| 

يظهر أن سياقًا عاما ينتظم فيه تأسيس الكتل الإسلامية الطلابية في فلسطين، يتمثل في صعود الإحيائية الإسلامية في المنطقة العربية في سبعينيات القرن الماضي، ويمكن ملاحظة التشابه ما بين دور الكتل الإسلامية الطلابية في تأسيس «حماس»، وإعادة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين المصرية من خلال طلبة الجامعات الذين أسسوا الجماعة الإسلامية في الجامعات المصرية ثم انضموا بها إلى جماعة الإخوان المسلمين بعد إفراج الرئيس المصري محمد أنور السادات عن عناصرها وقياداتها التي أودعها سلفه الرئيس جمال عبد الناصر السجون.
في تلك الفترة، وفي الجامعات المصرية، كان الدكتور فتحي الشقاقي يبلور تنظيمه الثوري الأول، من بعد خروجه من جماعة الإخوان المسلمين، وهو تنظيم الطلائع الإسلامية، الذي تحول لاحقًا إلى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي بدأت تبشر بخطها الفكري بعد عودة الشقاقي ومجموعته إلى فلسطين، سواء بين طلاب الجامعة الإسلامية في غزة، أو جامعة بيرزيت في رام الله، وهو الأمر الذي شكّل تحديًا لجماعة الإخوان المسلمين، وكان من العوامل التي دفعتها للتحول إلى العمل الوطني المقاوم.

تطور تشكيل الكتل الإسلامية

ثمة تزامن وتشابه في تطورات العمل الإسلامي داخل الأرض المحتلة وفي بلاد اللجوء والمهجر. ففي العام 1977 يشكل طلاب الإخوان الفلسطينيون في جامعة الكويت «كتلة الحق الإسلامية» برئاسة خالد مشعل، الذي أصبح لاحقًا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ثم يجري تغيير اسم الكتلة في العام 1980 إلى «الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين»، بينما تتأسس في بريطانيا في العام 1979 «رابطة الشباب المسلم الفلسطيني»، وفي كندا وأميركا الشمالية يتأسس في العام 1981 «الاتحاد الإسلامي لفلسطين»، حيث انضم إليه في العام 1983 الدكتور موسى أبو مرزوق، الذي تولى قيادة أول مكتب سياسي لحركة حماس.
أما في داخل الأرض المحتلة، فقد بدأ الإخوان المسلمون في تأسيس مؤسساتهم داخل قطاع غزة، ابتداء من المجمع الإسلامي في العام 1973، ثم الجامعة الإسلامية في العام 1978، وقد تزامن ذلك مع عودة الطلاب الإسلاميين إلى داخل فلسطين من الجامعات المصرية والأردنية ليشرفوا على تأسيس ما عرف لاحقًا بالكتل الإسلامية في الجامعات، ثم ليتحولوا بالعمل الإسلامي في فلسطين إلى العمل الوطني المقاوم، في صيغة «حماس» التي تولوا قيادتها، كما في حالات الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة في قطاع غزة، وفضل حمدان وحامد البيتاوي وإبراهيم أبو سالم في الضفة الغربية، والذين أصبحوا نوابًا عن حركة حماس في آخر انتخابات للمجلس التشريعي.
بدأ تأسيس الكتل الإسلامية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة مع بداية ظهور الجامعات الوطنية. فقد تأسست الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت عام 1978، وشاركت في الانتخابات لأول مرة في العام 1980 وحصلت على 42٪ من الأصوات، وفي العام نفسه تقريبًا تأسست الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح، وكان من أبرز مؤسسيها جمال منصور الذي اغتاله الاحتلال في انتفاضة الأقصى، واللافت أن الكتلة الإسلامية الوليدة تفوز في انتخابات مجلس الطلبة التي تزامنت مع ولادتها، ثم لتفوز في الانتخابات التالية أيضًا، ربما بأثر من التطورات الكبرى في المشرق التي عبرت عنها الثورة الإيرانية حينها.
أما بالنسبة لجامعة الخليل، والتي ابتدأت في العام 1971 بكلية الشريعة، ثم توسعت كجامعة في العام 1980، فيظهر فيها الحضور اللافت لإسلاميي فلسطين المحتلة عام 1948، أمثال الشيخ رائد صلاح الذي أصبح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 48، ونائبه في رئاسة هذه الحركة الشيخ كمال الخطيب، وقد فازت الكتلة الإسلامية في انتخابات الجامعة التي أجريت في العام 1981، وكان من أبرز قيادات الكتلة الإسلامية في مراحل لاحقة صالح العاروري، مؤسس كتائب القسام في الضفة الغربية، ثم عضو المكتب السياسي لحركة حماس حاليًا.
ومع تأسيس جامعة القدس، تأسست الكتلة الإسلامية فيها منذ كليتها الأولى، كلية العلوم والتكنولوجيا في العام 1982، وقادها من أصبح لاحقًا من أبرز قيادات كتائب القسام في الضفة الغربية مثل عادل عوض الله، ومحيي الدين الشريف، وغيرهما ممن ارتبطت أسماؤهم بالخلاف بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس في أواسط التسعينيات.
بينما كانت الجامعة الإسلامية في غزة الحاضنة الكبرى للطلاب الإسلاميين، والرافد الأساسي للحركة الإسلامية، ومركز الإسناد للكتل الإسلامية في الضفة الغربية التي عانت من مواجهات مستمرة مع الكتل الممثلة لفصائل منظمة التحرير. وقد تمكنت الكتلة الإسلامية في غزة من تأسيس جسم واحد لها، ومراكمة تجربتها ومأسستها نظرًا لظروف الاستقرار النسبي في القطاع. وجدير بالذكر أن إسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس في غزة، كان أحد رؤساء مجلس طلبة الجامعة الإسلامية.

هاجس إثبات الذات

كان يسيطر على الكتل الإسلامية في مرحلة النشوء ولبضع سنوات تالية هاجس إثبات الذات، وتحقيق الاعتراف من الكتل الطلابية الممثلة لفصائل منظمة التحرير، والتي فرضت حصارًا على الكتل الإسلامية الناشئة، وصل إلى حد رفض نتائج الانتخابات التي فازت فيها الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح في العام 1982، ومهاجمة أعضاء الكتلة الإسلامية في جامعة بيزيت عام 1983، ومهاجمة الجامعة الإسلامية في غزة في نفس العام في أحداث استمرت حتى العام 1984 الذي قتل فيه المحاضر في الجامعة الإسلامية إسماعيل الخطيب.
أدركت الكتل الإسلامية، بحكم المواجهة المباشرة مع فصائل منظمة التحرير، أن العمل النضالي الذي تتفوق فيه هذه الفصائل هو الطريق الوحيد لتحقيق الاعتراف، فاتخذت قرارًا بالمشاركة في كل المواجهات مع الاحتلال، وقدمت الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت أول شهداء الكتل الإسلامية في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 1986، وهما صائب ذهب، وجواد أبو سلمية، ما يجعل القول ممكنا إن هذه الكتل ومن داخل عموم الحركة الطلابية ساهمت في إشعال الانتفاضة الأولى التي جاءت بعد عام من هذه الحادثة. ومن ناحية أخرى شكلت هذه الحادثة أول اعتراف جدي بالكتلة الإسلامية على لسان مروان البرغوثي الذي كان رئيس مجلس طلبة جامعة بيرزيت في ذلك الحين.
كان للكتلة الإسلامية من خلال رئاستها لمجلس طلبة جامعة بيرزيت وفي إطار الحركة الطلابية، شأن مهم في قيادة التظاهرات التي تحولت إلى انتفاضة النفق عام 1996، وانتفاضة الأقصى أواخر العام 2000، بينما ومن بعد قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994، ومعارضة حركة حماس لها، كادت أن تصبح هذه الكتل هي الصوت الوحيد لحركة حماس، والدلالة الوحيدة على وجودها، وحتى العمليات العسكرية التي نفذت في هذه الفترة كان يقف خلف أهمها قيادات الكتل الإسلامية، وقد ساهم الاعتقال السياسي الذي استهدف أعضاء وقيادات الكتل الإسلامية في ذلك الحين من طرف الأجهزة الأمنية للسلطة في زيادة تعاطف طلبة الجامعات مع الكتل الإسلامية التي سيطرت على مجالس الطلبة إلى حد كبير، وحاولت إنشاء اتحاد عام جديد في عام 1999/2000 تحت عنوان «اتحاد مجالس الطلبة»، حيث كانت تسيطر على أغلب مجالس طلاب جامعات الضفة الغربية، إضافة إلى الجامعة الإسلامية في غزة، لكن هذه المحاولة فشلت في ظل معارضة كتل فصائل منظمة التحرير، والتي اعتبرت أن الاتحاد الطلابي الشرعي الوحيد هو الاتحاد العام لطلبة فلسطين.

تحولات في الخطاب والتحالفات

تطور خطاب الكتل الإسلامية من خطاب ديني اتهامي وانعزالي في أواخر السبعينيات، إلى خطاب مقاوم في التسعينيات، ثم إلى خطاب سياسي ناضج، تجلى في التحالف مع اليسار الفلسطيني في انتخابات جامعة بيرزيت عام 1993 تحت عنوان رفض اتفاق أوسلو، وفي جامعة النجاح عام 1994، وفي جامعة القدس عام 1995، مع وجود بعض التمايز النسبي بين تلك الكتل بحسب البيئة الاجتماعية والثقافية في الجامعات الفلسطينية.
بقيت الكتلة الإسلامية تتعرض لحملة أمنية شرسة من طرف الاحتلال، الذي صنفها كتنظيم محظور، وفرض أحكامًا عسكرية قاسية على أعضائها، وهي الحملة التي تصاعدت في انتفاضة الأقصى حينما انخرط أعضاء وقيادات الكتل الإسلامية في العمل العسكري بشكل واسع ومباشر، ما تسبب في تفكيك بنى هذه الكتل، وحرمانها من التواصل أو توريث التجربة ومراكمة الخبرة. وما أن خرجت الكتل الإسلامية في الضفة الغربية من هذه المرحلة منهكة، واندفعت في إدارة الحملة الانتخابية لحركة حماس في عامي 2005/2006، حتى بدأت في دفع فاتورة الانقسام الفلسطيني، بالاعتقال والملاحقة والتعامل معها ككتلة محظورة، وهو ما دفعها لمقاطعة الانتخابات والعمل النقابي عمومًا في العام 2009، ثم العودة المترددة في بعض الجامعات أخيرا.
إن التركيز على الإطار الطلابي لحركة حماس، من بين الأطر الطلابية للتيار الإسلامي، هو حضوره القوي في جميع الجامعات الفلسطينية، والشعبية الكبيرة التي يحظى بها، واستقرارها النسبي على الرغم من الظروف القاسية التي لا يزال يمرّ بها، وأثره البالغ في الحركة الطلابية والمشهد الوطني العام، بينما لم يظهر طوال السنوات الماضية تطور لافت في حجم الإطار الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي، وعلى العكس من ذلك؛ كثيرًا ما كان يغيب هذا الإطار، والذي عرف بداية باسم «الجماعة الإسلامية» ثم مؤخرا باسم «الرابطة الإسلامية» تماما عن المشهد الطلابي في بعض الجامعات، دون أن يتمكن من استثمار أزمات حركة حماس، خاصة من بعد الانقسام، وإن كان يبدو أن حضوره في جامعات القطاع يتماهى مع طبيعة وحجم حركة الجهاد الإسلامي فيه.
يشار إلى أن العلاقة التي جمعت الإطارين كانت غالبا هي الفتور، وأحيانا التحالف الانتخابي، ولم تصل إلى الصراع إلا في بدايات تأسيس حركة الجهاد، بينما لم يكن ثمة إطار طلابي إسلامي آخر سوى «كتلة الوعي» التي تمثل أفكار حزب التحرير، والتي لا تساهم في أي نشاط نقابي أو اجتماعي، وتكتفي بالدعوة إلى إقامة الخلافة الإسلامية وتحريم الديموقراطية!

* كاتب وباحث، جامعة بيرزيت.