| 

ثمة سؤال له ما يبرره، بصدد قادة حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة الأوائل، ولماذا انحصروا في القيادات الطالبية أمثال ياسر عرفات (أبو عمار) وصلاح خلف (أبو إياد) وخليل الوزير (أبو جهاد) وفاروق القدومي (أبو اللطف)؟
المعروف أن في العام الدراسي 50/1951، ظهرت «رابطة الطلبة الفلسطينيين» في جامعة فؤاد الأول («القاهرة» الآن)، بعد قبول 66 من طلبة قطاع غزة في الجامعات المصرية، في تشرين الأول/أكتوبر 1950. وبعد صعوبات أمنية، تم تأسيس أول رابطة للطلبة الفلسطينيين في العاصمة المصرية، القاهرة، وترأسها الطالب الشيوعي، صلاح الناظر، وأصدرت «الرابطة» مجلة غير دورية، حملت اسم «صوت فلسطين». وسرعان ما وسَّعت «الرابطة» دائرة عضويتها.
هيمن «الإخوان المسلمون» من أبناء فلسطين على «الرابطة»، في ما بين 1951، و1957، وظل فتحي البلعاوي يقودهم حتى العام 1954، حيث خلفه صلاح خلف، حتى العام 1957. واختار البلعاوي أعضاء الهيئة الإدارية للرابطة من «الإخوان»، وإن حرص على أن يترأس تلك الهيئة شخص من خارج الإخوان هو محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة، المشهور باسم بياسر عرفات.
في انتخابات «الرابطة»، للعام الدراسي 53/1954، تباهى عرفات بأن لائحة الإخوان إنما تنجح بفضل شعبيته هو بين الطلبة الفلسطينيين، ما دعا البلعاوي إلى اختيار عبد الفتاح حمود (أبو صلاح)، كي يترأس لائحة الإخوان في تلك الانتخابات، فيما شكل عرفات لائحة أخرى، أخفقت في الوصول إلى رئاسة «الرابطة»، ثم عاد عرفات لترؤس «الرابطة»، حتى تخرجه في كلية الهندسة في «جامعة القاهرة»، في العام 1956، بعد ثماني سنوات قضاها عرفات في الكلية المذكورة، فيما حرص البلعاوي على الاحتفاظ بموقع سكرتير «الرابطة»، حتى العام 1954، حين تمّ ترحيله إلى قطاع غزة، ليحل محله في أمانة سر «الرابطة»، صلاح خلف.
سرعان ما تشكلت روابط أخرى، في كل من الإسكندرية، وأسيوط، دمشق وبيروت. ودُعيت كبرى هذه الروابط وأعرقها وأعني بها رابطة القاهرة - إلى حضور مؤتمر «اتحاد الطلاب العالمي»، في براغ، في 29/10/1956، كعضو مراقب. وتألف وفد «الرابطة» من ياسر عرفات، وصلاح خلف، وزهير العلمي.
كانت رابطة القاهرة قد طالبت الرئيس المصري، جمال عبد الناصر بتجنيد أبناء فلسطين بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 28/2/1955، والانتفاضة الشعبية التي اندلعت بسببه، ما جعل عبد الناصر يلغي «مشروع سيناء» لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، ويشكل «الكتيبة 141»، من الفدائيين الفلسطينيين، بقيادة البكباشي (المقدم) مصطفى حافظ، وهي التي أوقعت في الإسرائيليين خلال بضعة أشهر- نحو 1400 قتيل.
في الذكرى الثانية عشرة لتقسيم فلسطين (29/11/1959)، تداعت «الروابط» الفلسطينية الى القاهرة لعقد مؤتمر الطلاب الفلسطينيين. وقد ضم المؤتمر مندوبين عن روابط القاهرة ودمشق وبيروت وحضرته وفود من اتحادات الطلاب العربية والأجنبية. وجعل المؤتمر هدفاً له «خلق الإنسان الثوري القادر على المشاركة في معركة التحرير، والإعداد للمعركة، وتوعية الشباب الفلسطيني» ما يشير الى طغيان السياسي على المطلبي.
بين العامين 1959 و1978، عقد الاتحاد ثمانية مؤتمرات له، أولها في القاهرة (1959)، وثانيها وثالثها في غزة في العامين 1961 و1963 على التوالي. وفي المؤتمر الأخير أقصيت الهيئة التنفيذية للاتحاد - ومعظم أعضائها كانوا ينتمون الى حزب البعث. وتشكلت هيئة تنفيذية مؤقتة، في سياق انفجار الصدامات بين «البعث» وعبد الناصر، غداة إخفاق محاولة انقلاب ناصرية في دمشق على حكم «البعث»، قادها العقيد جاسم علوان في 18/7/1963.
إذاً، كان للإخوان المسلمين الغلبة في «الرابطة» القاهرية الأم، حتى العام 1957، ليتسلّم «البعث» الراية حتى العام 1963، و«القوميون العرب»، حتى العام 1965، حيث قاسمهم القيادة قوميون ينتمون إلى «الطليعة العربية» و«ج.ت.ف.» الناصريتين.
بعد المؤتمر الرابع للاتحاد (1965) تلكأ القوميون العرب في تسليم وثائق الاتحاد وماليته للأغلبية الجديدة من عناصر «الطليعة» و«ج.ت.ف.». وعطَّل أعضاء الهيئة التنفيذية من القوميين العرب انتخاب رئيس جديد للاتحاد، خلفاً لتيسير قبعة. هنا، تدخل مسؤول الشؤون العربية في «المخابرات العامة» المصرية، فتحي الديب، واقترح طالباً من «الطليعة» رئيساً للاتحاد، هو محمد صبيح، الأمين العام المساعد للجامعة العربية، الآن.
عقد المؤتمر الخامس للاتحاد، في عمان (1969)، حيث انتقلت رئاسته إلى حركة «فتح»، وتولاها لمعي قمبرجي. فيما انعقد المؤتمر السادس في الجزائر (15/8/1971)، وانتخب صخر بسيسو رئيساً للاتحاد، وتمّ التجديد له في المؤتمر السابع في الجزائر (16/8/1974)، فيما عقد المؤتمر الثامن في بيروت (18 ـ 26/12/1978)، حيث انسحب أعضاء «الجبهة الشعبية» من الهيئة التنفيذية، فانفردت بها «فتح»، مع عضو لكل من الحزب الشيوعي، وحزب البعث في كل من سوريا والعراق.
أسهم «الاتحاد» في القضية الوطنية على نحو ملحوظ. كيف لا، و«الاتحاد»، ومن قبله «الروابط»، خلية نحل سياسية نشطة، بقيادة فتحي البلعاوي (49- 1954)، فصلاح خلف (54- 1957)؛ فحسن عبد المجيد (1956- 1960)؛ والبعثيين، بقيادة كمال الخالدي، فلطف غنطوس (1955-1963)؛ و«القوميين العرب»، بقيادة تيسير قبعة (1963-1967)، علاوة على الشيوعية بقيادة نديم نحوي.
لذا، لم يكن غريباً أن ينجح «الاتحاد» في تنظيم «ندوة فلسطين العالمية الأولى»، في القاهرة، في آذار/ مارس 1965؛ والندوة الثانية، في عمان، خلال أيلول/سبتمبر 1970، واستُكملت، في الكويت، بتأثير أحداث أيلول في الأردن، وجاء استكمالها في شهر شباط/فبراير من العام التالي.
منذ هزيمة 1967، تدفق الطلاب الفلسطينيون على معسكرات التدريب العسكري، وعلى فصائل المقاومة الفلسطينية، وقدموا آيات من الجسارة والفداء؛ في مقدمتهم الطالب الشيوعي مازن أبو غزالة، الذي انتمى الى حركة «فتح»، تحت وطأة هزيمة 1967. ولم يكن غريباً أن يتصدر قادة الحركة الطالبية الفلسطينية، في خمسينيات القرن العشرين، الفصائل الفدائية الفلسطينية، بدءاً من أواسط الستينيات؛ أمثال: ياسر عرفات وصلاح خلف وفاروق القدومي وهايل عبد الحميد، وتيسير قبعة. ومن الوفاء الاعتراف بالفضل لأهله.

* كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة.