| 

في منتصف القرن السادس عشر، قام راشد بن صقر الحدادين مؤسس مدينة رام الله، بقيادة قافلته الصغيرة عبر تلال الأردن القاحلة إلى موقع غير بعيد عن مدينة القدس، ولم يعرف عندها أنه كان يقوم بوضع أسس بلدة جديدة واعدة في قلب فلسطين تدعى رام الله. وصلت قافلة الحدادين إلى منطقة حرجية تبعد ستة عشر كيلومترا عن القدس إلى الشمال. وهنا، وبين بقايا كهوف ما قبل التاريخ وقريتين رومانيتين، استقرت القافلة وبدأت في تأسيس بيوتها الجديدة.
شكلت الأحراج والأحطاب المنتشرة في «خربة رام الله» آنذاك عامل جذب لراشد الحدادين، لكونها ضرورية لمهنته التي كان يمارسها في الكرك، موطنه الأصلي. في ما بعد، عندما سمع راشد الحدادين نبأ وفاة عدوه زعيم عرب القيصوم المتسبب في رحيله عن الكرك، قرر العودة إلى دياره، لكن أولاده الخمسة الذين أصبحوا أجداد مواطني رام الله الأصليين، أصروا على البقاء فيها. وهؤلاء الأولاد رزق كل منهم بأولاد عدة، وتحولوا مع مرور الوقت إلى عائلات وحمايل، فأصبح هناك: اّل يوسف واّل عواد واّل الشقرة واّل جغب واّل عزوز... وهكذا.
ومع الزمن، بدأت رام الله تتوسع وتنهض في شتى المجالات، ففي عام 1807 تم بناء أول كنيسة للروم الأورثوذكس، وفي عام 1869 تم افتتاح مدرسة الفرندز للبنات. وفي عام 1902 قررت الحكومة التركية تحويل رام الله إلى مقاطعة، فضمت ثلاثين بلدة محيطة بها وعين أحمد مراد من القدس أول حاكم لها وفي عام 1908 تم تحويل رام الله إلى مدينة، وعين الياس عودة أول رئيس للبلدية، وضم المجلس البلدي ممثلا عن كل حمولة.
شاءت الظروف أن يستمر السكن في خربة رام الله (البلدة القديمة) وأن يشتريها شيخ قبيلة الحدادين لتزدهر وتتسع وتحتوي مع ازدهارها بقية مناطق التجمعات البشرية، ما أدخل الجميع في ما بعد في مكون حضاري واحد وتحت اسم واحد وهو رام الله، وكان ذلك في العام 1550 للميلاد، وفق نهلة قورة، رئيسة الدائرة الثقافية السابقة في بلدية رام الله، والرئيسة السابقة لمكتبة البلدية. وقد أشارت قورة إلى أن عدد سكان رام لله يقارب 100 ألف نسمة وفق آخر إحصائية (كان ما بين 800 و900 نسمة في العام 1838) لافتة إلى أن هناك في تاريخ رام الله أحداثا فارقة وثقها المؤرخون، من أبرزها بناء مدرسة الفرندز في العام 1869، والعاصفة الثلجية في العام 1895 التي ضربت فلسطين في أثناء رحلة الحجاج الروس من الناصرة إلى القدس وتوفي 30 حاجا منهم بالقرب من مدينة البيرة (توأم رام الله)، ولم يستطع الآخرون الاستمرار في الرحلة، واندفع سكان رام الله لإنقاذهم مستخدمين الحمير والبغال وساعدوا في دفن الموتى.
في العام 1903 أحضر نيقولا خوري أول طاحونة ميكانيكية لطحن القمح لرام الله، وحتى ذلك الوقت كان القمح يطحن باليد، بينما بدأ ابراهيم عيسى أبو شحادة في تشغيل عربة يجرها الحصان للعمل بين رام الله والقدس.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914، توفي حوالي ثلاثين شخصا من رام الله أثناء خدمتهم في الحرب مع الحكومة التركية، وبعد ذلك بعام اجتاح الجراد رام الله وقضى على كل المحاصيل، وفي العام 1916 قضى مرض التيفوئيد على 30% من سكانها.

رام الله في الصورة
الباحث والأكاديمي عصام نصار، أشار إلى أن أول صور التقطت لرام الله كانت عبر مصوري الكولونية الأميركية، وورثت مكتبة الكونغرس صورها، إلا إن أقدم صور عن رام الله ظهرت في العام 1904 وفيها توثيق للطريق من القدس إلى رام الله، مشيراً إلى أن من بين 11 ألف صورة تركها مصورو الكولونية الأميركية عن فلسطين هناك ما لا يزيد على 10 صور عن رام الله، التي لـم تحظ باهتمام الـمصورين مثلما حظيت بها القدس التي وصلوها في العام نفسه الذي اخترعت فيها أول كاميرا، أي العام 1839، ثم بيت لحم والناصرة من باب الاهتمام بتوثيق الرواية الإنجيلية والرواية التوراتية. ولفت عصام نصار إلى أن الـمصور إلياهو غرانتس، وكان مصور الكويكرز، وهم مؤسسو مدارس الفرندز في رام الله، استقر في الـمدينة في العام 1901، وفي العام 1911 أصدر كتاباً عن رام الله ضمّنه العديد من الصور، ونقحه في العام 1920، وكانت آخر طبعات الكتاب في العام 1930، وفيه صور لرام الله تظهر فيها كروم العنب، وكنيسة الروم الأرثوذكس، القائمة حتى يومنا هذا، لكن بطبيعة الحال من دون أي من الـمكونات الـمعمارية وغيرها مما يحيط بها الآن، وصور لفلاحي رام الله ودوابهم في موسم الحصاد، وهي صور وصفها نصار بأنها خارجة من صاحب عيون محلية، حيث التقط غرانتس صوراً للحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد في رام الله.
في جعبة عصام نصار صور هي الأقدم موجودة في مكتبة الكونغرس، وكانت قد صورت في العام 1920، وتظهر منزلاً في رام الله هو اليوم مركز خليل السكاكيني الثقافي، وكان يستوي وحيداً من دون أي مبان أخرى. وأشار نصار إلى أن «مصوري الكويكرز حرصوا على تصوير صفوف الفرندز، ومن ثم حفلات التخرج، لضمان تدفق التبرعات من الولايات الـمتحدة، ومنذ ذلك اليوم درجت عادة توثيق حفلات التخرج، إضافة إلى اتجاه البعض لتصوير بورتيرهات يتم تلوينها يدوياً». وعرض نصار صورة نادرة لجثمان جوليا حنا مهوي، ومن حولها العائلة، مشيراً إلى أن تصوير الجنازات برز في الحرب الأهلية الأميركية بين 1861 و1865، واستخدم بكثرة في الهند. وعن الـمصورين الفلسطينيين، أوضح عصام نصار أن أول من افتتح استوديو كان خليل رعد في العام 1890 خارج باب الخليل في القدس، وكان يحضر إلى رام الله لتوثيق الـمناسبات، وبخاصة حفلات الزفاف والتخرج، وأحياناً الجنائز، وكان هناك مصور آخر هو سابيداس، وهو من عائلة سابا، وكان كثير من أهالي رام الله يفضلون التعامل معه، وهذا قد يعود، وفق نصار، إلى أن سابيداس من طائفة الروم الأرثوذوكس من أهل رام الله.
أما أول من أسس استوديو تصوير في رام الله، بحسب نصار، فكان خليل قدورة شقيق رئيس بلدية الـمدينة السابق يوسف قدورة، وحمل الاستديو اسم مي وهي ابنته، وكان يختم صوره بعبارة «دار التصوير»، وباعه من أحد تلاميذه قبل أن يهاجر إلى أميركا. وأشار نصار إلى أن زوجة قدورة ذكرت أن زوجها تتلـمذ على مصورين أرمن في القدس. أما ثاني مصور فكان جميل فريج، وكان الاستوديو الخاص به موجود في مدينة البيرة مقابل سينما الوليد سابقاً، وكان يدعى أبو عيسى، وتتلـمذ على الأرمن أيضاً. وقال نصار إن النكبة دفعت العديد من الـمصورين، ومنهم فريج، إلى الانتقال من مكان تجمعهم في القدس إلى مدن أخرى، فانتقل إلى العقبة في البداية ثم إلى رام الله في العام 1949، فيما انتقل موسى السحار إلى بيت لحم وافتتح أول استوديو فيها، ورحل داود عبده إلى بيروت. وتحدث نصار عن الـمصور غاندي حرب الذي عاش في ستينيات القرن الـماضي، والذي ألقى أبناؤه أرشيفه من الصور في سلة الـمهملات، للتخلص من عبء مساحة كانوا يحتاجونها عندما قرروا تحويل الاستوديو إلى دكان. وتحدث عصام نصار عن ظاهرة الـمصور الجوال في الـمتنزهات والأماكن العامة ولا سيما أن رام الله كانت خلال فترة الحكم الأردني مدينة سياحية صيفية من الدرجة الأولى يؤمها عرب من جميع الجنسيات، بل أجانب أيضاً وفي تلك الفترة انتدب الـملك عبد الله الأول الـمصور حنا صافية لتوثيق مدن الضفة الغربية، وهنا ظهرت صور عامة لـمدينة رام الله. وكشف نصار عن أن أول صور حياتية في ستينيات القرن الـماضي ظهرت بكثرة عبر الـمصورين الذين انتدبهم جيش الاحتلال بعد العام 1967 لتبييض صفحته، والترويج لخرافة أن الفلسطينيين سعداء بما يقدمه هذا الجيش لهم من خدمات.

رام الله والمعمار
يقول خلدون بشارة، مدير «رواق» (مركز المعمار الشعبي الفلسطيني) إن تاريخ العمارة والتطور العمراني في رام الله يزيد من تعقيد مفاهيم لـم يزل النقاش دائراً في شأن ماهيتها ومدى إمكانية تعميمها، وإسقاطها على الـمجتمعات غير الغربية. ويضيف: أعتقد أن مفاهيم مثل الحداثة وما بعد الحداثة، التقليدي والعصري هي مفاهيم نسبية لا يمكن استخدامها في إطار رام الله بشكل خاص وفي فلسطين بشكل عام من دون تحفظ. إذا كانت الحداثة أسلوب حياة ونهج تفكير، فإننا لم نكن يوماً محدثين ولم نكن يوماً مُقَلِدين بكل ما لهذه الكلـمات من معنى، بل إن هناك ظروفاً مكانيةً وسياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً ساهمت في خلق مزيج معماري يتراوح بين الحداثة والتقليد، والذي يجعل رام الله حالة عمرانية وفضائية تستحق الدراسة والتفكير. ويضيف بشارة: قد ينطبق ما يحدث في رام الله على ما يحدث في مدن فلسطينية أخرى مثل الخليل ونابلس. كذلك قد ينطبق ما يحدث في رام الله على ما حدث في مدن عربية وغير عربية بعد انحسار (أو تراجع أو تغير في شكل) الـمشروع الكولونيالي. في أي حال، من يرى رام الله اليوم لا بد من أن يتناهى إلى مسامعه بعض الـمقارنات مع مدن عربية مجاورة تمر بمرحلة مشابهة تسعى من خلالها إلى تبوء مكان على الخريطة العالـمية. هناك من يقارن ما يحدث في رام الله بما حدث ويحدث في عَمَّان ودُبَي وبيروت... وبصرف النظر عن الظروف الـموضوعية التي تحيط بسيرورة رام الله، فإن مثل هذه الـمقارنات مقبول ولكن يجب توخي الحذر كي لا نفقد خصوصية رام الله... في إطار الـمقارنات. لـم أسمع أن رام الله تنافس أياً من الـمدن العربية على الـمسرح العالـمي للثقافة أو السياسة أو الاقتصاد. كذلك لـم أسمع مثلاً أن رام الله تنافس القدس كمقر يبدو موقتاً لعاصمة دولة مؤجلة. كذلك لـم أسمع شيئاً عن التنافس التاريخي الذي تغلب عليه الروح الرياضية بين رام الله والبيرة فيما عدا الـمطاعم والـمقاهي التي تزخر بها رام الله، ويبدو أن البيرة قد كفَّت يدها عن الـمنافسة في هذا الـمجال، واكتفت بمعارض السيارات.
وختم بشارة حديثه بالقول: معمارياً يبدو أن الحديث يدور حول الحداثة والعصرنة أو التحديث، ويدور حول ما بعد الحداثة التقليد، وكأن رام الله لـم تعرف الحداثة قط، أو أن رام الله لـم تعرف الانفتاح على الآخر قبل بناء «مدن الـملح». ولا أريد فقط التشكيك بإمكان إسقاط الـمصطلحات الرنانة، والتي أخشى أن أكون كغيري ضحيتها، على رام الله وعلى ما يحدث فيها من «تطور» حضري دون النظر إلى الظروف الـموضوعية التي تساهم في هذه التغييرات.

مدينة السجال
كثيراً ما حاولت ليزا تراكي، أستاذة علم الاجتماع في جامعة بيرزيت، الإجابة عن السؤال التالي: «لماذا رام الله»؟ وقالت: نقطة التحول الأساسية في تاريخ رام الله كانت النكبة الفلسطينية في العام 1948، حيث كانت أكثر مناطق الضفة استيعاباً للاجئين، والذين كان من بينهم أفراد ينتمون إلى طبقة وسطى انخرطت في مجتمع رام الله وباتت مؤثرة وفاعلة، وعوضت النقص في الطبقة الوسطى التي فقدتها رام الله جراء بسبب الهجرات الـمتتالية لأهلها الأصليين، وخاصة اللاجئين الـمتعلـمين، وتحديدا الـمسيحيين منهم، ومن ثم من الـمسلـمين، من اللد والرملة ويافا. وهؤلاء اللاجئون كان لهم شأن في تحولات رام الله الـمختلفة. وأشارت إلى أن فترة الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات شهدت مزيداً من الجذب إلى رام الله، وخاصة من القرى الـمجاورة، ومنهم ناشطو أحزاب وساسة ومهنيون برزوا في الـمدينة، مشيرة إلى أن الهوية الـمسيحية لرام الله ساهمت في استقطاب أناس غير مسيحيين لطبيعة الـمدينة الـمنفتحة وتقبلها للاختلاف. وأشارت ليزا تراكي إلى الدور الكبير الذي لعبه قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في تعزيز الحضور الـمدني لرام الله، وكيف برزت ظواهر اجتماعية جديدة منها الوعي الـمتزايد لأهمية مكان الإقامة، كما تبلورت أخلاقيات وطرق حياة جديدة تقوم على التمايز من خلال ثقافة الاستهلاك حتى باتت رام الله اليوم معولـمة، وهو ما دفعت ثمنه الطبقة الوسطى التي بدأ أفرادها يبحثون عن مشاريع فردية وعائلية لضمان حياة كريمة لهم ولأبنائهم. وتحدثت تراكي عن أن هناك أكثر من رام الله مع استمرار الهجرات الداخلية والخارجية إليها. ومن الأمور اللافتة في لرام الله أنها المدينة الوحيدة في الضفة والقطاع، بعد مدينة غزة، التي توسعت بفعل الهجرات المتلاحقة إبتداء من نكبة العام 1948، وانتهاءً بالهجرات الجديدة التي نتجت عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي، مشيرة إلى أن مدينة رام الله تعرضت خلال السنوات الخمسين الماضية إلى موجات مختلفة من الهجرة ساهمت بشكل كبير في تغيير معالمها. وكانت تراكي أعدت دراسة عن مدينة رام الله توصلت فيها إلى أن نحو 90% من مديري المؤسسات الخاصة، وكثيرا من أفراد النخبة الاقتصادية ورجال رأس المال الوطني والقيادات السياسية أصولهم ليست من المدينة.
وأضافت: لا توجد مدينة تثير الجدل والحراك كما تثيره رام الله. السجال الموجود في شأن رام الله هو ثقافي في الأساس لأنه يتعلق بصورة المدينة. وما نراه في رام الله هو مجرد نسخ لعواصم عربية، وهذا طبيعي. وأكدت تراكي أن «هناك تباينات اجتماعية كثيرة، وبالتالي علينا أن نسأل المؤسسات العامة الثقافية والتعليمية: كيف تختبر الشرائح المختلفة مدينتها؟ كيف تختبر هذه الفئات «الثقافة»، وماذا تتوقع من مؤسسات المدينة الثقافية؟ ما معنى أخذ النسيج الاجتماعي في الحسبان لدى المؤسسات الثقافية؟ من الذي يهمِّش ويهمَّش؟ هل هي ثقافة استعلائية؟ أم ماذا؟

* صحافية فلسطينية مقيمة في رام الله.