| 

يروي جميل عبد القادر شمّوط في كتابه «طيور الصبّار وذكريات السنين»، (دار الكرمل، عمان) قصة حياته منذ مولده في اللد في فلسطين عام 1934 حتى الساعة حيث يقيم في عمان. وهذه المذكرات تتسم بأسلوب حميم ينضح بالحنين، فهو يؤرّخ أصلاً لأربعة وخمسين عاماً أمضاها خارج مسقطه، فهو يعيش منذ سنة 1940 في خانيونس التي غادرها إلى بيروت فلندن ففيينا فعمان.
في البدء تعريف بموقع اللد ونشأتها ومشاركتها في ثورة 1936 وتصديها للاحتلال عام النكبة وخروجه منها مع أهله بالقوة وهو دون الخامسة عشرة، وقد جسّد شقيقه الرسام إسماعيل هذه الواقعة المأساة في «جدارية الخروج من اللد»، فمن اللد إلى نعلين فرام الله، ومن هناك إلى الخليل فغزة، وطوال الرحلة يحس الصبي بالشتات والغربة، ثم تضيق به وبأهله الأحوال، فيلجأ إلى مهن بسيطة قبل ان يلتحق بمدرسة تابعة للأونروا، فيفرد المؤلف فصلاً خاصاً بها، إذ ان هذه الوكالة التابعة للأمم المتحدة افتتحت مدارس لأبناء فلسطين في بلدان الشتات وداخل فلسطين نفسها وقدمت إليهم ما يعينهم على البقاء من مأكل ومشرب ومسكن، ثم ان جميل نفسه وأخاه إسماعيل عملاً في مدارس الأونروا، فيما انصرف إسماعيل إلى رسم معاناة شعبه.

شقيقه إسماعيل

سافر إسماعيل إلى مصر للتخصص بالرسم، بينما بقي جميل في محترفه يدرّس أحياناً من هم أطول منه قامة وأكبر منه سناً. ويتابع مواسم الأنبياء والصالحين في فلسطين ورواية أوضاع مخيمات النزوح حيث البؤس والشقاء وشظف العيش، ثم فجأة يرى الأستاذ شمّوط بارقة أمل في ثورة 23 يوليو 1952 بزعامة عبد الناصر، إذ عمّ قطاع غزة فرحة وابتهاج، فارتفعت أقواس النصر في غزة، وإليها وصلت قطارات الرحمة محملة بالمساعدات للاجئين، فسمع والده يقول: «النصر آتٍ».
كان إسماعيل شقيقه أقام في تموز 1953 معرضه التشكيلي الأول في غزة، وفي تشرين الأول من العام نفسه طار المؤلف جميل من غزة إلى بيروت فأقام في نزل صغير في الحمرا وهناك انضم إلى قسم السمعيات والبصريات في الاونروا، ومنها إلى القاهرة في دورة تدريب لأسبوعين، ثم عيّن رسمياً في رئاسة الأونروا في بيروت بوظيفة رسّام ومصمّم، فالسفر إلى لندن في 1956 فيما كان أخوه إسماعيل يكمل دراسته الفن في روما، وفي لندن التحق جميل بمدرسة الفنون، وعكّر صفوه هناك العدوان الثلاثي على مصر، لكن إقامته هناك لسنتين لحيازة الدبلوم مكنته من السفر إلى دول أوروبية عديدة.

لبنان والمقاومة

إلى لبنان جاء في سنة 1950 ثم لحق به أهله أجمعون في 1959 فزواجه من سناء في 1960، لكن فرحته لم تكتمل، إذ أعاد الأمن العام أهله إلى غزة، وسكن جميل غير بعيد عن دوّار الكولا، وفي بيروت رزق بريما وجمانة وخالد وأماني وناصر وباسل. في 1966 وصل إسماعيل إلى بيروت ليشرف على الثقافة الفنية في منظمة التحرير الفلسطينية، فيما انصرف جميل إلى تصميم النشرات الصحية لقسم الإرشاد الصحي في دائرة الصحة في وكالة الأونروا.
بعد حرب 1967 انتمى جميل إلى جبهة التحرير الفلسطينية (طريق العودة)، ثم في مطلع 1970 إلى «حركة فتح»، لكنه بقي مثابراً على عمله النقابي في الأونروا، إذ كان في رئاسة اللجنة التنفيذية لجمعية الموظفين في رئاسة الأونروا. فإلى معسكر للتدريب في كيفون بإشراف أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية.
أُغلق المعسكر وعاد جميل إلى موقعه في الأونروا وبقي على اتصال وثيق بشفيق الحوت وغسان كنفاني، وفي 1960 كان مع وفد فلسطين المشارك في مهرجان الشبيبة العالمي في صوفيا، وكان من المشاركين عن فلسطين سعيد كمال وتيسير قبّعة ومحمد صبيح وصلاح صلاح وربحي عوض وبسّام أبو شريف وإبراهيم العابد ومنذر عنبتاوي وفيصل حوراني وإسماعيل شمّوط، كما شارك أيضاً في 1973 مع الوفد الفلسطيني في مهرجان الشباب المنعقد آنذاك في برلين.
إلى الصدام المسلّح بين المقاومة الفــــلسطينية والجيش اللبناني وتكليف ياسر عرفات الأستاذ شمّوط تأمين ميزانية لتغطية النفقات المعيـــــشية لأهــــالي حيّ الفــــاكهاني والجامعة العربية، فما أن كانت الحرب الأهلية حتــــى انتقلت الأونروا إلى عمان أولاً ثم إلى فيينا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فحياة جديدة وليالي أُنس، لكن بقيت فلسطين في البال، وتأقلم مع الغرب.

المنفى

كانت النمسا أول دولة أوروبية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية وهناك توثقت صلة المؤلف بالسفراء الفلسطينيين في فيينا والجالية الفلسطينية هناك. وأُقيم حفل عشاء فلسطيني على شرف وزير الداخلية النمساوي اروين لانس في منزل جميل، حضره عبد الله افرنجي وإسماعيل شمّوط وطلال باميه وعوني كرمان وبلال موسى. فإلى المشاركة في معرض أطفال العالم عام 1980 في أبو ظبي وتعيينه رئيساً لقسم السمعيات والبصريات في الأونروا في فيينا.
وبمناسبة مرور أربعين عاماً على قيام الأونروا، كرّم الأمين العام للأمم المتحدة والمفوّض العام للأونروا الكاتب لخدمته في الأونروا لأربعة عقود، لكن خدمة جميل شمّوط لشعبه لا حدّ لها حتى الساعة حيث هو وعائلته في عمان.

******
سيرة جميل شمّوط «طيور الصبّار» سجلٌ حافل لحياة مفعمة بالتحدّي والبقاء دوّن فيه صاحبه تفاصيل نزوحه وارتقائه وكفاحه فشكّل مرجعية لمن شاء أن يدوّن تاريخ فلسطين الحديث.

* كاتب فلسطيني في لبنان.