| 

في مناسبة حلول الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (والولوج إلى الخمسين) لا يزال سؤال يطرح نفسه بإلحاح متزايد: هل يمكن إصلاح المنظمة، أم أن المطلوب هو إيجاد منظمة جديدة بديلة، أم لا حاجة للمنظمة بعد الحصول على الدولة، أم أن المطلوب إعادة بنائها على أسس جامعة وديموقراطية وتعددية، بما يضمن شراكة حقيقية من مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الفلسطيني في جميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه؟
هذا السؤال، بل هذه الأسئلة الصعبة، ليس من السهل تقديم إجابة مقنعة وسريعة عنها.
وجّه توقيع اتفاق أوسلو ضربة قاصمة للمنظمة، لأنه فصل ما بين الأرض والشعب والقضية، وأدى إلى تقسيم الأرض إلى أجزاء، والشعب إلى تجمّعات، والقضية إلى قضايا ومراحل انتقالية ونهائية، وقدمت منظمة التحرير في «أوسلو» اعترافًا ذهبيًا بإسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية، وأبدت التزامها بالمفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، وما يعنيه ذلك من تخلٍّ عن المقاومة وأوراق القوة والضغط المتعددة، بما فيها اللجوء إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها؛ وذلك مقابل وعد بإنهاء التفاوض على القضايا الأساسية، والتوصل إلى تسوية خلال خمسة أعوام، وإقامة سلطة حكم ذاتي مقيدة بقيود غليظة، والاعتراف بالمنظمة والشعب من دون الاعتراف بحقوقه.
وزادت الطين بلة «التعديلات» التي أجريت على الميثاق الوطني التي كادت أن تنهي ما يجمع الفلسطينيين مقابل وهم بإمكانية قيام دولة فلسطينية، كان من المفترض أن تقوم في أيار من العام 1999، ولا يزال السقف الزمني مفتوحًا حتى الآن في أيار 2013 وإلى أجل غير مسمّى.
في هذا السياق، كان من الطبيعي أن يتراجع دور المنظمة بعد توقيع اتفاق أوسلو لأنه قزم الشعب والأرض واختصرهما في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعد أن اتضح للمزيد من الناس أن ما يجري هو تصفية وليس تسوية عادلة أو متوازنة للقضية الفلسطينية، ما أوصل المنظمة إلى حالة تشبه الشلل، وتقدّمت السلطة على حساب المنظمة، فأصبحت هي مركز ثقل العمل السياسي الفلسطيني، خصوصًا في ظل كون رئيس المنظمة يجمع معها رئاسة السلطة، وبعد أن أصبحت نفقات المنظمة بندًا فرعيًا من موازنة السلطة.

منظمة بديلة؟
إزاء هذا الواقع السيئ، جرت محاولات لتأسيس منظمة تحرير جديدة بديلة أو موازية من الفصائل العشر أو من شخصيات فلسطينية مستقلة، ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا، لأنها اصطدمت بقرار عربي ودولي يمنع إصلاح المنظمة وتفعيلها وتجديدها، كما يمنع إقامة منظمة تحرير جديدة أو موازية، لأن تفعيل المنظمة أو إيجاد منظمة جديدة يعرقل المخططات الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية. هذه التصفية بحاجة إلى بقاء المنظمة كإطار مشلول حتى توقع على التسوية (التصفية) باسم الشعب الفلسطيني، لأنه من دون هذا التوقيع لن تأخذ عملية التصفية الشرعية التي تحتاجها.
وبعد اتضاح وصول المفاوضات الثنائية إلى طريق مسدود، برزت الحاجة إلى المنظمة مجدداً، ما فتح الطريق لصدور «إعلان القاهرة» في آذار 2005 الذي اتفقت فيه فصائل المنظمة وتلك التي لا تزال خارجها، خصوصًا حركتي «حماس» والجهاد الإسلامي؛ على تفعيل وتطوير منظمة التحرير، من خلال تشكيل لجنة تضم الفصائل وأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة والأمناء العامين وشخصيات مستقلة وهيئة رئاسة المجلس الوطني للاجتماع من أجل التحضير لعقد انتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن ذلك، بحيث يشارك فيها جميع الفصائل، وبما يضمن ضم المنظمة لمختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الفلسطيني.
وبرزت الحاجة إلى المنظمة أيضاً بعد «انقلاب حماس» ووقوع الانقسام بعد حصولها على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي وتشكيلها حكومة بمفردها، مما دفع «فتح» إلى المنظمة التي لا تزال تقودها.
لم يُطبق «إعلان القاهرة» في ما يتعلق بعقد الاجتماع إلّا بعد توقيع «اتفاق القاهرة» للمصالحة الوطنية في 4/5/2011، الذي نصّ على تشكيل إطار قيادي مؤقت خلال الفترة الانتقالية التي تبدأ بتشكيله وتنتهي بإجراء انتخابات المجلس الوطني، وحدد الاتفاق صلاحيات الإطار القيادي المؤقت بدقة على أن تكون قرارته غير قابلة للتعطيل بما لا يتعارض مع صلاحيات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
لم يتم الالتزام بما جاء في اتفاق القاهرة، لأن ما تمّ تشكيله بعد ذلك هي لجنة تفعيل وتطوير المنظمة، التي اجتمعت خلال العامين الماضيين ثلاث مرات، وكانت لجنة استشارية لا تملك صلاحيات اتخاذ القرارات، وانحصر عملها بإعداد قانون الانتخابات للمجلس الوطني الذي لم ينجز بصورته النهائية حتى الآن، كما لم يتم تشكيل لجنة للإشراف على انتخابات المجلس الوطني، ولم يتم الشروع في تسجيل الناخبين الفلسطينيين المنتشرين في بلدان الطوق وفي مختلف أركان الكرة الأرضية، ولم يتم استكشاف مدى استعداد البلدان العربية والأجنبية التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين للموافقة على إجراء انتخابات المجلس الوطني على أراضيها، ما يعكس أن القرار بإجراء الانتخابات ليس جديًا أو ليس هناك استعداد لتحمل عواقبه في ظل استمرار الفيتو العربي والدولي والإسرائيلي على تفعيل وتطوير منظمة التحرير، فضلًا عن إعادة بنائها أو إيجاد منظمة تحرير جديدة أو بديلة.

إبداعات جديدة
إن تراجع دور المنظمة كأحد العواقب الكارثية لاتفاق أوسلو لم يقض على الوطنية الفلسطينية، بل أحدث فراغاً جرت محاولات لملئه عبر تشكيل لجان العودة الفلسطينية على امتداد العالم، وعبر نهوض الدور الوطني والنضالي للشعب الفلسطيني في أراضي 1948، ومن خلال أشكال وإبداعات نضالية لم تنقطع عبر لجنة المقاطعة ومقاومة التطبيع وتنظيم مقاومة شعبية بأشكال مختلفة، كان من أبرزها مقاومة قريتي بلعين ونعلين وغيرهما من البلدات والقرى والمخيمات، والتصدي المستمر للاستيطان والجدار، وصمود شعبنا في القدس، ومبادرات إقامة قرى باب الشمس والكرامة وأحفاد يونس وغيرها على الأراضي المهددة بالمصادرة والاستيطان، وموجات التضامن مع الأسرى الذين سطروا نماذج بطولية في الإضرابات عن الطعام التي تمكنت من جعل الأمعاء الخاوية تنتصر على الدولة المتفوقة عسكرياً والحاصلة على السلاح النووي، والصمود البطولي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة في وجه الحصار والعدوان العسكري، خصوصاً في العدوانين الأخيرين، في أواخر 2008 وبداية 2009، وأواخر 2012، حيث لم يحقق العدوان أهدافه وانتصر الشعب الفلسطيني بأسره وأحرار العالم لصمود القطاع ومقاومته الباسلة.

المشروع الوطني: لا إجماع
تأسيساً على ما سبق، فإن الاتضاح المتزايد بأن المشروع الصهيوني لم يغلق، وأن أهدافه وأطماعه جذرية لا تقبل التسوية والحلول الوسط، وفشل طريق أوسلو وما يسمى «عملية السلام» والمفاوضات الثنائية برعاية أميركية وعدم تحقيق الحد الأدنى من الحقوق والأهداف والمصالح الفلسطينية؛ يطرح مجددًا أهمية إعادة بناء أو إعادة تعريف المشروع الوطني وضرورة إيجاد منظمة جامعة وقيادة واحدة كطريق ضروري لإحياء القضية الوطنية. يعزز ما سبق أن الحصول على مكانة الدولة المراقبة في الأمم المتحدة تحقق في وقت متأخر وبعد أن أصبح تجسيدها على الأرض بحكم الحقائق الاحتلالية صعباً إن لم نقل مستحيلاً، ما يعني أن الدولة المراقبة لا يمكن أن تتجسّد حالياً على الأرض، وبالتالي لا يمكن أن تحل محل المنظمة على الأقل منذ الآن وحتى إشعار آخر.
يضاف إلى ما سبق أن المشــــروع الوطــــني لم يعد مجمعاً عليه: هل هو العودة والتحرير، أم إقامة دولة فلسطينية على حــــــدود 1967 وضمان حق تقرير المصير وحق اللاجئين بالــــعودة والتعويض، أم إقامة دولة مقابل التخلي عن حق العودة، أم إقامة دولة على ما تيسّر من أراضي 1967 على أساس أن «ليس بالإمكان أبدع مما كان»، و«إنقاذ ما يمكن إنقاذه»؟
أوضحت مسيرة المفاوضات منذ مؤتمر مدريد 1991 وحتى الآن أن إسرائيل لا تعرض وليس بالإمكان أن تعرض حلًا أو تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وأن الاحتلال خطر يستهدف الجميع ولا يفرق جوهرياً بين فلسطيني وآخر، بين «فتح» و«حماس» وغيرهما من الفصائل، بين معتدل ومتطرف، بل يستهدف الجميع، الأرض والشعب والحقوق، كما زيف التاريخ ويحاول مصادرة الحاضر والمستقبل.
إن هذا الواقع يطرح قاسما مشتركا من شأنه توحيد الفلسطينيين إذا توفرت الإرادة اللازمة لقياداتهم وعناصرهم الحية والفاعلة، لأن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، مع أهمية الاعتراف بالخصائص والظروف المختلفة التي عاشتها التجمعات الفلسطينية المختلفة بعد 65 عامًا على النكبة.
بعد أن جرت مياه كثيرة، وتولّدت مصالح متنوعة، خصوصًا بعد تأسيس السلطة في العام 1994 وانقسامها إلى سلطتين في العام 2007، أصبح الحفاظ على السلطة والصراع عليها بالرغم من أنها مقيدة بقيود غليظة والتزامات أمنية وسياسية واقتصادية واتضاح عدم وجود أفق لتحولها إلى دولة هو الهدف، فإذا تم الحديث عن إعادة الاعتبار للصراع باعتباره صراعًا بين شعب تحت الاحتلال والاحتلال؛ تتم الإشارة علنًا أو سراً إلى أن ذلك سيؤدي إذا ترجم على الأرض إلى انهيار السلطة وحرمان الموظفين وعائلاتهم والمستفيدين من السلطة - بصفتها المحرك الاقتصادي الرئيسي - من رواتبهم، وإذا تم التفكير بالتدويل حتى بعد الحصول على الدولة المراقبة يتم التحذير من الشيء نفسه وعواقب انهيار السلطة. وكذلك الأمر عند الحديث عن المقاومة أو المقاطعة بكل أشكالهما السياسية والجماهيرية والقانونية والإعلامية والشعبية والعسكرية. طبعًا إن هذا حدث ويحدث ما دامت نقطة الانطلاق والغاية هي السلطة، وسيبقى الوضع على حاله وفي ظل سياسة انتظارية إذا لم تتم مراجعة واقع السلطة وشكلها ودورها ووضعها في مكانها الطبيعي كمجرد أداة من أدوات المنظمة تستخدمها لتحقيق الأهداف الوطنية.
إن هذا يفرِض التفكير جديًا بأن تكون المنظمة وليس السلطة هي المدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لأن المنظمة لا تقع تحت تأثير الضغوط نفسها التي تقع السلطة تحت تأثيرها.
فإذا اتفق الفلسطينيون على إعادة بناء أو تفعيل المنظمة يمكن أن ينفذوا ذلك، لأن الاعتراضات الأميركية والإسرائيلية (والعربية) لن تتمكن من منع تطبيق ذلك، أما إذا قررت السلطة الواقعة تحت الاحتلال والمموّلة من تبرعات المانحين ومن أموال العائدات الجمركية الفلسطينية التي تجمعها الحكومة الإسرائيلية وتحوّلها للسلطة أي قرار لا يناسب الاحتلال والمانحين أو كليهما فإنها تتعرض للعقاب.
هذا لا يعني أن عملية إعادة بناء المنظمة ستكون سهلة ولن تعرض الفلسطينيين للضغوط والعقوبات، ولكن تأثيرها سيكون أقل، خصوصًا أنها ستشمل الشعب الفلسطيني كله، الذي يعيش أكثر من نصفه خارج فلسطين، أي ليس تحت التأثير المباشر للاحتلال.
لماذا إعادة البناء مطروحة على الفصائل الحالية وليس على فصائل وحركات اجتماعية جديدة فقط؟ لأن هذه الفصائل لا تزال تحظى بتأييد نسبة لا بأس بها من الشعب الفلسطيني ولا يوجد منافس جدي لها حتى الآن على الأقل، كما أن البرامج التي لا تزال تطرحها الفصائل رغم التنازلات والتراجعات تضـــــعها في تصــــادم، وإن بتفاوت، مع الاحتلال ومخططاته، ولأن برامجها تتضمن التزامها (وإن بشكل غير عميق ولا يترجم عملياً) بإعادة بناء أو تفعيل المنظمة وبتوحيد حركة الشعب الفلسطيني في إطار واحد، ولأن الفصائل والحركات الجديدة المنافسة جدياً لم تظهر بعد مع ظهور بوادر وإرهاصات لكنها لا تكفي لإطلاق عملية إعادة بناء جديدة للمنظمة بمعزل عن فصائلها أو بمواجهتها كلياً.
إن نعي القديم كليًا على الرغم من أنه لا يزال قائماً ومن دون ولادة الفصائل والحركات الجديدة قفزة في المجهول، بحيث ستحل محل الفصائل الشائخة والمهترئة العناصر المحلية والجهوية والعشائرية والفئوية والطائفية والفردية، وعندها سنندم حيث لا ينفع الندم.
وتحتاج المنظمة بعد أعوام طويلة من الترهل والشلل، وبعد ميراث نظام المحاصصة الفصائلي والتضخم الوظيفي البيروقراطي وتفشي الفساد والفئوية والفردية، وبعد تغير الظروف والمعطيات، إلى إعادة بناء ورسم خارطة سياسية فلسطينية جديدة تتناسب مع المتغيّرات والمستجدات، خصوصاً بعد فشل الاستراتيجيات المعتمدة وتغيير الميثاق من دون استكمال العملية ولا العودة إلى الميثاق القديم، ولا إلى بلورة ميثاق جديد يكرس الحقوق الأساسية، ويستجيب للخبرات والمستجدات، ويبني على الوثائق التي كانت محل إجماع ويعمل على تطويرها بما يوفر انطلاقة جديدة للقضية الفلسطينية وأداة تجسيدها المنظمة.
إن الحاجة أم الاختراع، والشعب الفلسطيني بحاجة إلى نهضة جديدة لإحياء قضيته الوطنية، وهذا يتطلب إعادة بناء المنظمة، وهو بدأ بالتحرك بهذا الاتجاه وإن ببطء، ولكنه سيتحرك بسرعة أكبر، وإذا تجاوبت القيادات والفصائل مع احتياجات التغيير والتجديد والإصلاح فأهلًا وسهلًا، وإذا لم تتجاوب فهي ستُغير إذا لم تتغير.

* المدير العام للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية - مسارات، رام الله.