| 

تتسم المرحلة الحالية لدى الفلسطينيين في مناطق 1948 بتكثيف الحراك السياسي والفكري الهادف إلى إعادة الارتباط بين حل القضية الفلسطينية وبين تحسن مكانتهم وأوضاعهم. وكان هذا الارتباط قد تعرّض إلى الاهتزاز أعوامًا طويلة، ووهن كثيرًا في إثر «اتفاق أوسلو» المبرم سنة 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي تمثلت حصيلته الأبرز بالنسبة إليهم في ترسيخ شعور الأغلبية الساحقة منهم بما اصطلح على تسميته «التهميش المزدوج»، أي تهميشهم على مستوى الشعب الفلسطيني، على غرار التهميش الذي كانوا وما زالوا يخضعون له على مستوى المجتمع الإسرائيلي.
وقد حدا هذا الأمر في حينه بهؤلاء الفلـــسطينيين إلى التــــحوّل نحو سيرورة النظر إلى أنفسهم، والبحث عـــن ســـبل تتيــــح إمكان المشاركة الفكريـــة الفاعلــــة في تقرير مصيرهم ومستقبلهم.
بمراجعة سريعة، يمكن القول إن هذه السيرورة مرّت حتى الآن بعدة مراحل، إلى أن بلغت مرحلة من النضوج خلال سنتي 2006- 2007 بالتزامن مع صدور عدة مبادرات فكرية في شأن الرؤى المستقبلية المنشودة، والتي شكلت تحولاً مهمًا في سياق محاولات متعددة ترمي إلى النأي عن صيرورة تهميشهم فلسطينيًا، وكذلك داخل وطنهم المغتصب. وقد ترتبت على هذه السيرورة عدة استنتاجات فكرية مهمة. ولعل أهم هذه الاستنتاجات هو ما أشار إليه عزمي بشارة في كتابه المرجعي «العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل»، وفحواه أن العرب في إسرائيل هم سكان البلاد الأصليون، وهم جزء من الأمة العربية التي تعيش حالة صراع مع إسرائيل، ومن الشعب الفلسطيني الذي تعرض لعملية سطو مسلح على أرضه شملت هدم مشروعه الوطني. وقد نشأت قضيتهم تاريخيا كجزء من القضية الفلسطينية، فلولا نشوء قضية اللاجئين لما نشأت مسألة «أقلية» عربية في الداخل. أما الممارسات الإسرائيلية التي تتضمن مصادرة أراضي العرب في الداخل ومحاصرتهم وتجميعهم ديموغرافيا، والعمل على إعادة تشكيل هويتهم الثقافية بما يتناسب مع احتوائهم كأقليات متنافرة متنازلة عن المساواة الكاملة وعن الشخصية العربية الكاملة في دولة يهودية... فهذه كلها ليست مجرد مركبات في سياسة تمييز، بل هي جزء من سياسة تشكل استمرارا تاريخيا لقضية فلسطين وتضع لنفسها أيضا أهدافا تاريخية. وهي ما زالت تجري وتنفذ بعقلية كولونيالية استيطانية إحلالية، وتتخذ شكلا كولونياليا أيضا.
تُعزى إلى عزمي بشارة، مؤسس حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» في أواسط تسعينيات القرن العشرين الفائت، أعمق التحليلات النظرية المتعلقة بكينونة الفلسطينيين في مناطق 1948 ومآلاتها وإحالاتها. وقد بُنيت عليها مواقف، وشكلت مرشدا لتجربة عملية انعكست في طرح مشروع وطني ديموقراطي في ظروف الداخل قائم على جدلية العلاقة بين الوطني والمدني، وبين الخطاب العروبي الفلسطيني والمواطنة.
وكان المنطلق الرئيسي لهذه التحليلات هو أنه لا يمكن أن نفهم مسألة الفلسطينيين في الداخل بنيويا فقط، أي بتجرّد عن تاريخ نشوء هذه المسألة، من خلال تحليل بنية دولة إسرائيل كأنها دولة وطنية عادية - هي الدولة اليهودية - تعيش فيها أقلية عربية تتعرض للتمييز أو الإهمال. كما أنه لا يمكن أن نفهم قضية عرب الداخل بالنهج التاريخي وحده، إذ لا يكفي فهم تاريخ تشكل القضية الفلسطينية وكيفية تحول الفلسطينيين إلى أقلية في بلدهم في فهم واقعهم الحالي. ولذا لا بُد من الدمج بين التاريخي والبنيوي.

نضوج فكري وديموقراطي
يرى خليل نخلة أن النضوج الذي يسم المرحلة الراهنة يشكل نضوجا فكريا ديموقراطيا، وهو يُرجع بداياته إلى مبادرات تحليلية مركزة ومتزامنة، سعت لإظهار العلاقات المعقدة والمركبة، بدءا بتحديد أعمق وأشمل للتــــساؤل «مــــن نحن؟»، مرورا بعلاقة الفلسطينيين في الداخل مع المجتمع اليـــــهودي في إسرائيل، وعلاقتهم مع التجمعات الفلسطينية في الأجزاء الأخرى من فلسطين، وانتهاء بتحديد علاقتهم مع التــــيار التحرري الوطني الفلسطيني ومع منظمة التحرير الفلسطيـــــنية، وعلاقتهم القومية مع الوطن العربي، ومع حركات المقاومة المنغمسة في داخله. وترجمت هذه المبادرات في عدد من الوثائق والدراســـــات، في مقدمها ثلاث وثائق رئيسية نجمت عن جـــــدالات مــــركزة ومتوازية بين مجموعات مختلفة من المثقفين والنــــــاشطين في العمل الأهلي والسياسي، خلال السنوات 2002- 2007. وتم نــــــشر هذه الوثائق رسميا ابتداء من منتصف 2006 وحتى أيار/ مايو 2007. وهذه الوثائق، بحسب تسلسل ظهورها الزمني، هي: «التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل» والتي تم إنجازها بمبادرة من «اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل»، و«الدستور الديموقراطي» الذي تم إنجازه بمبادرة من «عدالة - المركز القانــــــوني لحقــــــوق الأقليــــة العربية في إسرائيل»، و«وثيقة حيفا» الـــــتي تم إنجازها بمبادرة من «مدى الكرمل - المركز العربي للدراســــــات الاجتماعية التطبيقية».
بصورة عامة، ثمة وضوح وتجانس بين هذه الوثائق الثلاث بشأن تعريف الذات، بالرغم من وجود تفاوت في بعض المصطلحات المستعملة، وربما في الفكر الموجه لهذه المصطلحات. فوثيقة «التصور المستقبلي» تعرف فلسطينيي 1948 بالعبارات التالية: «نحن، العرب الفلسطينيون في إسرائيل، أهل الوطن الأصليون ومواطنون في الدولة وجزء من الشعب الفلسطيني والأمة العربية والفضاء الثقافي العربي والإسلامي والإنساني»؛ «نحن أهل البلاد الأصليين، تحولنا قسرا إلى أقلية في وطننا، ولنا علاقة عضوية وتاريخية بالوطن... ونحن جزء حي ولا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني»؛ «إن فلسطين التاريخية هي الوطن ووحدة المكان حتى وإن كان مجزأ سياسيا ومحتلا وممزقا... (و) نحن جزء من هذا المكان وهو يصوغ وعينا ولغتنا الأدبية ويبلور هويتنا...»؛ «نحن مواطنون عرب في الدولة، سكان البلاد الأصليين وجزء من الشعب العربي الفلسطيني المشتت في أرجاء العالم، وجزء من المنطقة العربية، ومساهمون في الحوار العالمي».
وتعرفهم وثيقة «الدستور الديموقراطي» على النحو التالي: «نحن العرب الفلسطينيون مواطنو دولة إسرائيل نعيش في هذا الوطن منذ القدم، هنا ولدنا وهنا تجذرت وترعرعت أصولنا التاريخية، وهنا تطورت وازدهرت حياتنا القومية والثقافية، مساهمين فاعلين في تطور الحضارة والتاريخ الإنساني كامتداد للأمة العربية والإسلامية وكجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني»؛ «نحن أقلية وطن».
أمّا «وثيقة حيفا» فتعرفهم كما يلي: «نحن، أبناء وبنات الشعب العربي الفلسطيني، الباقين في وطننا برغم النكبة، والذين تحولنا قسرا إلى أقلية في دولة إسرائيل...»؛ «نحن البقية الباقية من أصحاب الوطن الأصليين».
يؤكد نخلة أن هناك إجــــماعــــاً في الوثـــــائق الثلاث على بنود ومقومات التعريف للذات («الهوية الوطنية»)، انطــــلاقا من مرتكزات وطنية وقومية تم حصرها في: (1) القيم والحــــضارة الإنسانية، و(2) اللغة والثقافة العربية، و(3) الذاكرة الجــــماعية المستمدة من التاريخ الفلسطــــــيني والعربي ومن الحضــــارة العربية والإسلامية، و(4) العلاقة المتواصلة مع الأرض والوطـــن، و(5) تجربة النضال المستمر والمتــــصاعد لتأكيد حقــــنا في البقاء، و(6) التواصل مع أبناء وبنات الشعب الفلسطـــــيني، و(7) التواصل مع الأمة العربية. وبالتالي فإنه يصل إلى الاستنتاجات التالية:
÷ إن التعريف المطروح هنا هو تعريف مبادر وجازم وقوي وليس خجولا.
÷ إن تحديد وجودنا كأقلية وطن هو مصدر قوة، يضعنا في صلب تاريخنا، ويرسخ علاقتنا مع الأرض ويثبتها على أنها علاقة عضوية لها عمق حضاري، وعلى أن وجودنا هنا ليس صدفة تاريخية.
÷ التعريف يركز على أننا لسنا «شراذم» من شعب، لكن «بقية باقية» وعضوية منه، أصبحت هكذا قسرا، وليس طوعا، وإنما نتيجة تدخل استعماري من الخارج هاجم كيـــــاننا وتـــــغلغل في هيكلية مجتمعنا، وأصبح حـــدثا مفصلــــيا في تحــــديد مستقــــبلنا.
÷ التعريف يركز على أن لنا جذورا في هذه الأرض، وعلى أن لنا تواصلا وتفاعلا مستمرا مع أمتنا وحضارتنا الشمولية، وعلى أننا نتاج عضوي لهذا التواصل والتفاعل.
÷ إن تعريفنا هذا لذاتنا هو تعريف نقيض لطبيعة الأغلبية المهيمنة التي فرضت نفسها علينا باستخدام القوة العسكرية الإجرامية، واستعمالنا لهذا التعريف يظهر بالتالي أن علاقتها مع هذه الأرض هي علاقة وهمية وغيبية ومفتعلة.
÷ وفقًا لهذا التعريف، فإن حقوقنا تنبع من كوننا جزءًا من شعب، أصبح هكذا نتيجة غبن تاريخي، وأن هذه الحقوق لا يمكن أن تكون مجزأة، ويجب أن تعاد لنا كاستحقاق إنساني وحضاري وحتمي، ونرفض أن نحصل عليها من خلال التسوّل.

ماذا عن الاستحقاقات؟
في الوقت ذاته، لا بُد من أن نشير إلى أنه لدى تحليل ما جاء في هذه الوثائق المهمة بشأن نظرة الفلسطينيين في الداخل إلى الاستحقاقات المترتبة على تعريفهم لذاتهم، يتبين أن تلك النظرة لا تعكس مستوى الوضوح الذي تميز به التعريف نفسه، بل اتسمت بقدر من الغموض والمساومة، والتأرجح بين ما يجب أن يكون حقهم، وبين كيفية التعبير عن ذلك بصورة تكون مقبولة من السلطة المهيمنة. ونجم عن ذلـــــك كثير من الثغرات التي تحتاج إلى مقاربات جازمة أكثر. ومن هـــذه الثغرات مثلا قبول بعض الطروحات مبدأ تجزئة الشعب الفلسطيني، وقبول التسويات المتداولة لكل جزء من هذا الشعب. وفي هـــــذا السياق تم حصر مفهوم الاحتلال في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ 1967، وجرت المطالبة بحق تقرير المصير سياسيا لهذه المناطق، بموازاة المطالبة بحق تقرير المصير ثقافيا للفلسطينيين في إسرائيل، وذلك من منطلق كونهم غير محتلين، وكونهم أقلية وطن ومجموعة قومية لها حقوق مواطنة أساسية، تشمل فيما تشمل إعادة أراضيها المصادرة وأملاكها. كما تمت المطالبة بتحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لكن من دون تحديد «العودة» إلى أين؟، وهذا يبقي مفهوم الإقرار بالغبن التاريخي، الذي ورد في هذه الوثائق كمطلب يتعين على إسرائيل أن تقبل به، منقوصاً.
كما أن تعريف الوثائق للفلسطينيين في الداخل بأنهم جزء لا يتجزأ من شعب فلسطيني واحد يسعى للحرية والاستقلال، لم يقترن بطرح يقول بضرورة العمل على الوصول إلى إطار ديموقراطي واحد يحقق مطالب الشعب الفلسطيني بجميع أجزائه، من دون نفي حقوق الآخرين.
في واقع الأمر، فإن الحال التي يجد الفلسطينيون في الداخل أنفسهم في خضمها في الآونة الأخيرة، لا تختلف عن حال سائر أجزاء الشعب الفلسطيني. وهي ناجمة أساسًا عن افتقاد هذا الشعب قيادة سياسية تحظى بتوافق، ومؤسسات وطنية جامعة، وإستراتيجيا عليا تشرك كل مكوناته في النضال المتعدد المستويات. وتتسبب هذه الحال بتفتيت الحقل الوطني إلى «حقول محلية»، الأمر الذي يفضي إلى انغلاق مكونات الشعب الواحد في جزر معزولة عن بعضها البعض، ومكشوفة لسطوة شرطها الموضوعي.
ولا شك في أن هذه الحال إذا ما استمرت، من شأنها أن تنتج (إذا لم تكن قد أنتجت فعلاً) وضعًا من تعددية الإستراتيجيات والسلطات ومصادر القرار. وبالتالي يمكنها أن تبدّد القدرة على أن يحتكم الكل الفلسطيني إلى تعريف جمعي للمصلحة الوطنية العليا، والقدرة على الاتفاق على ركائز هذه المصلحة، كمرجعية وإطار عام لإستراتيجيا وطنية يتم التوافق عليها من طرف مكونات الشعب الفلسطيني ونظامه السياسي ومؤسساته.

* كاتب فلسطيني مقيم في عكا.