| 

تبنت حركة حماس منذ نشوئها في أواخر العام 1987 موقفاً واضحاً من منظمة التحرير الفلسطينية، لا يتعدى الإشادة بدور المنظمة التاريخي في حياة الشعب الفلسطيني، من دون أن تحاول حماس تجاوز هذا الدور لتكون بديلاً منها، بعدما كان من شأن المنظمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وانتزاعها الاعتراف الدولي بها؛ فالاعتراف الدولي الذي حققته منظمة التحرير في عام 1974، ونالت صفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث أصبح من حقها أن تشترك في مناقشة جداول الأعمال وإبداء الآراء فيها، باستثناء حق التصويت والانتخاب وتقديم مشاريع القرارات، شكَّل أقصى ما أنجزه الكفاح المسلح والتضحيات العظيمة للشعب الفلسطيني، وهو إنجازٌ لم يكن لحماس أن تتجاهله. وعلى الرغم من موقف حماس الإيجابي من المنظمة، إلا أنها لم تعترف بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وباءت محاولات انضمامها إليها بالفشل، فمعوقات انضمام حماس إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لم تجد حلاً حتى بعدما أصبحت جزءاً من السلطة الفلسطينية.
وعلى الرغم من التناقض بين ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية ذي المرجعية الفكرية القائمة على العلمانية، وميثاق حركة حماس الذي يهدف إلى أسلمة المجتمع الفلسطيني وبناء دولة إسلامية، إلا أن ميثاق المنظمة لا يحدد المرجعية السياسية لجميع الفلسطينيين أينما وجدوا ومع انها تعتبر نفسها ممثلة لكل فلسطيني يؤدي واجبه نحو وطنه تبعاً لقدراته وطاقاته. وبالتالي كان من الممكن تجاوز الصراعات الفكرية، وقبول حركة حماس في إطار فصائل المنظمة، إلا أن العقبة الأساسية تكمن في اعتماد نهج المفاوضات كطريق وحيد لنيل حقوق الفلسطينيين. فقبول حماس بمنظمة التحرير على ما هي عليه الآن، يعني الإقرار بالميثاق الذي شكل المرجعية السياسية لجميع الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير مع «إسرائيل» وعلى رأسها أوسلو، وهذا ما يناقض أساس وجود الحركة، إضافة إلى ما قد يترتب عليه من فقدانها التأييد الشعبي الفلسطيني والعربي الذي نالته باعتبارها حركة مقاومة.
طالبت حماس بإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها، ووضعت شروطاً للانضمام إليها على رأسها إجراء انتخابات جديدة للمجلس الوطني، على أن تشمل الانتخابات جميع الفلسطينيين في داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات. فحماس لا تريد أن تكون جزءاً من المنظمة من دون أن يكون لها قدرة على التأثير في القرارات التي تتبناها المنظمة، ومن دون الانتخابات لا تأمل حماس في حصولها على موقع يمنحها القدرة على التأثير في قرارات المنظمة، وهو ما يثير ريبة حركة فتح.
تبدلت الأحوال التي مكنت فتح من السيطرة على منظمة التحرير، حيث كانت في طليعة الكفاح المسلح والحركات الثورية الفلسطينية. كما أن منظمة التحرير تبدلت وفقدت دورها التشريعي والرقابي وفعلها التغييري الناهض والمؤثر في حياة الشعب الفلسطيني، فمعظم مؤسسات منظمة التحرير أصبحت لاحقة بمؤسسات السلطة، وعلى رأسها جيش التحرير. ومع هذا فإن ظروف حماس تبقى مختلفة، فهي لا تزال تعاني الحصار الدولي عليها، وتجربة حكمها في غزة لا تبشر بالخير، فشعارات الإصلاح ومحاربة الفساد تلاشت، ومناصرو حماس أثروا مقارنة بباقي سكان غزة. كما أن السياسات الاجتماعية التي تنتهجها حركة حماس ولا سيما في ما يتعلق بحرية التعبير والحريات الشخصية ومحاولات فرض نمط اجتماعي إسلامي يذكر بحركة طالبان في أفغانستان، وانتهاج إجرءات بهدف أسلمة المجتمع بالقوة، فض القاعدة الشعبية التي أوصلتها إلى الحكم. فمطالبة حماس بتطوير المنظمة وملاحقة الفساد يتطلب صدقية لم تستطع حماس أن تقدمها خلال حكمها لغزة.
مع هذا يبقى تطوير منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها مطلباً فلسطينياً بالدرجة الأولى. ولا بد من تحقيق حد أدنى من التوافق ما بين فتح وحماس يؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها تفعيل منظمة التحرير أمراً واقعاً. والمعضلة المستمرة بين فتح وحماس سيبقى العائق الأول لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني. وإلا فإن النزاعات الدائمة ما بينهما سيُبقي المنظمة أسيرة الضعف وغياب الدور الفاعل، وستتحول إلى مجرد ذكرى جميلة مرت في تاريخ هذا الشعب.

* كاتبة من سوريا مقيمة في لبنان.