| 

لا تزال البيرة، على الرغم مما عانته، مدينة شامخة تعتز بتاريخها العريق وآثارها التي ما زالت تشهد على عراقة المدينة.
تقع مدينة البيرة على بُعد 16 كيلو مترا من مدينة القدس باتجاه الشمال، وهي من المدن الفلسطينية القديمة من حيث تاريخها العريق الذي يرجع إلى القرن الخامس والثلاثين قبل الميلاد، وفيها آثار رومانية وإسلامية وكنعانية، وعيون مياه لا حصر لها جعلت من المدينة مركزاً حيوياً لاستراحة المسافرين من أنحاء فلسطين كافة.

تسمية المدينة وموقعها
كانت تدعى قديماً بيئرون، وبناها الحثيون قبل الميلاد في الفترة التي بنيت فيها يبوس، أي القدس القديمة. وكلمة بيئرون، اسم البيرة القديم، هي كلمة كنعانية تعني «الآبار» لكثرة العيون فيها، كما ورد ذكر البيرة في العهد القديم أكثر من مرة باسم «بئيروت». وعرفت في العهد الروماني باسم بيرة من أعمال القدس، ثم حُرّف إلى البيرة.
يقول ناصر جهاد عيد رئيس قسم الإعلام في بلدية البيرة إن موقع المدينة الاستراتيجي منحها تفوقاً وقدرة على الاستمرار والنجاح والتقدم، فهو يربط شمال الوطن بجنوبه، حيث تُعد المدينة الشريان الرئيس المؤدي إلى مدينة القدس المحتلة، كما أنها كانت قديماً تقع على خط الحجيج المسيحي، فهي محط ترحال الحجاج من مدن فلسطين وقراها كافة. ويضيف: يصل عدد سكان المدينة حالياً إلى 60 ألف نسمة، وهو عدد يتضاعف خلال ساعات النهار بالقادمين إليها، لكون المدينة نقطة جذب من الشمال والجنوب.

الآثار الرومـانية والإسلامية والصليبيـة
يعود الفضل في السكن في البيرة قديماً إلى توافر المياه فيها من عيونها المختلفة، وبخاصة عين البيرة الواقعة على طريق القدس - نابلس. ونظراً إلى أهمية هذه العين بنى أهل البيرة قربها خاناً ما زالت آثاره ماثلة للعيان حتى اليوم في البلدة القديمة، وهو يعود إلى الفترة الصليبية. وعن الآثار والمقامات القديمة التي تتمتع بها المدينة، يقول عيد: اشتهرت مديـــــنة البــــــيرة قديماً بالمقامات، حيث عرف منها مقام سيدي شيبان ومقام سيدي نجم ومقام أبو مجاهد والسيدة «أم خليل». ويشير عيــــــد إلى أن أشهر أثر تاريخي لا يزال قائماً حتى اليوم هو تل النــــــــبعة، ويرجع إلى العصر البيزنطي، كما أنه لا يزال كاملاً بكل ما فيه. ومن الآثار الموجودة اليوم كنيسة العائلة المقدسة، حيث يقال إن السيدة العذراء مريم كانت قد أضاعت السيد المسيح وهو يلهو في المدينة، في الموقع الذي جرى بناء الكنيسة فيه، وما زالت آثارها موجودة إلى جانب المسجد العمري ومسجد العين. وإلى ذلك هناك الخان، وهو معلم مهم جداً من معالم المدينة، وجميع هذه المعالم والمقامات تم ترميمها بشكل كامل على الرغم من إجراءات الاحتلال التي تحول دون ذلك، ولاسيما وجود المستوطنات الإسرائيلية التي تحيط بالمدينة وتحول دون الاهتمام ببعض المعالم والمواقع التاريخية. ويشير عيد في سياق حديثه عن آثار المدينة، إلى أنها «تعود إلى ما قبل الغزو اليهودي المفترض بقيادة يشوع بن نون، وهي تضم الكهوف ذات الأدراج، وفيها شبه محاريب، وكلها منحوتة بدقة، وقد وجدت فيها عظام بشرية، كما وجدت فيها أسرجة وأدوات أخرى. وتوجد ثلاثة أو أربع مواقع أثرية لا تزال بارزة للعيان إلى جانب الطريق الممتدة من الشرق إلى الغرب، وهناك آبار كثيرة تعود إلى اليبوسيين، وهي تنتشر في جميع أنحاء المدينة، كما توجد من هذه الآبار زهاء عشر في راس الطاحونة وفي حديقة البلدية، إضافة إلى أكثر من عشر آبار في النتاريش.
يؤكد ناصر عيد: «ليس لليهود آثار في المدينة»، مشيراً إلى وجود آثار رومانية عبارة عن ثلاث برك تقع كلها جنوبي نبع الماء (قرب الجامع القديم)، وكذلك الآثار الإسلامية مثل الجامع القديم الذي يقوم على نبع الماء، وأبنية قديمة كثيرة اندثرت معالمها العليا، ولم يبق إلا أسسها، وأضرحة المجاهدين والأتقياء التي تنتشر في جميع أنحاء البيرة، ومنها: الشيخ نجم، الشيخ عبد الله، الشيخ مجاهد، الشيخ شيبان، أم خليـل، البطمـة، الشيخ يوسف.
ومن الآثار الصليبية، بحسب عيد، هناك الكنيسة التي لا تزال أسسها قائمة وسط المدينة، ثم الخـان وهو يعكس طراز البناء الروماني، وهناك اختلاف في الرأي بشأن تاريخه، فهناك من يقول إنه أثر روماني، وهناك من يقول إنه أثر صليبي، وقد كان مربطا لخيول فرسان القديس يوحنا.

أبرز معالم العصر الحديث
تضم مدينة البيرة معالم ثقافية ونسوية وشبابية ورياضية عدة تشير إلى حيوية الحياة الاجتماعية وعلاقات التكافل بين أهل المدينة، التي تتميز بارتباط المغتربين من أبنائها بمدينة آبائهم وأجدادهم وحرصهم على زيارتها والاستثمار في عدد من المجالات الرئيسية فيها. ومن أبرز معالم ومراكز المدينة:
- مركز البيرة الثقافي
هذا المركز عبارة عن بناء قديم يقع وسط المدينة، ويعنى بتنظيم العيد من الفعاليات الثقافية. وهناك مشروع لإعادة إحيائه ليصبح مركزاً ثقافياً وإعلامياً مرموقاً يستقطب فئات المجتمع كافة ويعمل على تلبية احتياجاتهم ورغباتهم، لاسيما الثقافية منها.
- مكتبة البيرة العامة
هي أكبر مكتبة على مستوى الوطن، وتعد منارةً ثقافية هي الأولى في المدينة، حيث تضم أعداداً كبيرة من الكتب، بحيث تخدم جميع الفئات، ولاسيما الطلبة من المرحلة الأساسية وحتى الجامعية. وكانت المكتبة العامة أسست في العام 1966 بهدف تشجيع عادة القراءة في المجتمع، ويشرف عليها مجلس أمناء مكون من عدد من شخصيات المدينة الثقافية، وعملها لا يقتصر على توفير المراجع، بل هي تنظم دورات تدريبية وورش عمل، إضافة إلى تشجيع البحث العلمي.
- مؤسسة شباب البيرة
تُعد هذه المؤسسة مؤسسة ثقافية رياضية شبابية، ولديها فريق كرة قدم من المحترفين على مستوى فلسطين.
- مجمع ماجد أسعد الرياضي
تعود تسمية هذا المجمع الرياضي إلى الشهيد ماجد أسعد، كما يضم استاد بلدية البيرة الذي يجري العمل على إنشائه وفق أعلى درجات المهنية الرياضية.
- جمعية انعاش الأسرة
أما جمعية انعاش الأسرة، فقد باتت من المعالم القديمة الحديثة، التي ذاع صيتها في الوطن والخارج، وهي تركز في عملها ورسالتها على العمل النسوي عموماً، وتأهيل النساء ورفع قدراتهن في مجالات عدة، وبخاصة الإنتاجية منها، وقد أسستها الناشطة والشخصية الوطنية المرحومة سميحة خليل.

مخيم الأمعري
احتضنت مدينة البيرة بعد نكبة 1948 أعداداً من اللاجئين الذين أخرجوا من ديارهم عنوة على أيدي العصابات الصهيونية. وبحسب عيد، فإن مخيم الأمعري المقام على أراضي المدينة يُعدّ من أوائل المخيمات التي أنشئت للاجئين بعد النكبة، كما يعتبر من المخيمات الأكبر في الضفة الغربية من حيث كثافة السكان، ويخضع لإشراف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، فيما تعمل بلدية البيرة على توفير الخدمات الأخرى. وهناك عدد من المؤسسات والمراكز الفاعلة في المخيم الذي تتولى الإشراف عليه اللجنة الشعبية للخدمات، مثل مركز شباب الأمعري ومركز الطفل الفلسطيني والمركز النسوي واللجنة المحلية لتأهيل المعاقين.

البيرة والاستيطان
تُعدّ مدينة البيرة محاصرة من جهات ثلاث بالمستوطنات، حيث أقيمت على أراضيها مستوطنة «بسغوت» على أراضي جبل الطويل شرقاً، ومستوطنة ومعسكر «بيت ايل» شمالاً وشرقاً، ويمر شارع التفافي في أراضيها، إضافة إلى حرمان المواطنين والبلدية من استخدام قرابة ثلثي أراضي المدينة، وكذلك اقتطاع منطقة واسعة من أراضي المدينة العام 1982 وضمها لمدينة القدس، وهو ما قلص بشكل كبير أراضي البيرة.
ويشير ناصر عيد إلى أن الاحتلال الاسرائيلي يسعى لسرقة ما تبقى من أراضي المواطنين من أجل توسيع المستوطنات واقامة أخرى جديدة، وذلك لتعزيز تقطيع أوصال الضفة الغربية ومراكزها الحيوية، وبخاصة بسبب الموقع الإستراتيجي لمدينة البيرة.

الاغتراب
وفقاً لناصر عيد، هاجر من مدينة البيرة تاريخياً عدد كبير من المواطنين، وبخاصة إلى الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي أدى، ولو جزئياً، إلى حرمان المدينة من كفاءاتها، إلا أن هؤلاء المغتربين يعودون للاستثمار في مدينتهم مستفيدين من الخبرات والنجاحات التي حققوها في الخارج.
يشار إلى أن هناك بلدات عدة تحمل اسم البيرة في فلسطين، إحداها تقع شمال بيسان، وأخرى في منطقة الخليل، وثالثة قرب صفد، ورابعة في منطقة بئر السبع، ولكن بيرة القدس تبقى أهمها وأكبرها وأشهرها جميعاً.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله.