| 

احتلت منظمة التحرير الفلسطينية، منذ نشأتها، موقعاً أساسياً في المشهد السياسي العام للإقليم. وبينما فشلت محاولات أطراف عدة في خلق بدائل منها، نجحت قيادتها المتنفذة في «تغييبها» طويلا. في السنوات الأخيرة، كثرت دعوات استدعائها وإحيائها. أولاً، على خلفية انسداد مشروع السلطة الفلسطينية. وثانياً، على خلفية الانقسام والصراع على جبهة التمثيل السياسي. وثالثاً، على خلفية الحاجة الوطنية إلى أداة استنهاض ومواجهة التحديات الجديدة. ثمة من يراهن على عملية الإحياء لتشكل رافعة لخروج المشروع الوطني من أزمته.
منذ إعلان القاهرة في سنة 2005 في شأن المصالحة الفلسطينية، تباينت أطروحات إعادة الإحياء بتباين المرجعيات الأيديولوجية والسياسية لأصحابها، مع إدراكهم العميق للعقبات التي تحول دون ذلك. من هذه العقبات ما يتصل بالتغير الذي طرأ على البيئتين العربية والدولية في النظر إلى المنظمة ودورها ووظيفتها، وما طرأ على بنية النظام السياسي الفلسطيني من انقسام عزز التباين في رؤى التنظيمات الفلسطينية واجتهاداتها.

ثلاث أطروحات وأربعة تيارات
هناك ثلاث أطروحات: أطروحة التفعيل، وتركز على إدخال بعض التعديلات بما لا يمس علاقات القوة في قيادة المنظمة، وبما لا يمس بالاعتراف الدولي بها، ومع التمسك ببرنامجها السياسي الحالي. وأطروحة إعادة البناء (التأسيس الثالث)، وتشدد على إدخال تعديلات جوهرية على المنطلقات والأسس والبرنامج والبنية التنظيمية وقواعد اتخاذ القرار. وأطروحة تجديد البناء، وترفض الإصلاح الشكلي والتدمير الكلي وتتضمن إصلاح البنى والبرامج والقواعد الناظمة، وتشدد على توسيع قاعدة التمثيل السياسي والاجتماعي، وتقترح الجمع بين وثيقة إعلان الاستقلال ووثيقة الوفاق الوطني كأساس سياسي.
تعكس هذه الأطروحات، تماماً كما هو التاريخ السياسي للمنظمة، تدافع أربعة تيارات سياسية وأيديولوجية في الحقل السياسي الفلسطيني: النزعة القومية الذاوية في أعقاب النكسة، النزعة القطرية وسياساتها البرغماتية التجريبية، النزعة اليسارية المراوحة بين الاعتدال والمغالاة، بين الصعود والانكفاء، وأخيراً النزعة الإسلامية التي تحولت على يد حركة «حماس» إلى أيديولوجيا طاغية وجياشة لا تسعى إلى استلام السلطة فحسب، وإنما ترغب في إعادة صياغة قواعد النظام وأسسه ومرجعياته بالكامل.
تكشف القراءة المعمقة لصيرورة التاريخ السياسي للمنظمة، والمعبر عنها بتدافع التيارات المذكورة، عن أن التحولات الكبيرة التي طرأت على بنية المنظمة وخطابها وسلوكها، لمجاراة الواقع أو التكيف معه، نجمت أساساً عن تأثير المتغيرات الإقليمية أكثر من أي عامل آخر.

البحث عن الذات (1948 1968)
بدأت رحلة البحث عن الذات باستيعاب الصدمة الناجمة عن الاقتلاع والتشريد. وشكل تأسيس منظمة التحرير في سنة 1964 إنجازاً سياسياً هاما، بينما شكّل التعلق بأوهام الانتصار من الخارج والفشل في إقامة كيان فلسطيني على ما تبقى من أرض فلسطينية الإخفاق الأهم في هذه المرحلة.
تزامن قرار تشكيل المنظمة مع بروز التطلع إلى الدولة القطرية وتكريسها كإحدى أهم الحقائق السياسية. وتوزعت مواقف الفلسطينيين ما بين الترحيب والتحفظ والرفض، لتعكس وعياً مرتبكاً ومشوشاً ومنقسماً، فبينما رآها البعض أداة تحرير، اعتبرها البعض الآخر أداة تآمر.
تعرضت المنظمة ما بين عامي 1968 و1969 إلى تغير كبير في بنيتها وهياكلها وبرنامجها. في الدورة الرابعة للمجلس الوطني تغير الميثاق ليصبح ميثاقاً وطنياً. وحلت الكوتا الفصائلية كأساس في تركيبة المجلس الوطني. شهدت هذه الفترة ما سمي بنهاية المد القومي، بالإضافة إلى رغبة الفصائل الفلسطينية المسلحة، المنضوية حديثاً في إطار المنظمة، في التخلص من وزر التبعية للنظام العربي الرسمي أو وسمها بأنها صنيعته.
اعتُبر تأسيس المنظمة بمثابة نقطة تحول تاريخي في حياة الشعب الفلسطيني، إذ عكس الرغبة العارمة في إبراز الشخصية الوطنية المتميزة. لكن ذلك لم يحل دون تسجيل بعض التحفظات عليها من حيث تعارض ميثاقها ونهجها السياسي مع وقائع العصر، ومن حيث عدم انسجامهما مع موقف القوى التقدمية والثورية على الصعيدين العربي والدولي. كما أُخذ على المنظمة وقيادتها، التصريحات غير المسؤولة والتفرد، والمنطلقات الخاطئة وغير الديموقراطية في العمل والأهداف والأساليب.

تحقيق الذات (1968 1988)
حقق الفلسطينيون أهم إنجازاتهم المتمثلة في بناء تشكيلة اجتماعية اقتصادية متواصلة ومتفاعلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، رداً على استراتيجية الردع والتحييد التي مارسها الاحتلال. تجلت في هذه الفترة الواقعية الثورية وتوسيع المشاركة الشعبية واستقطاب الدعم العربي والتعاطف الدولي. لم يخل الأمر من إخفاقات؛ تآكل بنية منظمة التحرير وشيوع ظواهر البقرطة والفساد، وتوليد ديناميات التقويض الذاتي.
احتلت المنظمة مكانتها في الوعي الفلسطيني بصفتها كياناً معنوياً، وصارت إطاراً مؤسسياً للشعب الفلسطيني يدافع عنه، كما صارت أداة تحرر وطني. لكنها فشلت في التحول إلى جبهة تحرير وطني تحت تأثير الجغرافيا الطاردة، وتأثير عوامل ذاتية. ويُؤرخ أيضاً في هذه الفترة لبداية التداخل بين «فتح» والمنظمة، وبزحمة الأحداث السياسية وكثرة الصدامات، ومحاولة خلق بدائل لها. اضطرت المنظمة للتكيف مع مقتضيات التمثيل عبر تقليص المسافة بين الخطاب العربي الرسمي ومشروعها. وزاد التكيف بعد حرب أكتوبر. انتقلت من شعار الدولة العلمانية إلى إقرار وتبني البرنامج المرحلي (1974)، ومن التحرير إلى الاستقلال، فحظيت بالاعتراف العربي والدولي.
مع ولوج دهاليز السياسة الإقليمية والدولية، بدأ تراجع الأداء القتالي للقوى المشكلة للمنظمة، وباتت أقرب إلى النظام الرسمي منها إلى حركة تحرر وطني. وبرحيلها عن لبنان (1982) فقدت القاعدة الآمنة التي كانت توفر لها حرية التحرك وتضمن استقلالية قرارها. أفضى المسار السياسي على صعيد التسوية إلى انقسام جديد بدأ مع مشروع فهد للتسوية، وبخاصة بعد أن تحول إلى مبادرة عربية. انقسام «فتح» تحول إلى انقسام داخل المنظمة ذاتها، فأصيب العمل الفلسطيني بالشلل، بينما كانت قيادة المنظمة تبحث عن التسوية بأي ثمن، وفشل المعارضون لها في وقف هذا التوجه، في حين أن الوطنية الفلسطينية المتأججة في الأرض المحتلة حملت بشائر الإنقاذ.

محاولات تأكيد الذات (1988- إلى الآن)
شهدت بداية هذه الفترة أواخر ثمانينيات القرن العشرين ذروة المد الوطني، لتبدأ استراتيجية الفصل والتقييد بالممغنط (تقييد حركة السكان) وصولاً إلى خطة شارون. تمكن الفلسطينيون، في محاولة جريئة لتأكيد ذاتهم في عالم جديد، من تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في نشوء أول سلطة فلسطينية على الأرض الفلسطينية، لكنهم للأسف أخفقوا في الحفاظ عليها كمشروع دولاني، لينتهي بهم الأمر إلى الاقتتال عليها ولتتحول قيداً على حريتهم وحركتهم وتستخدم سبباً لانقسامهم وفرقتهم وتكريس الفصل بينهم. يخشى في هذه الآونة أن تستغل إسرائيل انشغال الإقليم في الذهاب إلى ما يعتبره البعض سياسة «الإجهاز والتبديد».
كرست الانتفاضة الأولى انتقال مركز الثقل في النضال الوطني نهائياً من الخارج إلى الداخل، وقد فتحت بذلك أمام المنظمة أفقاً للتحرر من ضغط المحاور العربية المختلفة، ولتدشن في نفس اللحظة - خصوصاً بعد أوسلو - بداية تنامي وتفرد تأثير العامل الإسرائيلي المقرر في مجمل الشأن الفلسطيني. وأنضجت الانتفاضة شروط تحول التيار الإسلامي وبروزه كمنافس قوي للمنظمة وكمركز استقطاب جاذب لتعبيرات الرفض. إلى ذلك، أعادت الانتفاضة تسليط الضوء على المنظمة ودورها وأعادت الاهتمام العربي بالقضية كأولوية. كما أعادت إحياء الجدل داخل منظمة التحرير حول موضوعة الإصلاح الديموقراطي وإعادة تشكيل المؤسسات على قاعدة التمثيل النسبي وإنهاء سياسات التفرد والاستئثار واعتماد مبدأ الكفاءة.
وضعت دورة المجلس الوطني (18)، التي تبنت برنامج السلام الفلسطيني، لأول مرة الحركة الوطنية الفلسطينية في حالة توافق مع الشرعية الدولية. وإثر الدعوة إلى مؤتمر السلام في مدريد وافقت قيادة المنظمة على المشاركة الفلسطينية في إطار الوفد الأردني، مبررة ذلك بضرورة النظر إلى المؤتمر بوصفه وسيلة للاتصال والتأثير وتجنب العزلة، وعدم ترك القوى الأخرى تتفاوض حول النزاع في الشرق الأوسط، ومركزه القضية الفلسطينية، دون وجود الفلسطينيين أنفسهم.
منذ عام 1994، أخذت السلطة الفلسطينية تحل محل منظمة التحرير في لعب دور الدولة قيد التكوين. واحتلت السلطة الموقع المركزي في عملية البناء المؤسسي والسياسي، محكومة بطبيعتها المؤسسية وعناصرها الاجتماعية وقيودها السياسية وبالظروف الإقليمية والدولية. ومنذ ذلك الحين، أضحت هي العامل الغالب في تحديد نوعية مشروع الدولانية الفلسطيني ومساره.
مع نهاية المرحلة الانتقالية (1999) بدا أن أسس قيام الدولة الفلسطينية، في ظل ظروف الشعب الفلسطيني آنذاك وموازين القوة في المنطقة ومستوى التأييد الدولي، لا تزال غير مستوفاة. فخطة التراكم التي سارت بموجبها المفاوضات لم تؤد إلا لنتائج محدودة، وأفسحت لتراكم معاكس لمصلحة وقائع خلقها الاحتلال على الأرض. ولذلك طالب البعض ببناء مقومات دولة وليس الإعلان عن دولة، وفق خطة سياسية تصحح الأخطاء السابقة وتفرض السيادة.
بعد اندلاع الانتفاضة الثانية وإبانها، أظهر تسارع الأحداث وتدهور الأوضاع مدى الحاجة إلى إعادة بناء نظام سياسي يقوم على مصادر أخرى للشرعية، ويعتمد الشراكة السياسية الحقيقية بديلاً للمحاصصة الفصائلية، ويكرس عمليات المساءلة والمراقبة ومأسسة القرار الوطني، ويعتمد الإصلاح السياسي الشامل مدخلاً لتحقيق ذلك.
بعد رحيل ياسر عرفات، راهن البعض على إمكانية الفصل بين السلطة والمنظمة، لكن سرعان ما سقط الرهان. قايض الرئيس محمود عباس الهدنة بالموافقة على إعادة إصلاح المنظمة (إعلان القاهرة). بعد فوز «حماس» وانقلاب غزة جرى استحضار المنظمة للاستقواء بها واستخدامها، دون العمل الجدي على إصلاحها واستعادة دورها وتفعيل مؤسساتها وتأكيد مرجعيتها على السلطة الفلسطينية.
في عام 2004، ولمواجهة خطة الفصل، طرح البعض مرتكزات خطة وطنية إستراتيجية تتمثل في توحيد الموقف على أساس التمسك بالأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض التعاطي مع خطة شارون. والمرتكز الثاني التمسك بالشرعية الدولية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن على قاعدة برنامج السلام الفلسطيني. هذا علاوة على ثلاث قضايا أخرى؛ تسريع الحوار الوطني، وقف تردي مكانة السلطة الفلسطينية، تفعيل دور منظمة التحرير ومؤسساتها.
في ظل الانقسام، انعقد المجلس المركزي أكثر من مرة، وانتظمت اجتماعات اللجنة التنفيذية وأعيد توزيع الصلاحيات داخلها، وحرص الرئيس عباس على إطلاع أعضائها على التطورات السياسية دون أن يصل الأمر حد المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات. في غضون ذلك، أثمرت جولات الحوار تشكيل «لجنة تفعيل المنظمة»، وغير ذلك مما ورد في اتفاق المصالحة.
شكلت لقاءات القاهرة (أواخر 2012، وأوائل 2013) نقلة نوعية على مسار المصالحة، بإضفاء طابع سياسي، لأول مرة، على موضوعات الحوار. فقد جرى الاتفاق على أن هدف النضال هو الدولة المستقلة في حدود الرابع من حزيران، وعودة اللاجئين، وأن المقاومة الشعبية تشكل خياراً ضرورياً في هذه المرحلة. وفي حين بدا أن الرئيس عباس يعتمد «نهج المواجهة» ضد إسرائيل، قدمت «حماس» دلائل أخرى على براغماتيتها السياسية. لم يجر تطبيق أي من بنود الاتفاق سوى تحديث السجل الانتخابي، بينما أثير لغط كبير حول دخول «حماس» منظمة التحرير الفلسطينية من عدمه. ووصف زعيمها خالد مشعل اجتماع الإطار القيادي المؤقت، أو لجنة تفعيل منظمة التحرير، بأنه التأسيس الثالث للمنظمة.

* كاتب وباحث من غزة.