| 

سعيد تقي الدين علم مشهور، ولد في بلدة بعقلين (الشوف)، في عام 1904. وفي عام 1925، تخرّج في الجامعة الأميركية في بيروت. واشتهر كاتباً وأديباً وصحافياً وكاتب مسرحيات. وقد استحوذت القضية الفلسطينية على قدر مهم من نشاطه ونتاجه الفكري والأدبي. ففي أثناء توليه منصب قنصل لبنان الفخري في الفيليبين (1946 ـ 1948)، وقبيل صدور قرار تقسيم فلسطين، حاول إقناع رئيس جمهورية الفيليبين «مانويل روهس» بالتصويت ضد مشروع قرار التقسيم، وكاد ينجح في مهمته، لكن الضغط الأميركي واليهودي، إضافة إلى التقصير العربي دفع الفيليبين إلى التصويت لمصلحة التقسيم.
بعد عودته من الفيليبين إلى لبنان، اندلعت الحرب في فلسطين 1948، فاندفع إلى نصرة فلسطين وأهلها، وألقى عدداً من الخطب والأحاديث الإذاعية بالعربية والإنكليزية، وأجرى مقابلات صحافية مع بعض المقاتلين من جيش الإنقاذ. وتفاعل مع أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الصعبة، ووجّه نداءات عدة. واللافت أنه رفض تسمية الفلسطينيين الذين نزحوا من فلسطين جراء الحرب بـ«اللاجئين» وأطلق عليهم صفة «الضيوف».
مع نهاية عام 1948، انتُخب سعيد تقي الدين رئيساً لجمعية متخرجي الجامعة الأميركية في بيروت، وأصبح رئيس تحرير مجلتها «الكلية» (Al-kulliya) الصادرة بالإنكليزية، فكرّس صفحات هذه المجلة للدفاع عن فلسطين وشرح معاناة أهلها، كما هاجم السياسة الأميركية الواقعة تحت الهيمنة الصهيونية. ويبدو أن هذا التوجه الذي اتبعه سعيد تقي الدين في تحرير المجلة لم يرق لإدارة الجامعة، التي دفعته إلى التخلي عن تحريرها.
كما كان له رأي خاص بوكالة «الأونروا»، فوجد أن من الأفضل الاستغناء عن هذه الوكالة وإرسال الأموال إلى اللاجئين مباشرة كحوالات بريدية.
إن القلق السياسي والفكري الذي كان يعانيه بُعيد عودته إلى لبنان، وشعوره بضرورة تنظيم الجهد دفعاه إلى الاطلاع على مبادئ الأحزاب المختلفة، إلى أن لاقت مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي هوى لديه فأعلن انتسابه إلى الحزب في أواخر عام 1951. وفي عام 1954 أسس بالتعاون مع عدد من الوطنيين، لجنة «كل مواطن خفير» لمكافحة النشاط الصهيوني في لبنان. وكانت غاية «كل مواطن خفير» مكافحة الصهيونية في الدول العربية بأساليب عملية ولا سيما أن جامعة الدول العربية اتخذت قرارات بشأن المقاطعة العربية لإسرائيل، إلا أن بعضها لم ينفــــذ. وأكد أن مثل هذا النشاط هو أفضل أداة في التربية الشعبية للتحسس بالخطر الصهيوني، وبث ثقافة المقاومة بين الجماهير العربية وحكوماتها.
وبدأت اللجنة نشاطها في لبنان، وتولى سعيد تقي الدين كتابة منشوراتها الرسمية، كما تولى شأن الأحاديث الأسبوعية الخاصة باللجنة في الإذاعة اللبنانية. فقد أذنت الحكومة اللبنانية له، بصفته رئيس اللجنة، بتقديم برنامج عبر الإذاعة اللبنانية بعنوان: «ماذا أتكلم» لمدة ربع أسعة، ثم امتد ليصبح نصف ساعة، تناول فيه النشاط الصهيوني ونشاط اللجنة المضاد. إلا أن هذه الصراحة ضايقت بعض ذوي السلطة، فألغت الحكومة البرنامج ولم تسمح باستئناف بثه إلا بعد أن تعهدت اللجنة بأن صوت سعيد تقي الدين لن يُسمع من الإذاعة لاحقاً.
كشفت لجنة «كل مواطن خفير» عن سماح السلطات اللبنانية بدخول المطرب الأميركي المتصهين «ليو فولد» (Leo Fuld) إلى لبنان لإحياء الحفلات في ملهى «الكيت كات» في منطقة الزيتونة. كما كشفت عن شخص يهودي نمساوي يدعى الدكتور «طوبر» وهو يمارس مهنة التدريس في مدرسة برمانا البريطانية برغم أن وزارة الشؤون الاجتماعية قد رفضت إعطاءه إجازة عمل. كما لفتت اللجنة إلى زوجة هذا الدكتور وهي يهودية تعمل موظفة في شركة المياه في لبنان.
في هذا الإطار، أشار سعيد تقي الدين في مذكراته إلى الخيبة المريرة التي أصيب بها بعد الأسبوع الأول من عمل لجنة «كل مواطن خفير». فعندما كتب إلى وزير الاقتصاد يسأله أن يطرد من بين موظفي وزارته فتاة وصفها بأنها صهيونية، وأن أخاها يخدم في الجيش الإسرائيلي ويزورها في بيروت، وهي تأتي إلى الوزارة برسائل من إسرائيل تقرأها على بعض زملائها، لم يتحرك الوزير لمعالجة هذه المسألة وبقيت الفتاة في مكانها.
أمام كل ما تكشف لسعيد تقي الدين من حقيقة الوجود الصهيوني في البلاد، وحقيقة تغاضي بعض المواطنين والمسؤولين عن مخاطر هذا الوجود، بات هو ولجنته على قناعة تامة بضرورة استصدار قانون لمقاطعة إسرائيل، حيث يعاقب التجسس لمصلحة إسرائيل والتهريب منها وإليها. من أجل ذلك قدمت لجنة «كل مواطن خفير» مشروع قانون وضعه القانوني إدمون رباط ليقره مجلس النواب. ومع نهاية عام 1954، تبنت جامعة الدول العربية مشروع القانون هذا ووزعته على الدول العربية. وبعد جهد مكثف استمر قرابة سنة، أقر مجلس النواب اللبناني قانون مقاطعة إسرائيل في 30 أيار 1955.
أما أبرز الحملات ضد العناصر الصهيونية في لبنان فكانت قصة المواطن الفلسطيني سمير مسلم الذي مات في ظروف مشبوهـــــة بعد أن جنده سعيد تقي الدين لرصد النشاط الصهيوني في لبنان. وتمكن سمير مسلم من الاطلاع على بعض جوانب هذا النـــــشاط من خلال صلته بجوليـــــــيت خوري من مرجعيون التي كانـــــت زوجة السمسار كـــــامل الحسين الذي قتل عند مثلث الحـــــدود اللبنـــــانية ـ الســــورية ـ الفلســــطينية، وكانت تتردد على إسرائيل خلســـــة، بــــذريعة التفتيش عن كنز دفنه زوجها في فلسطين قبيل النـــــكبة. أما وثائق هذه القضية فهي موجودة في محفوظات الجيش السوري الذي استولى عليها حين دهم مقر الحزب السوري القومي الاجتماعي في دمشق بعد اغتيال عدنان المالكي في سنة 1955.

باحثة فلسطينية مقيمة في لبنان.