| 

على مسافة أقل من كيلو مترين إلى الشرق من أشجار الزينة الوارفة في حدائق مستوطنة «معون» المقامة جنوب شرق الخليل، تجهد 12 عائلة مجبرة على الإقامة في مغائر وخيام مهددة بالإزالة في خربة «طوبا»، هذه الأيام، في توفير حاجتها وكفاية نحو 1700 رأس من الأغنام التي تقتنيها من مياه الشرب؛ ولاسيما أن آبار جمع مياه الأمطار بالمنطقة نفدت في وقت مبكر بسبب شح المطر. وقال الشاب خليل إبراهيم أبو جندية، الذي تعيش عائلته في «طوبا» قبل سنوات طويلة من إنشاء مستوطنة «معون» فوق أراض مغتصبة بالمنطقة عام 1982، أن الـ20 مترا مكعبا من المياه التي تقرب كلفة توصيلها 500 شيكل، تكفي حاجة العائلة ونحو 150 رأسا من الأغنام لمدة أسبوع فقط؛ بالرغم من التقتير القاسي في استخدامها، موضحا أن مشكلة توفير المياه تمثل أكبر «عقوبة» تفرضها قوات الاحتلال لإجبار الأهالي في «طوبا» (شرق بلدة يطا) على الرحيل.

تطهير عرقي

محنة الحصول على المياه التي تعيشها عائلة المواطن أبو جندية التي تضم (15 شخصا) ونحو 70 آخرين يقطنون المغائر والخيام المهددة بالإزالة بذريعة إقامتها من دون الحصول على تراخيص مسبقة، بالقسوة ذاتها وربما أكبر، يعيشها أهالي نحو 15 خربة أخرى شرق وجنوب الخليل يقيمون في مغاور وخيام وكهوف أثرية، كما قال رئيس مجلس الخدمات المشترك لريف يطا صابر حسين الهريني، مشيراً إلى أن سياسات «التطهير العرقي» التي ينفذها الاحتلال لتشريد ما يزيد على 1200 مواطن يقيمون في المنطقة تشمل إصدار إخطارات هدم وإزالة للخيام وحظائر الأغنام وآبار المياه وحتى لخلايا شمسية تزودهم بالكهرباء كانت قدمت بدعم من مؤسسة ألمانية خلال الأعوام الثلاثة الماضية لأهالي طوبا والتبان والمجاز والفخيت ومغاير العبيد. كما لفت إلى أن الأهالي في الخرب الخمس (عدا «طوبا» وخربة أخرى اسمها «المفقرة») سلموا إخطارات بالترحيل في شباط الماضي بزعم إقامتهم في «مناطق مخصصة للتدريبات العسكرية»، وهي إخطارات شملت 11 خربة جنوب وشرق الخليل يقيم قاطنوها في المغائر، بينها «بير العد» و «حلاوة» و«المركز» و«صفي» و«صارورة» و«جنبا».
وأوضح الهريني لـ«ملحق فلسطين»، أن خطة الاحتلال لترحيل المواطنين بالقوة من التجمعات السكانية الصغيرة حيث يقيم الناس «تحت الأرض»، تتجاوز الذرائع «القانونية» المصممة خصيصا لهذا الهدف؛ من طراز «نصب خيمة تظللهم من الشمس دون الحصول على ترخيص»، إلى تحويل المواطنين أنفسهم إلى «أهداف» لأشكال مختلفة من القمع؛ بما في ذلك مداهمة المغائر والخيام بذريعة التفتيش عن «مواد ممنوعة» واحتجاز المواطنين واعتقالهم بذرائع واهية؛ «كأن يدعي مستوطن بأنه تعرض للتهديد»! ومنعهم من ترميم مقاطع في الطرق الوعرة المؤدية إلى بعض الخرب (كما حدث مؤخرا عندما حاول أهالي «جنبا» ترميم هوّة في الطريق إلى الخربة)، إضافة إلى إطلاق أيدي عصابات من نزلاء 7 مستوطنات مقامة في منطقة المسافر للقيام بهجمات منظمة تشمل الاعتداء على رعاة الأغنام وتسميم بعض آبار المياه و«إعدام» أشجار الزيتون وإضرام النار في حقول القمح والشعير؛ مثلما حدث قبل أيام حيث أضرم مستوطنون النار في حقل مزروع بالقمح يعود للمواطن عمر أحمد أبو جندية من «طوبا».
في «جنبا» المهددة بالاقتلاع والتي «تلامس» خط «حدود عام 1967 شمال صحراء النقب، تقيم 31 عائلة تعتمد في عيشها على رعي الأغنام في كهوف أثرية من العهد الروماني (تصل مساحة بعضها إلى 50 مترا مربعا)، فيما يقول منسق اللجنة الأهلية في منطقة المسافر والمقيم في الخربة عثمان جبارين، إن «لا شيء مسموحا» من قبل سلطات الاحتلال؛ «لا البناء للخروج من عتمة الكهوف، ولا سقوف لغرف المدرسة الثلاث بغير صفائح الزينكو، وأيضا من غير المسموح بناء غرفة بمساحة تتسع لمولد الكهرباء الذي يضيء ليل الكهوف لمدة 3 ساعات فقط»!
وأشار المواطن جبارين في حديث لـ«ملحق فلسطين» إلى أن «هامش المسموحات» في «جنبا» التي سبق وهدم الاحتلال مساكنها المؤلفة من الطين والحجارة، وقتل عددا من قاطنيها قبل 15 عاما من احتلال الضفة (عام 1952 )؛ بغرض إبعادهم عن خط «حدود الهدنة»، إلى أن هامش المسموحات يتيح للأهالي التزود بالمياه عبر صهاريج محمولة (المياه في جنبا قد تكون الأغلى في العالم!) وبإحضار الطعام؛ مع مراعاة أن السماح بذلك يظل خاضعا لـ«التعليمات الأمنية»، وهي تعليمات «مطاطية» تشمل إغلاق الطريق المؤدية إليها بأكوام من الصخور الثقيلة، واحتجاز معلمي المدرسة التي تضم 35 طفلا وطفلة لساعات طويلة بهدف تعطيل الدراسة، ومداهمة الكهوف والخيام بذريعة التفتيش، واعتقال رعاة الأغنام واحتجاز قطعان منها بزعم تجاوزها الحدود، وكذلك منع ردم حفر في الطريق إلى الخربة بحصى «الباسكورس»، لافتا في هذا الخصوص إلى أن قوة من جيش الاحتلال احتجزت، قبل شهرين، 3 شاحنات جازف أصحابها بنقل كمية من «الباسكورس» لترميم مسافة قصيرة من الطريق؛ للتسهيل على سائقي السيارات تجاوزها، فيما لم تطلق سراحها، بعد احتجازها لمدة أسبوع في معسكر بمستوطنة «كفار عتسيون» المقامة جنوب بيت لحم إلا بعد «قبولهم» ( كشرط للإفراج عنها) إزالة أكوام الحصى التي نقلتها.

تعليم على إيقاع القذائف!

في هذا المجال، قال المعلم راتب الجبور، وهو أحد 8 معلمين يتناوبون على تدريس التلاميذ في خربتي «جنبا» و«الفخيت» ( تبعد الثانية عن الأولى 7 كم إلى الشمال) إن دوريات قوات الاحتلال المتجولة في «المسافر» تتعمد بصورة متكررة احتجازهم لفترات طويلة وهم على الطريق إلى المدرسة بقصد تعطيل الدراسة، موضحا أن رحلة الذهاب إلى المدرستين «غدت نوعا من التعذيب»، فيما يتلقى الأطفال الـ35 في «جنبا» دروسهم (تبعد المدرسة نحو 500 متر عن موقع للتدريب يستخدمه جيش الاحتلال) تحت أصوات القذائف وهدير محركات «الهيلوكبتر» التي تحلق على ارتفاع منخفض، عدا عن أن الجنود يتقصدون بصورة يومية تقريبا، قضاء وقت من الراحة بعربات « الهامر» أمام حجرات المدرسة.
في السياق ذاته، أشار الهريني إلى أن حال تلاميذ «جنبا» ليس أسوأ من حال تلاميذ وتلميذات «طوبا» الذين يقطعون مسافة كيلومترين مشيا على الأقدام للوصول إلى المدرسة في قرية التوانة، وهي قرية صغيرة تجاورها مستوطنة «معون» ومشمولة بالانتهاكات واعتداءات المستوطنين، حيث يضطرون للانتظار تحت حر الشمس أثناء عودتهم إلى مساكن عائلاتهم في الخربة؛ إلى أن يسمح لهم الجنود بتجاوز البوابة الحديدية المقامة على مدخل الطريق الترابية المحاذية للمستوطنة، مع الإشارة إلى أن «هامش المسموحات» من قبل الاحتلال، لم يتسع - بحسب الناشط في مقاومة الاستيطان شرق يطا حافظ الهريني - لإقامة مظلة من الصفيح لإيواء الأطفال الـ21 من لظى الشمس، حيث كانت قوات الاحتلال هدمت مظلة أقيمت لهذا الغرض قبل نحو 3 أشهر، بعد ساعة من إقامتها من قبل متضامنين أجانب يرافقون الأطفال على الطريق لحمايتهم من اعتداءات محتملة من جانب المستوطنين.
من بين المفارقات الطريفة والمأساوية في آن التي عايشها «تلاميذ الكهوف» من خربة طوبا، كما قال رئيس مجلس الخدمات المشترك في ريف يطا المقيم وعائلته في «التوانة» حيث يتعلمون، أنهم تعرضوا مع اثنين من المتضامنين الذين يرافقونهم للتنكيل على أيدي المستوطنين قبل عامين؛ ما استدعى نقل الأخيرين وعدد من التلاميذ الذين لم يفلحوا في الهرب إلى المستشفى في بلدة يطا.
في أحاديث منفصلة لـ«ملحق فلسطين»، قال الهريني وجبارين ومواطنون آخرون يحلمون بغرف ذات أبواب ونوافذ، إنهم يتطلعون إلى مزيد من الاهتمام، سواء من جانب الجهات المختصة في السلطة الفلسطينية أو المؤسسات الناشطة في مجال حقوق الإنسان، لتعزيز صمود المواطنين في التجمعات الـ15 المستهدفة بالترحيل، لاسيما أن بقاءهم، إلى جانب تمكين المواطنين من أصحاب الأراضي في مسافر يطا وجنوب السموع من زراعتها، يشكل «خط دفاع» قد يكون الوحيد في مواجهة عمليات التوسع الاستيطانية ووضع اليد بصورة نهائية على آلاف الدونمات في المنطقة.
في هذا الاتجاه، أشار المواطن جبارين إلى أهمية دعم المواطنين من سكان الكهوف لتمكينهم من توفير المياه والأعلاف لآلاف رؤوس الأغنام التي يقتنونها بأقل كلفة، فيا يلفت الهريني إلى ضرورة مساندتهم في كافة المجالات، موضحا أن الجهود من جانبه وزملائه في مجلس الخدمات المكلف بمتابعة احتياجات المواطنين بالمنطقة تشمل، هذه الأيام، حث مؤسسات مختلفة محلية وأجنبية على شق 11 كم من الطرق الترابية لتسهيل التواصل بين الخرب المختلفة، ولإقامة 3 مراكز صحية في «جنبا « و«الدقيقة» و«سوسيا»، ولاستكمال خط ناقل للمياه من الأنابيب البلاستيكية من خزان في قرية التوانة إلى خرب تقع إلى الجنوب، وأيضا لاستئناف مشروع لبناء مساكن من الطوب في «المفقرة» بمساعدة متضامنين أجانب ومنظمات دولية، كما تتواصل المساعي لانتزاع موافقة من سلطات الاحتلال على تزويد خربة «المفقرة» غير المخطرة بالترحيل بالكهرباء؛ غير أن نجاح كل المساعي يظل رهنا بامتناع الاحتلال عن إفشالها!
تبقى الإشارة إلى أن انتهاكات قوات الاحتلال الرامية لاقتلاع ساكني الكهوف من الخرب التي يقيمون فيها، كانت سجلت تصاعدا ملحوظا بعد إصدارها 16 أمرا عسكريا عام 1996 (في يوم واحد) تقضي بمصادرة نحو 200 ألف دونم جنوب بلدتي يطا والسموع لأغراض زعمت أنها «عسكرية»، ثم بعد عامين (في 16 تشرين الثاني 1998) ترحيل 83 عائلة من 8 خرب ونقلهم وأغناهم بالقوة وبواسطة الشاحنات العسكرية إلى قرية الكرمل القريبة من يطا، ما أدى بسبب ذلك إلى نفوق العشرات من رؤوس الأغنام؛ إلّا أن الأهالي تمكنوا بالتعاون مع لجنة الدفاع عن الأراضي في المحافظة من العودة عام 2000، وذلك بعد انتزاع قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية يقضي بذلك إلى حين البت بشأن الأوامر العسكرية بصورة نهائية.

* صحافي فلسطيني مقيم في الخليل.