| 

حين عبرت الجسر، جسر الملك حسين، أول مرة في آب 1999 لم تكن رام الله المدينة التي كنت أحلم بها موطئاً لعودتي إلى فلسطين... كان الجليل مقصدي وهواي. وكان دخولي إلى فلسطين محدداً بمعبر جسر الملك حسين، فقد صدرت بطاقة هويتي في رام الله لأصير منذ ذلك الوقت ابناً للمدينة بعد ثمانية وأربعين عاماً من الانتماء إلى مخيم عين الحلوة في لبنان.
كانت رام الله في ذلك الوقت، بلدة صغيرة وجميلة ببيوتها الحجرية القديمة المهملة في معظمها جراء هجرة أصحابها إلى الأميركتين. وقلما يجد المرء عمارات ذات طبقات تزيد على السبع، وكانت «المقاطعة» البناء الأكثر مهابة في رام الله، وهو مبنى موروث من عهد الانتداب البريطاني آلَ مصيره ليصير مكتباً للرئيس الراحل ياسر عرفات، قبل أن يتحول أخيراً إلى ما يشبه القصر الرئاسي في عهد الرئيس محمود عباس.
سألني أحد الأصدقاء من سكان رام الله كيف أرى المدينة بعد سنوات قليلة من زيارتي الأولى عام 1999؟ قلت: أرى رام الله مثل فتاة في الثانية عشرة أو أقل، وقد دهمها النضوج الجنسي بشكل مفاجئ، وقد برز نهدان لها أشبه بحبتي خوخٍ لا كرمانتين، ولاحت أزهارُ نضوج في وجهها، وأخذت منها المفاجأة، فلا تزال في حيرة من نفسها ومن جسدها: هل هي طفلة، أم أنها صارت امرأة تفجرت أنوثتها على حين غفلة من أحلامها الطفولية بينما كانت تركض على التلال.
هذه هي رام الله التي، وهي تحث الخطى نحو انفجار الجسد بصخبه وألوانه وصراخه الفاضح، تحاول أن تنسى طفولتها الوديعة وتنتفض مثل فرس شهباء نحو عوالم الأنثى المتمردة على نفسها.
سألني محمود درويش مرة حين التقيته في مكتبه في مبنى مجلة «الكرمل»: من أين أنت يا نصري أصلاً؟ قلت له: من قرية الناعمة في الجليل. فقال بلهجةٍ تشبه الاستنكار: وتريد أن تعيش في رام الله! أم أنك جئت إلى رام الله لتكون قريباً من الجليل؟ قلت له: ربما في اللاوعي. ربما هذا هو القصد.
سينمائي فلسطيني من لبنان.