| 

في العام 1979، وبعد انتصار الثورة الايرانية، فازت الكتلة الاسلامية ولأول مرة في انتخابات مجلس طلبة جامعة النجاح الوطنية بعشرة مقاعد بنسبة 43%، فيما حصلت قبلها بعام على 3%. فحضرت الثورة الايرانية بالإضافة لعوامل أخرى إلى داخل الانتخابات بشكل لافت، وسيطرت الكتلة الإسلاميّة في نفس الفترة على جامعات الخليل والاسلامية والقدس منذ تأسيسها. واكتسحت كتلة «الشبيبة» انتخابات مجالس الطلبة بعد رحيل ياسر عرفات «أبو عمار»، ثم بعد ذلك بفترة قصيرة اكتسحت حركة حماس انتخابات المجالس البلدية والمجلس التشريعي، فلم يقل الصندوق يومها شيئاً، سوى أن الطلبة كانوا متعاطفين مع «الشبيبة» لرحيل «أبوعمار». وغني عن القول أن هذا التعاطف لا علاقة له بالسياسة، ولا ينتمي لها، فسرعان ما صب المجتمع أصواته لحركة حماس في الانتخابات خارج الجامعة، فلا المجتمع الطلابي استطاع قول شيء للمجتمع الأكبر ولا هو عكس رغبته السياسية آنذاك.
شكل صندوق الانتخاب لطلبة السنة الأولى معضلة الكتل الانتخابية. ففي فترة التسعينيات كان الصندوق يحسم لمصلحة حركة حماس، فيما يحافظ صندوق الانتخابات لطلبة السنوات الأخرى على ثباته لمصلحة كتلة «الشبيبة» في الغالب. انقلب الأمر في آخر عشر سنوات، فأصبح صندوق السنة الأولى يحسم لمصلحة «الشبيبة». هل يمكن الحديث عن طالب سنة أولى بوصفه القادم من المجتمع وحامل قناعاته قبل أن يتعرف عن قرب إلى الكتل الطلابية، مما يعني أن صندوق سنة أولى يشير لحضور المجتمع أكثر من حضور الكتل الطلابية؟!
في الانتخابات الأخيرة، فازت الشبيبة الطلابية، الذراع الطلابية لحركة فتح، في معظم انتخابات المجالس الطلابية في الضفة الغربية. تنافست 7 أجنحة طلابية تابعة للفصائل الفلسطينية في انتخابات جامعة بيرزيت التي يبلغ عدد طلبتها قرابة 8 آلاف، تجاوزت 4 من هذه الأجنحة فقط نسبة الحسم، حيث حصلت «فتح» على 23 مقعداً في المجلس الطلابي، مقابل 20 مقعداً لحركة حماس، و7 مقاعد للجبهة الشعبية، ومقعد واحد لتحالف جبهة النضال والمبادرة الوطنية - فلسطين للجميع، بينما فشلت 3 لوائح في تجاوز نسبة الحسم، وهي التابعة للجبهة الديموقراطية وحزب الشعب والاتحاد الديموقراطي الفلسطيني «فدا».
اليسار الفلسطيني خاض الانتخابات بخمس قوائم في بير زيت وستة في النجاح. وفضلا عن تجمد شعبية اليسار في الشارع، فإنه لم يكن قادرا على تشكيل كتلة جامعة لكسر ثنائية «فتح» و«حماس»، فيما غابت الجماعة الإسلامية، الذراع الطلابية لحركة الجهاد الإسلامي، عن الانتخابات، باستثناء انتخابات الجامعة العربية الأميركية في جنين التي خاضتها بالتحالف مع الكتلة الإسلامية، وأغلب الظن أن ذلك عائد إلى كون الجماعة الإسلامية لم تقم تمييزا صلباً بين ذراعها العسكرية والطلابية، فشهدت اجتثاثا من الاحتلال عن طريق الاعتقالات والاغتيالات لقيادات وكودار الجماعة الإسلاميّة.
تجمد الصراع الانتخابي، فليس هناك مفاجآت يقولها الصندوق، ما زالت الكتلتان الأبرز هما «حماس» و«فتح»، فبينما حصلتا على 85% من مجموع الأصوات في انتخابات المجلس التشريعي فلقد حصلتا على 90% من مجموع أصوات الطلبة، وكأن الواقع الطلابي لم يتأثر باخفاقات السلطة في ظل صراع وانقسام الحركتين، وكأن حرب غزّة التي خاضتها حركة حماس، لم تقدم ولا تأخر شيئاً.
أما في قطاع غزّة الذي توقفت فيه الانتخابات منذ أحداث الانقسام عام 2007، فقد أجريت انتخابات في الجامعة الإسلامية وحدها، وهي المحسوبة على حركة حماس، فشاركت فيها الكتلة الإسلامية أمام قائمتين في ظل انسحاب أبرز الفصائل، فحصلت على 80% من الأصوات، وهو ما يشبه حصول أحدهم على ترتيب الثاني في صف هو الوحيد فيه.

المجاديف التي تكسرت

منذ عام 1996، رفعت «الشبيبة» شعار «الشبيبة على يمين السلطة إذا أصابت وعلى يسارها إذا أخطأت»، وشكلت ذراعا طلابيا للسلطة، وبذلك لم يعد بالامكان لحركتها التخفف من أعباء السلطة وحساباتها، والسلطة بحكم تعريفها بنية محافظة، لا تكف عن إنتاج خطاب يحافظ على بقاء الأوضاع بقصد السيطرة عليها، وهذا ما حدث مع الكتلة الإسلامية لاحقا حين تحوّلت لماكنة تبريرية للسلطة في غزّة. وفيما كان اليسار يحاول التقدم، كانت قيادته لا تزيح ناظريها عن مخصصات منظمة التحرير التي لطالما استخدمتها الرئاسة الفلسطينية كأداة تأديب لفصائل اليسار. انضمت الكتل سريعا إلى الانتفاضة الثانية، وكانت مصدر خروج العمل العسكري بشكل رئيسي، إلا أنه كان مصدرا أشبه بالمخزن الذي يرفد العمل للاستمرار دون شق طرق جديدة تتجاوز توجهات قيادات الفصيل السياسي، فكان الفصيل يفيض على الإطار الطلابي بعدما كان الإطار يسبقه ويستكشف له مناطق جديدة لامكانيات الفعل.
كانت هذه الضربة الأولى التي وجهت لمجادف الحركة الطلابية، وهي العلاقة الاحتوائية بين السلطة والحركة منتجة إطاراً تابعاً، فيما كانت الضربة الثانية هي الملاحقة الأمنية، ففور إعلان الكتلة الإسلامية مشاركتها في الانتخابات كان هذا يعني مبدئيا أن القيادي في الكتلة الإسلامية سيغير مكان مبيته كل ليلة، دون أن يمنع ذلك من اصطياد الأجهزة الأمنية له، فيما منعت حكومة غزّة اجراء الانتخابات من أساسها.
وكانت الضربة الثالثة من الاحتلال، فقد ساهمت الاغتيالات والاعتقالات الواسعة في صفوف الحركة الطلابية في تكسير نشوء تواصل يراكم على إنجازات الحركة نفسها، فكأنما كل جيل يبني تجربته من جديد.
وحلت الضربة الرابعة من التمويل الأجنبي، الذي عمل على إعادة صناعة فئة الشباب وسلخها عن امتدادها الطبيعي في المجتمع، من خلال برامج ومؤسسات شبابية دأبت على نزع السياسي عن الممارسة الاجتماعية. وبذلك أصبح للشباب كفئة صفات خاصة واحتياجات محددة، ولغة تحاول أن تستقل بنفسها، تحاول أن تتقن الكلام تقنيا، وتحسبه إداريا في اختفاء واضح لروح العمل التطوعي، والذي هو عماد الحركات الوطنية، وفي إعادة تعريف للعمل السياسي وفصله عن مختلف النشاطات.

* باحث وناشط مقيم في رام الله.