| 

هو علم من أعلام فلسطين الذين ساهموا في نهضة العمل الإعلامي في الوطن العربي. يتذكر «مشواره» الطويل مع الإعلام بدقة وتأثر. وإذا كان لبنان نال الحصة الأكبر من جهد كامل قسطندي ورفاقه جراء هجرة الفلسطينيين عام 1948، إلا ان فلسطين ظلت الحاضر الأكبر في أعمال هؤلاء.
ولد كامل قسطندي في مدينة يافا عام 1925 في عائلة كبيرة ضمت الوالد والوالدة وثمانية أبناء، وكان الوالد الذي يعمل مدرساً للغة العربية المعيل الوحيد للعائلة. يروي كامل حبه للعمل الإذاعي الذي بدأ منذ الطفولة وهو يستمع مع والده، الذي تعلم في مدرسة ألمانية، إلى إذاعة برلين فعشق الصوت الصادر عن الآلة الخشبية الصغيرة (أي جهاز الراديو)، متمنياً أن يعمل في مكان مماثل يخرج فيه صوته على الملأ مثل صوت مذيع راديو برلين.

أولى المحطات: إذاعة الشرق الأدنى
خلال الحرب العالمية الثانية، جاءت الفرصة الأولى، عندما أنشأ الجيش البريطاني إذاعة في جنين للدفاع عن موقف الحلفاء ضد هتلر وموسوليني، ولأنه أحب القراءة والكتابة والأدب والشعر منذ الصغر، فقد قرر التقدم للوظيفة، وبالفعل نالها وبدأ العمل في الإذاعة التي كان المسؤول عن برامجها محمد الغصين ونائبه أحمد جرار وهناك التقى بصبري الشريف ابن يافا، الذي أصبح من أهم الذين عملوا مع الرحابنة في لبنان.
في هذه الإذاعة، بدأ «مشوار» كامل مع العمل الإذاعي، فتحقق حلمه بأن يصبح مذيعاً، بعد أن كتب قصة خيالية بعنوان «رحلة إلى جوبيتر» أعجب بها محمد الغصين، وعرض عليه أن يبدأ بإذاعة برنامج حديث الصباح في كل يوم عند الساعة السابعة صباحاً. ونجح صوت كامل الإذاعي نجاحاً أدهش الناس. ومن هنا بدأ العمل كمذيع إلى ان أصبح لاحقاً من المسؤولين السبعة الأساسيين في الإذاعة.
في عام 1947 قرر البريطانيون نقل الإذاعة إلى قبرص، ومع نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين، انتقل الموظفون إلى قبرص. وهناك أخذ العمل منحى مختلفاً مع مجئ ريكس كيتنغ، الخبير في العمل الإذاعي الذي أشرف على تدريب الموظفين بشكل مكثف وبما يشبه التعليم الجامعي من خلال محاضرات مطبوعة، وتدريب عملي طيلة سنة كاملة. وأصبحت إذاعة الشرق الأدنى الأولى بين الإذاعات العربية، «فإذا كنت في سيارة تاكسي في بيروت تسمعها، وإذا قصدت قهوة الفيشاوي في مصر تسمع الإذاعة».

الهدف التثقيفي
يعتبر كامل قسطندي أن عدم الوعي والجهل، سببان رئيسيان من أسباب خسارة فلسطين، «ولهذا أصبح التعليم أهم شيء في حياتنا، كنا نجتمع أحياناً، ابتداء من مدير البرامج ونائبه ومسؤولي البرامج السبعة، ونفكر كيف نستطيع عبر البرامج تثقيف هذه الأمة التي تسمعنا على مدى الوطن كله، وكيف ننتقي الناس الذين يساعدونا في هذا الأمر. «فإذاعة الشرق الأدنى كانت إذاعة رائدة بكل معنى الكلمة».
خلال عمله استضاف كامل قسطندي نخبة من مثقفي الوطن العربي أمثال عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم، والشاعر عبد الرحمن الخمسيي. ومن خلال مهمته كمسؤول عن قسم التمثيليات، تعرف إلى مجموعة كبيرة من الفنانين والممثلين وسجل العديد من البرامج منها مسرحيات يوسف وهبي. كما ان الإذاعة تعاملت مع العديد من الفنانين العرب أمثال عمر الزعني وميخائيل نعيمة، وسعيد عقل وغيرهم من الأدباء والشعراء والفنانين والكتاب. أما الرحابنة فعملوا في البداية في تأليف الإعلانات، ولاحقاً تبنّت الإذاعة الرحابنة وفيروز، عندما اقترح صبري الشريف ذلك، ما شكل انطلاقة جديدة في الموسيقى العربية.
هذا عن طبيعة العمل في الإذاعة، لكن ماذا عن القضية الفلسطينية، وماذا عن العمل مع البريطانيين؟
يقول كامل: «كان يصيبنا كشباب فلسطيني شعور تناقضي، فكيف نحب فلسطين ونحب أمتنا العربية، وفي الوقت نفسه نعمل في إذاعة يديرها البريطانيون؟». ويجيب، ان السبب هو لقمة العيش والحاجة إلى العمل. لكنه يؤكد إدراك الجميع لحقيقة المشروع الاستيطاني الاستعماري المنظم بمسؤولية إنكليزية، فعندما انتقلت الإذاعة إلى قبرص عام 1948، عمد المذيعون إلى بث خطب حماسية تهاجم اليهود والصهيونية تشبه الخطب التي كان يلقيها يونس البحري من ألمانيا. ولم يتدخل الإنكليز لأن مصلحتهم تتطلب بقاء الإذاعة.

الإعلانات المدفوعة
بعد انتقال الإذاعة من قبرص إلى بيروت في العام 1950، قرر الإنكليز إقفالها بسبب الأعباء المادية، فتدخل الموظفون محاولين إنقاذ الإذاعة، فطرحوا فكرة جديدة في حينها، وهي فكرة إعداد برامج دعائية، تجذب الأوروبيين والإنكليز، وتغطي عائداتها نفقات الإذاعة.
وبهذا دخل الإعلان المدفوع لأول مرة إلى البرامج الإذاعية، واستمرت الإذاعة. وتولى كامل قسطندي، الإشراف على تنفيذ هذا العمل من لندن، فعمل مستشاراً لشركات الإعلان وبدأ يكتب الإعلانات ثم يرسلها إلى بيروت كي يتم تسجيلها. وفي هذا الإطار، عمل معهم الرحابنة في أول إعلان غنائي عن دواء أسبرو.

الاستقالة الجماعية
احتجاجاً على العدوان الثلاثي عام 1956، قدم مراقبو البرامج في الإذاعة استقالة جماعية، فهم أصحاب التوجه الناصري، لم يتحملوا أبداً الهجوم على عبد الناصر وقناة السويس. يقول كامل، «كنا نشعر بالحاجة إلى قائد ينتشلنا من التراب، انتظرنا زعيماً يرفعنا...» وكان عبد الناصر هو القائد. وعبثاً حاولت الحكومة البريطانية ثني الموظفين عن قرارهم عبر الإغراءات المادية لكنها لم تنجح في ذلك. وهكذا انتهت رحلة محطة الشرق الأدنى، وانتقل الاستديو إلى محطة البي بي سي التي اشترته.
بعد الاستقالة، طلب سامي الصلح من موظفي الإذاعة تدريب المذيعين في إذاعة بيروت. كما اتصل نوري السعيد بالسفارة العراقية في بيروت، طالباً توظيف المستقيلين في محطة الإذاعة في بغداد. أما كامل فاختار العمل مع الممول الفلسطيني المعروف بديع بولص، من خلال إنشاء شركة التسجيلات الفنية عام 1957، التي قامت بتسجيل البرامج، بهدف بيعها لإذاعات الدول العربية الناشئة. وتألف فريق العمل من نزار ميقاتي وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وصبري الشريف وشقيقه سميح الذي تولى الناحية المالية.
وبدأ كامل يسافر إلى الدول العربية لتسويق البرامج المسجلة، وفي هذا الإطار يروي حادثة طريفة عندما زار بغداد في 13 تموز 1958 كي يوقع عقداً مع الإذاعة العراقية، أي قبل يوم واحد من الانقلاب الذي أطاح بالملك فيصل وولي العهد ونوري السعيد. وبدلاً من توقيع العقد، وجد كامل نفسه عالقاً في بغداد لا يستطيع مغادرتها، ولا الاتصال بعائلته. وجاءت الفرصة عندما طلب منه، بواسطة سميرة عزام، مساعدة الإذاعة العراقية الانقلابية في تدريب المذيعين الجدد، فصعد في إحدى المرات إلى المذياع، وقال «هذه نشرة الأخبار يقرؤها عليكم كامل قسطندي» فوصل الخبر إلى عائلته في بيروت.

استديو بعلبك وفرقة الأنوار
بعد النجاح الذي لاقته الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية، قرر بديع بولص إقامة استديو في منطقة سن الفيل باسم استديو بعلبك. وخلال العمل في الاستديو، أنشأ سعيد فريحة فرقة الأنوار للرقص الشعبي، فتولى نزار ميقاتي الإخراج، وتوفيق الباشا الموسيقى، فيما تسلم كامل الأمور الإدارية للفرقة. ولاحقاً أنشأ صبري الشريف والرحابنة شركة خاصة بهم، فيما أنشأ كامل شركة خاصة به، هي مؤسسة الأعمال الفنية. وخلال تلك الفترة، نفذ مسلسلاً لمؤسسة إنسانية أوروبية كبرى تحت اسم «دعيني أحاول»، يعتبره من أهم المسلسلات الإذاعية في ذلك الحين. ومع بداية الحرب في لبنان، حاول كامل تنفيذ مسلسل تلفزيوني بتصوير سينمائي كلف فيه المخرج هنري بركات، لكن الحرب توسعت، وتوقف التنفيذ.

مجلس كنائس الشرق الأوسط
لاحقاً تلقى عرضاً من البطريرك هزيم، بتسلم الإعلام المسيحي في مجلس كنائس الشرق الأوسط في بيروت، فقبل العرض وعمل معهم حتى العام 1989، حيث أنشأ استديو الإذاعة في كلية اللاهوت وزوده بمعدات الفيديو. وبدأ بالتخطيط لتنفيذ أعمال فيديو تتعلق بالتعاون المسيحي الإسلامي في التاريخ القديم والإسهامات المسيحية خاصة في حقل الترجمة، وأعمال تتعلق بالبيئة ومشاكلها.

العلاقة مع القيادات الفلسطينية
كإعلامي، لم تجمع كامل قسطندي علاقة مباشرة مع القيادات الفلسطينية، لكنه في أيام عبد الناصر، حين كان أحمد الشقيري على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، أنتج مع زملائه في الاتحاد الفني، صبحي أبو لغد وعبد المجيد أبو لبن وغانم الدجاني، بإشراف نقولا الدر المسؤول عن الإعلام الفلسطيني حينها، ومساعده راجي صهيون، مجموعة من البرامج عن فلسطين، تمّ بثها عبر الإذاعة المصرية.
أما اللقاء مع خليل الوزير، أبو جهاد، في عام 1982، فيروي كامل عنه: «أكثر شيء عجبني في أبو جهاد، أنه كان إنساناً مهذباً ولطيفاً، وكان يحمل ورقة في يده ليسجل الملاحظات، أي لم يكن فقط يسمع. واقترحت عليه إنشاء شركة إنتاج في أوروبا وأميركا، للوصول إلى المتلقي الأجنبي. واقتنع أبو جهاد بالفكرة. وفي الموعد التالي، بدأت إسرائيل باجتياح لبنان».

المتلقي الأجنبي
يؤكد كامل أن الهدف الرئيسي يجب أن يتركز حول كيفية الاتصال بالمتلقي الآخر. ويروي قصة في هذا الإطار، ففي عام 1974 جاء فريق من محطة السي بي أس (CBS) الأميركية، لتسجيل برنامج تحت اسم «The Palestinians» عن الفدائيين في منطقة جنوب لبنان، وهو أول برنامج تنتجه الولايات المتحدة على هذا المستوى. فسجلوا قسماً من البرنامج في منزله.
أما الطريف في الموضوع فكان مائدة الغداء التي أعدتها زوجة كامل تكريماً لفريق العمل وعندما حاولت المنتجة تصوير مائدة الطعام منعتها السيدة فيوليت ناصر من ذلك، وقالت لهم، أنتم ستأخذون هذه الصور وتقولون إن الفلسطينيين ينفقون أموالهم على الطعام وأنا لن أسمح لكم بالتصوير فهذه عاداتنا.
يضيف كامل «قررت الذهاب إلى نيويورك كي أفهم مدى التجاوب عن عرض البرنامج. ودعوت فريق العمل لحضور البرنامج معي في الفندق. بدأ البرنامج، وكانت أول صورة في بداية البرنامج لزوجتي فيوليت، وهي تقول بحدة، عندما سألوها عن «هؤلاء الإرهابيين»، أنتم تقولون عنهم إرهابيون، وليس لكم الحق بهذا، هم مقاتلون من أجل الحرية وليسوا إرهابيين.
«بعد نهاية البرنامج، قال المنتج إنه سمع على الأقل مئة ألف شتيمة عن الفلسطينيين، مشيراً إلى التجاوب الكبير مع البرنامج. وهذا أبلغته إلى أبو جهاد. وقلت له إذا لم ننتج أعمالاً كهذه فالأجنبي لن يشعر معنا»، فرغم الشتائم التي وصلت إلى المحطة، إلا ان الرسالة وصلت. «لقد أهدرنا أموالاً كثيرة كان بالإمكان استغلالها إعلامياً، لقد أتوا إلينا وأخذوا منا، لكننا لم نذهب إليهم».
حالياً يتابع كامل قسطندي برامج فضائية فلسطين ويرى أن برامج المحطة لا بأس بها، لكنه ليس التلفزيون الذي نسعى إليه كفلسطينيين، مستدركاً أن المحطة بحاجة إلى أموال طائلة تؤمّن استمرارية العمل وجودته، وهنا يتحدث عن ثروات العالم العربي... ويوصي بضرورة البدء بمشاريع إعلامية ضخمة، تماماً كما فعل الصهاينة، تقوم على إرسال طلاب إعلاميين إلى الخارج يعملون على بناء ثقافة القضية الفلسطينية، وإفهام الآخرين حقيقة قضيتنا. وهذه مهمة الأجيال القادمة.
كامل قسطندي، علم من بلادي، لم يحمل بندقية يوماً، لكنه بالتأكيد، قاتل من أجل فلسطين على طريقته الخاصة.

* جامعية فلسطينية من لبنان.