| 

تشير المراجعة النقدية لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية كما جسّدتها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية حتى الانتفاضة الأولى، إضافة إلى ظهور تيار الإسلام السياسي وبقائه خارج أطر المنظمة كقوة سياسية ذات قاعدة جماهيرية منظمة مناهضة للاحتلال وسياساته، إلى عدد من الأسس والموجهات التي توجب الاعتماد في عملية إعادة تأسيس منظمة التحرير ككيان وطني جامع وممثل لكل مكونات الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وخارجها. ومن الأسس الأهم التي تقترحها المراجعة ما يلي:
أولاً: على الحركتين السياسيتين الأكبر الحاضرتين في الحقل السياسي الوطني («فتح» و«حماس») إدراك أنه ليس بمقدور أي منهما التفرد بقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية أو الاستحواذ بتسيير مؤسسات منظمة التحرير أو السيطرة على مؤسسات السلطة الفلسطينية. لقد كشفت نتائج انتخابات المجالس الطالبية الأخيرة في عدد من الجامعات الفلسطينية هذا الاستخلاص.
يستدعي حال الحركة الوطنية الفلسطينية الراهن مبادرة القوى بتياراتها الثلاثة الرئيسة (تيار الإسلام السياسي، التيار الوطني الليبرالي، وتيار اليسار) التوصل إلى ما يمكن تسميته بـ«تسوية تاريخية» أو بميثاق وطني جديد. هذا أمر يستدعي أن يُعطى الأولوية قبل التفكير في عمليات إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وقبل توحيد مؤسسات السلطة الفلسطينية، وقبل إجراء انتخابات لعضوية المجلس الوطني أو انتخابات رئاسية وتشريعية للسلطة. وتتلخص الوظيفة الرئيسة لهذه التسوية التاريخية (والتي تتم عادة بين قوى تحمل منطلقات أيديولوجية متعارضة) بإعلان القوى الثلاث الالتزام باعتماد مبدأ الشراكة السياسية في تقرير الشأن الوطني وكناظم للعلاقة بينها. وهذا ليس أمراً صعباً إذا ما تمّ الانطلاق من حقيقة أن الشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة تحرر وطني وأن مهمته الرئيسة تتمثل في مقاومة الدولة الاستعمارية وسياساتها الاستيطانية القائمة على نهب الأرض وتشييد المعازل للمواطنين الفلسطينيين.
من ميزات هذه التسوية أنها تمكن من التوافق على إدارة وتنظيم العلاقة بين القوى السياسية المتباينة المنطلقات والرؤى من التشارك في صياغة استراتيجيات المواجهة مع الدولة الاستعمارية، وفي أسلوب اتخاذ القرارات بكل ما يخص الشأن الوطني في الحدود التي يتفق عليها. وفي الواقع فإن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشوئها وحتى اتفاق أوسلو، يشير إلى تغليبها المشاركة والتوافق بين مكوناتها السياسية والنفور من حالات التفرد والإقصاء وإدارة الظهر للآخر الوطني.
ثانياً: من الطبيعي أن تشمل التسوية التاريخية اتفاقاً على إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديموقراطية وطنية؛ وطنية بمعنى أنها تمثل (بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر حيث لا إمكانية للتمثيل المباشر) كل تجمعات الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وخارجها، وبمعنى أنها تشمل كل القوى السياسية التي تحظى بحضور وطني، وبمعنى أيضاً تمثيلها للتشكيلات الاجتماعية والطبقية. بتعبير آخر، لا ينبغي أن يقتصر التمثيل في مؤسسات منظمة التحرير (وبخاصة مجلسها الوطني) على القوى والتنظيمات السياسية (وفق قاعدة التمثيل النسبي)، بل وأن يشمل أيضاً تمثيل القطاعات والفئات الاجتماعية الرئيسة (من نساء وشباب وعمال ورجال أعمال، ومخيمات،...) وفق صيغ يتفق عليها. وهذا يستدعي، إن أردنا درجة متقدمة من التمثيل والتجديد الديموقراطي للهيئات القيادية وإخضاعها للمحاسبة:
أ ـ دمقرطة التنظيمات والأحزاب السياسية (من حيث انتظام مؤتمراتها، وتوفير أنظمة داخلية تتيح محاسبة هيئاتها القيادية، الخ)، ودمقرطة، وفق الصيغة ذاتها، للاتحادات والنقابات والهيئات المحلية (البلديات والمجالس المحلية) واللجان الشعبية (في المخيمات).
ب ـ اعتماد نظام التمثيل السياسي لعضوية المجلس الوطني (والمجلس المركزي إن وجدت ضرورة للمحافظة عليه) وفق دوائر تحدّد بالتجمعات الفلسطينية (الضفة، غزة، 1948، الأردن، لبنان، سوريا، الخليج، أوروبا، أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية)، حسب حجمها السكاني، وأن يتوفر لكل دائرة هيئتها القيادية المشكلة ديمقراطياً على أن تتمتع باستقلالية عالية نسبية في وضع برامجها النضالية في حدود البرنامج الجامع المقر من هيئات منظمة التحرير الجديدة.
ثالثاً: يستتبع ما سبق ضرورة الأخذ في الاعتبار خصوصيات الواقع السياسي والمجتمعي لكل تجمّع فلسطيني عند صياغة توجّهات العمل الوطني واستراتيجيات مقاومة الدولة الاستعمارية وسياساتها. فخصوصيات كل تجمع هي التي ترسم أشكال وطبيعة حراكه الوطني والوسائل التي بإمكانه استخدامها في مناهضة الدولة الاستعمارية وسياساتها، وفي صراعه من أجل حقوقه وتطلعاته الوطنية والاجتماعية والإنسانية. فمن الواضح أن هذه تتباين بين تجمّع وآخر، وإن جمعها الحراك من أجل حق تقرير المصير والحرية والكرامة الوطنية والحق في الحياة الإنسانية الكريمة. فصيغ مناهضة الاحتلال والاستيطان وجدار الفصل العنصري والتمييز ضد الأقلية الفلسطينية داخل الخط الأخضر تتعدّد وتتنوّع وتبقى منفتحة على ابتداع ما هو جديد (كما حصل في مسعى بناء قرية «باب الشمس» جنوب القدس المحتلة في المنطقة المخصصة لعزل جنوب الضفة عن وسطها (E1)، وفي مسعى بناء قرية «باب الكرامة» غربي القدس، وبناء قرية «أحفاد يونس»). وهذه تختلف عن طبيعة الحراكات والمبادرات الممكنة في الأردن ولبنان وسوريا ودول الخليج، وتلك القابلة للتطبيق في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية. ففي حين برهنت تجربة استخدام صواريخ أرض أرض بعيدة المدى ضد أهداف إسرائيلية نسبياً على فعاليتها في وقف العدوان الإسرائيلي، فإن هذا قد لا يكون ممكناً للتطبيق في الضفة الغربية أو في الأردن أو من قبل الأقلية الفلسطينية في إسرائيل. وهناك أشكال متنوعة في النضال ضد التمييز العنصري على جانبي الخط الأخضر. منها، على سبيل المثال، التظاهرة الشبابية التي جرت في آذار الماضي تحت تسمية «الحب في زمن الأبرتهايد». وهناك نشاطات لجان العودة والشتات المطالبة بتجديد الحركة الوطنية الفلسطينية وإطارها المؤسسي (م.ت.ف). وجرى، ويجري استخدام أدوات ثقافية متنوعة وسهلة السفر عبر الحدود (الصورة الفوتوغرافية والفيديو والفيلم والرواية واللوحة والأغنية والمقال والندوة، والقصة والرواية والقصيدة، الخ) لإبراز ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من تمييز وتنكيل وما يمارسه من مقاومة وصمود وإصرار على نيل الحرية. وهناك شبكات التضامن مع إحقاق العدالة للشعب الفلسطيني في أوربا والأميركيتين التي يمكن أن تضاعف من نشاطها في حال أعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية وبات خطابها السياسي والاجتماعي موحداً وواضحاً.
كما يوفر منح الجمعية العمومية للأمم المتحدة مكانة الدولة غير العضو لفلسطين، فضاء رحباً لمشاركة المنظمة في عضوية هيئات دولية متعددة، واعتمادها بالتالي، استراتيجية هجومية تستهدف عزل إسرائيل والمطالبة بفرض عقوبات دولية عليها. وتجدر الإشارة إلى أن القرار الأممي بخصوص دولة فلسطين ينص على الفصل بين مكانة فلسطين كدولة غير عضو وبين المزايا والمكتسبات الممنوحة لمنظمة التحرير. هذا يتطلب الحرص على تجنب افتعال تعارض بين المنظمة ومكانة الدولة في الأمم المتحدة، والحرص أيضاً على إدارة المنظمة نشـــــــــاطاتها وتحركاتها بما لا يتعارض مع القانون الدولي والمواثــــــــــيق الدولية من جهة، وبالتوافق مع تطلعات كل تجمع فلسطــــــــيني في سياق نضال الشعب الفلسطيني من أجـــــــــل حقوقه الوطنيــــة وبانسجام مع قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، من جهة أخرى.
رابعاً: تشير مراجعة تجربة منظمة التحرير قبل تأسيس السلطة الفلسطينية إلى الحاجة إلى وضع تدابير كافية لمنع ظاهرة التضخم البيروقراطي (بما يمثله من بطالة مقنعة وترهل وثقل ميت)، وضرورة إيجاد إجراءات رادعة لمنع بروز الزبائنية والريعية مجدداً، والحرص على عدم الوقوع في فخ «المحاصصة» (نظام «الكوتا») في تشكيل الهيئات القيادية للمنظمة والاتحادات والأطر الشعبية والنقابية لما يولده من تكلس ومن قيد على التجديد الديموقراطي. كما لا بد من أن تكون مؤسسات المنظمة الجديدة «رشيقة»، أي قادرة على التحرك السريع إزاء ما يستجد من أحداث وتطورات، وتشجيع الاعتماد، كسياسة دائمة، على العمل التطوعي والتمويل الذاتي، واستخدام خطاب سياسي بعيداً عن الشعاراتية والمبالغة والنفاق. كذلك من الضروري أن تتمتع منظمة التحرير الجديدة (ومكوّناتها السياسية والاجتماعية) بدرجة عالية من الانفتاح على المحيط العربي الشعبي وعلى القوى الديموقراطية الإقليمية والدولية انطلاقاً من أن أمام الشعب الفلسطيني مهمات شاقة وطويلة تستحق كل أشكال الإسناد والتضامن العربي والدولي الداعم لقيم الحرية والعدالة والمساواة.

* باحث وعالم اجتماع فلسطيني- رام الله.