيونية يحقق للشعب الفلسطيني بعضاً من طموحاته الوطنية المتمثلة في حق العودة وعودة القدس وقيام الدولة الفلسطينية. لسنا ضد هذا الحلم؛ فمنذ أن حدثت النكبة في عام 1948 والحلم قائم ولم يمت ولن يموت على الرغم من الحروب المتتالية التي كان للعدو الصهيوني الغلبة فيها. لكننا كنا نصحو بعد كل حرب قائلين: «خسرنا المعركة ولم نخسر الحرب».
لقد ظهر تيار عربي وفلسطيني يقول إذا لم يتحقق الحلم حرباً، فلماذا لا نجرب السلام؟ وكان لهذا التيار ما أراد. فما الذي حدث؟ مفاوضات متقطعة وتصريحات فضفاضة. وتبين أن السلام سراب يلهث خلفه الحالمون به. فلماذا كان ذلك السراب؟ إن إنكار حق الشعب الفلسطيني وجوداً، هو مبدأ أساسي من مبادئ العدو الصهيوني ومنها أن «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» بحسب الصهيوني زانغويل في عام 1909. كما أن شعار أرض الميعاد هو شعار ديني ذو أساس يهودي. فما كان مصير من فكر في مخالفة هذا المبدأ وهذا الشعار؟ لقد كان مصيره إما الاغتيال وإما السحق سياسياً واجتماعياً.
قد يكون في قولي هذا مبالغة! هب إنه كذلك. لنسرد، إذاً، وقائع لا لبس فيها ومن مصادرها الصهيونية ماذا فعل ماكس نورداو المفكر الصهيوني في عام 1903؟ لم يقل شيئاً، بل كان هناك مشروع أوغندا لتوطين اليهود فيها موقتاً بديلاً من فلسطين. ويبدو أن نورداو مال إلى تأييد هذا المشروع. فكان نصيبه رصاصة سددها إليه طالب يهودي في باريس وصاح قائلاً: «الموت لنورداو الشرق أفريقي».
تلك واحدة تلتها أخرى في عام 1924 عندما اغتيل يسرائيل دوهان اليهودي، بعد إجرائه محادثات مع الشريف حسين في عمان بحضور ولده الأمير عبد الله للتوصل إلى قاعدة للتفاهم العربي اليهودي، وكان في نيته التوجه إلى بريطانيا ليطالبها بالحد من الخطر الصهيوني على اليهود. لكنه اغتيل بأمر من الهاغاناه، ولم تُكشف حقيقة اغتياله إلا بعد خمسين سنة. أما الثالثة فكانت في حزيران 1933 على شاطئ تل أبيب، حيث يقع فندق وان الآن. فقد اغتيل حاييم أرلوزوروف رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية. وكان قدم إلى فلسطين في عام 1922. وكان سكرتيره موسى شرتوك (شاريت) كما كان أستاذه أيضاً مارتن بوبر، وجمعته صداقة إلى حاييم وايزمان. فلماذا اغتيل هذا المسؤول الذي كان من قادة حزب الماباي بزعامة دافيد بن غوريون؟
كتب أرلوزوروف قبل اغتياله: «نحن نرى المشكلة العربية مشكلة سياسية وليست مشكلة اجتماعية أو اقتصادية أو اثنية. ويجب أن نتساءل: هل هناك قوة سياسية في فلسطين تسمى الحركة العربية؟ وإن وجدت فكيف تعمل؟ أي علاقة يجب أن تكون بيننا وبينها؟ إن من لا يرى ذلك مخطئ». إن ما قاله أرلوزوروف لاقى استنكاراً لدى القيادات الصهيونية العمالية بزعامة بن غوريون واليمينية بزعامة مناحيم بيغن. فكانت نهايته برصاصة وهو يسير إلى جانب زوجته. واتهم في قتله أكثر من يهودي، لكن الحقيقة أن الأرغون هي التي اغتالته، ودين بهذه الجريمة إبراهام ستافسكي وتم سجنه، لكنه مات في حادثة السفينة ألتالينا التي أمر بن غوريون بإغراقها لأنها خالفت أوامره.
في سنة 1944 وفي القاهرة بالتحديد، اغتال اثنان من عصابة شتيرن اللورد البريطاني موين، وتمت محاكمتهما.
أما الكارثة الكبرى فكانت في أيلول 1948 عندما أقدمت عصابة شتيرن على اغتيال الكونت برنادوت السويدي (مع مرافقه الفرنسي) في القدس، وهو الذي اشتهر بمساعدة اليهود في أثناء الحكم النازي الألماني. وكان برنادوت يعمل وسيطاً لدى الأمم المتحدة. ويبدو أنه رأى للعرب حقاً. وصرح به، لكنه لم ينكر الحق الصهيوني. فكان نصيبه أن اغتيل واغتيل السلام معه.
تلك وقائع لا يشك أحد فيها، ومضى عليها عقود من الزمن، ولم يهدأ الصراع ولم تسكت المدافع، وظهر على الساحة يتسحاق رابين من (حزب العمل)، ويبدو أنه آمن بضرورة حل الصراع، وإعطاء الفلسطينيين شيئاً من حقوقهم. وبينما عاش الحالمون بالسلام فترة زهو، إذ بهم يصحون عــــلى طــــــلقات شاب يهودي متطرف تودي بحياة رابين لأنه «خان القيم اليهودية».
وهكذا ألجمت الرصاصة التي اغتالت رابين أفواه كل من ينطق بحق الشعب الفلسطيني من اليهود.
وأنهي مقالتي بما كتبه كالفاريسكي الذي كان يسعى على حذر لإيجاد تقارب فلسطيني يهودي في العشرينيات من القرن العشرين في كتابه «افتراق سبلنا»: «تبيّن بوضوح أننا ما إن نمد يدنا للسلام حتى نسحبها فوراً عندما كان الطرف الآخر يعبّر عن رغبته في ذلك. وتلك لعبة لم تجعلنا شرفاء في نظرهم. واتهام الطرف الآخر بأننا نتبع سياسة ذات وجهين نتظاهر فيها برغبتنا في السلام لمجرد تضييع الوقت هو اتهام له أساس من الصحة».

رئيس هيئة أرض فلسطين.