| 

أرسل إلينا المؤرخ الفلسطيني عبد الرحيم أحمد حسين (مولود في قرية الجورة في عسقلان سنة 1936) مقالة ينير فيها جوانب جديدة من تاريخ المقاومة في قطاع غزة؛ وهو ما تناولته مقالة الزميل خليل الشيخ في العدد 35 (آذار 2013) الموسومة بعنوان «قطاع غزة: شيء من تاريخه النضالي». والواضح من العنوان ان مقالة الزميل خليل الشيخ لا تدعي انها ستتناول تاريخ المقاومة في غزة كله، بل «شيء منه». ولعل مقالة الدكتور عبد الرحيم حسين تستجلب المزيد من المعلومات عن هذا التاريخ البهي.
بدأت مقاومة الاحتلال الصهيوني عام 1948. وكان قطاع غزة (362كلم2) مقرأ للاجئي الجنوب الفلسطيني من أسدود حتى عوجة حفير البالغ عددهم آنذاك نحو مئتين وخمسين ألف فلسطيني. وكان في طليعة المقاومة عبد الله أبو سته (أبو ماجد) قائد المنطقة الجنوبية منذ عام 1936، عندما رفع صوته لجمع الشباب الفدائي حوله طلباً للاستشهاد، وكان له ما أراد، وظهرت الخلايا المسلحة في أوائل الخمسينيات. ثم أتبعها أبو ماجد بتأليف «اللجنة التنفيذية لمؤتمر اللاجئين» عام 1950 وترأسها مع جمع من المخاتير وأصر على تسجيل اللاجئين بحسب قراهم ومدنهم وقبائلهم. وكان له ما أراد وحفظت القرى والمدن والقبائل هويتها الذاتية المرتبطة بالهوية الوطنية إلى يومنا هذا.
وكانت اللجنة التنفيذية لمؤتمر اللاجئين هي أول تنظيم للاجئين يعبر عن مطالبهم أمام وكالة الغوث والحكومة المصرية وجامعة الدول العربية. وقامت بحملات لمقاومة مشروع التوطين الأول عام 1954. ثم تفجرت الثورة المصرية في 23 تموز/ يوليو 1952، ولاقت ترحيباً منقطع النظير في غزة، وكان عبد الله أبو سته أول من أطلق اسم صلاح الدين الأيوبي على الرئيس عبد الناصر، وعلت أصوات اللاجئين والمواطنين تطالب بالتطوع للقتال. وكانت الثورة المصرية صادقة ولبت النداء الغزي، وتألفت أول كتيبة من المتطوعين الفلسطينيين في سنة 1953 في مدينة رفح، وتولى قيادتها القائمقام عبد المنعم عبد الرؤوف. وسرعان ما تزايد عديدها إلى ان أصبحت «اللواء 107» الذي اتخذ مقراً له في شمال مدينة خان يونس وكان يقوده اللواء يوسف العجرودي الذي أصبح في الستينيات حاكما عاماً لقطاع غزة وكان له شأن في انتشار الفدائيين مع مصطفى حافظ. وكان لهذا اللواء شأن مهم في معارك خان يونس في تشرين الثاني 1956، ولا سيما بطولات محمود أبو الكاس من قرية بيت داراس التي لا تزال ماثلة في الأذهان. وقد فقد العدو أعصابه بسبب المقاومة الشرسة، واندفع يقتل المدنيين بلا رحمة فسقط في ساعات قلائل في خان يونس ما يزيد على ثلاثمئة شهيد مدني. وفي ما بعد سمي هذا اللواء قوات «عين جالوت» التي صارت تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
بدأت طلائع العمل الفدائي المنظم تتصدى لهجمات العدو ولا سيما الهجوم على القوات المصرية في محطة غزة في شباط 1954، وقتل 28 جندياً مصرياً بين معسكر البريج وغزة، ثم مهاجمة مدينة خان يونس في 1/9/1955 ونسف مركز شرطتها وقتل من فيه من ضباط وأفراد.
كان العمل الفدائي منظماً ومسلحاً تسليحاً خفيفاً، وكانت المجموعات الفدائية تنطلق إلى داخل الأرض المحتلة بوحدات قليلة (2 ـ 3 فدائيين) فتضرب أهدافها ثم تعود. وقد ذكر المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية في أحد تقاريره أن عدد الحوادث بين 1948 و1956 في داخل الأراضي المحتلة بلغ 11650 حادثاً قتل فيها 1456 عسكرياً (قتل في حملة سيناء 1176 إسرائيلياً غير مدني). ويكفي العمل الفدائي في قطاع غزة فخراً ان يعترف شمعون بريز منسق العدوان الثلاثي عام 1956، بأن مصلحة العدو في العدوان الثلاثي كانت فتح طريق خليج العقبة امام التجارة الصهيونية، وتحطيم قوة الجيش المصري، والقضاء على هجمات الفدائيين من قطاع غزة. أما بعد العدوان الثلاثي فقد بدأت المجموعات الأولى لحركة فتح تظهر، ولو سراً، منذ سنة 1959 فصاعداً بحسب كلام الشهيد كمال عدوان. وفي عام الهزيمة 1967، ولدت المقاومة المسلحة مرة اخرى، وفسرعان ما اندس ابناء لواء «عين جالوت» بين أهليهم في مخيمات اللاجئين حاملين أسلحتهم، وراحوا يؤلفون الخلايا الفدائية المقاتلة. وفي تلك الفترة ظهرت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي عملت على تنظيم الشبان في غزة.
ساهمت هذه المقاومة المنظمة في تطور الوعي السياسي، وجرى تأليف أول مجلس تشريعي فلسطيني في غزة عام 1962 وكان الرئيس جمال عبد الناصر أرسل أول وفد لفلسطين إلى الأمم المتحدة عام 1961، وكان من بين أعضائه حيدر عبد الشافي وابراهيم أبو سته ومنير الريس. وعندما عقد في القدس المؤتمر الفلسطيني الأول في 28 أيار 1964 وانبثقت منظمة التحرير الفلسطينية، لم يكن غريباً ان يكون من بين أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني ثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية لمؤتمر اللاجئين. وليس من قبيل المفارقة التاريخية أن يكون قطاع غزة هو البقعة الوحيدة التي ظلت تحمل اسم فلسطين؛ فقد أزال الملك عبد الله الأول هذا الاسم عن الضفة الغربية وضمها إلى شرق الأردن منذ سنة ١٩٤٩.

(*)مؤرخ فلسطيني.