| 

سلمان ناطور في كتابه «ستون عاماً: رحلة الصحراء» (456 صفحة عن دار الشروق، عمان) يروي ما يشبه سيرته منذ مولده حتى الساعة في ثلاثة كتب هي: ذاكرة (صراع على الهوية في فلسطين)، وسفر على سفر (رحلات)، وانتظار (على الحواجز وفي المحطات وقاعات المحاكم). الراوي من خربة «أبو حرب» الواقعة إلى غربي شارع «السلام:« الذي يوصل «عين حوض» بـ«عين غزال» وهي أماكن ثلاثة مرسومة بخطوط متقطعة ونقاط سود على خريطة فلسطين، وها هو أبو محمد انتقل من مخيم جنين إلى خربة «أبو حرب»، في عام الهزيمة الذي هو العام الذي سجل فيه أبو محمد انه بلغ سبعين حولا. وصل أبو محمد إلى صنوبرات «البخشة»، ويذكرنا سلمان ناطور ان اسم المكان أصله تركي جاء من البكاشة أي الغابة. يقول الروائي: حين لا نقدر على التعامل مع الجغرافيا والحاضر نعود إلى الذاكرة. وها هو الشيخ الوافد إلى يافا يستلقي على سرير حديدي تحت ظلال شجرة صنوبر في يوم حزيراني دافئ. كان يملك ألف دونم وها هو اليوم يملك ثلاثين دونما على تلة صغيرة موازية لقريته يحوطها سياج من الأسلاك الشائكة. يتحدث الشيخ عن حكاية السمسرة على الأرض في أيام الانكليز، ويكر بصره على الطرف الجنوبي من القرية حيث خربة صغيرة هي «مزار النبي هوشان». وهذا النبي كان سنداً لأهالي القرية، ينزل عليهم المطر عندما يطلبون الاستسقاء، فيتجمع شبّان القرية ويختارون من بينهم «القرندس»، أي شاب يلبس ثياب مهرج ويقف في المقدمة ويتبعه الأهالي وهم ينشدون:
يا أم الغيث غيثينا
دلي الكوز عالجرة
زرعنا شكارة في الدبة
ما طلع ولا حبة
يا الله الشتا يا ربي
رغيف معشش في عبّي
ويقسم الشيخ ان النبي هوشان لم يخيب آمالهم ولا مرة إلا في آخر مرة عندما طلبوا منه أن ينصرهم على جنود الكبانية، فلم يحرك ساكناً.
يقول الشيخ عن حيفا القديمة إن أهلها كانوا فقراء، فلما «جاء الانكليز ووسعوا البور صارت العالم تشتغل في البور، وكان هناك صيّاد ماهر اسمه رفعت عنده حمار أسود يقف على ظهره ويمد نظره للبحر وكان يشوف أفواج السمك جاي فيرمي شبكته ولا تفلت منه سمكة. ثم راحت الأيام وإجت الأيام، وهالبحر صار يجيب ناس ويقذف ناس فيما لانشات دار أبو زيد تحمل هالعرب»: لوين؟ لمينا عكا. لوين؟ لمينا بيروت. لوين؟ لمينا صيدا. لوين؟ لجهنم الحمرا. ويلح سلمان ناطور عبر شيخه على ان أهله جزء من زمان ومكان هما لجميع الناس، لكن لأننا ولدنا بعد الحرب الأولى فقد صرنا شهادة تاريخية. نحن وثيقة مسودة بالحبر الأسود.
أنهى الراوي دراسته الثانوية في حيفا، وهناك سمع أول مرة عن شاعر فلسطين عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) إذ كان يمر قرب بيته يومياً. وعن خزانة جدة الراوي، وهي خزانة صغيرة مقفلة طوال الوقت، ولم يجرؤ احد على فتحها حتى هي نفسها لم تفتحها، وكانت تقول إنها لن تفتح إلا في يوم القيامة. ثم لقاء فدوى حبيب في روما عند زاوية زقاق يطل على الفوروم الروماني القديم، وفدوى شاعرة ورسامة، وحديث هذيان. وإلى باريس ليجلس في المقهى الذي اعتاد جان بول سارتر الجلوس فيه، فصار يذهب إليه في كل صباح، وهناك اكتشف ان الوطن ليس مكانا ولا المنفى مكان، فالنوستالجيا هي ما يبقى، إلى ان حضرت فدوى لتمسك بذراعه وتشده إلى مطعم لبناني في قلب باريس حيث تعرض لوحاتها.
يشير الروائي دائما إلى ثقب كبير من ثقوب العدالة، فحاجز أصبح وطنا ودولة وشعباً وقومية وثقافة وحضارة وهوية: الاحتلال والبلادة أصبحا حالتين وطنيتين، الاحتلال والبلادة يخلقان شعبا من لا شيء. على حاجز قلنديا تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة. بهذا النفس الساخر المتشائل يمهد سلمان ناطور لعودته إلى حيفا، فهو يعود إليها ولا يعود، إذ ليس هناك مكان يمارس الانتظار مثل حيفا، مدينة كل ما تتقنه هو الانتظار، وأجمل ما فيها ينتظر، وأنت أيضاً تنتظر، فها هو الروائي واقع في غرامها: «حبيبتي حيفا»، جامعا في لوعة غسان كنفاني وفكاهة إميل حبيبي. وعلى هذا النحو يمضي سلمان ناطور قدما في سرد مأساة رحلته الصحراوية وينهيها، ولو موقتا، برسالة قصيرة إلى أبيه الذي غاب في يوم ماطر في 19 شباط 1991، وفيها سلام عليه وعلى من معه، وبه شوق يسجيه على كفن.
كتاب سلمان ناطور إسهام جميل في مسيرة الذاكرة الفلسطينية المعاصرة، ففيها يحدث تحولا في تقنية السرد، وعليها يؤسس لأدب فلسطيني حديث يرقى إلى مصاف جمالي مركز من دون ان يتخلى عن جدلية الوطن والمنفى عبر التداعي وتذكر الحياة الفلسطينية كما كانت قبل النكبة وما جرى في أثنائها، وما حل بمن بقي في فلسطين.