| 

بعد 65 عاما على بدء «قصة هروب جماعية تحت النار» كان يتوهم أنها ستكون قصيرة، لا يزال «الفالوجي» العجوز خميس رصرص مسكونا بقريته، على الرغم من السنين الوعرة والطويلة التي يواصل مكابدتها مثل كثيرين من الأجداد والجدات في مخيم الفوار جنوب الخليل. الفلسطيني «رصرص» الذي يشارف عمره على 96 عاما وكان أضاع على دروب التشرد من «الفالوجة» إلى «الفوار» مفتاح المنزل و«كواشين الطابو»، لم تضع ذاكرته، وفيها الكثير من التفصيلات في قصة الصمود والمقاومة التي صنعتها قريته مع فرقة من الجيش المصري حتى نهاية شباط عام 1949 (كان يقودها في حينه الزعيم جمال عبد الناصر)؛ كما لم تضع الكثير من تفصيلات اللجوء الأولى، بما فيها الإقامة لفترة وجيزة في «واد الإفرنج» بين بلدتي إذنا وترقوميا (غرب الخليل)؛ ثم في وقت لاحق ولمدة 7 سنوات على الأقل، في خيمة واحدة «بثلاثة أعمدة»، برفقة زوجته وطفله وأسرة شقيقه المؤلفة من 5 أفراد وشقيقتهما أيضا.
من بين قلائل يعيشون الآن في مخيم الفوار، الذي يقطنه حاليا أكثر قليلا من 8 آلاف لاجئ تعود أصولهم إلى نحو 20 بلدة وقرية في مناطق الخليل وغزة وبئر السبع احتلت ودمرت من قبل العصابات الصهيونية إثر النكبة الفلسطينية عام 1948، وفيما بعد إثر «اتفاقية رودس» التي كرست حدود الهدنة عام 1949 (كما حصل لأهالي قريتي «الفالوجة» و«عراق المنشية» المتجاورتين بين مدينتي غزة والخليل)، شارك خميس رصرص عام 1958 في بناء المساكن الأولى من الطوب والصفيح، موضحا أن العدد الأقل من اللاجئين الذين حط بهم «الخوف من الموت» في الخليل ومحيطها، أقاموا في مخيمي الفوار والعروب جنوب وشمال المدينة، بينما أقام أكثرهم في المدينة وبلدات محاذية لـ«خط حدود النكبة».
المعطيات المتوافرة لدى وكالة الغوث الدولية ولجنتي الخدمات في المخيمين ومؤسسات مهتمة، تشير إلى أن معظم اللاجئين الذين حطت بهم دروب الشتات في المحافظة، تعود أصولهم إلى 16 قرية كانت تابعة قبل النكبة لقضاء الخليل، بينها بيت جبرين وعجور وزكريا والدوايمة وذكرين وتل الصافي ودير نخاس، إضافة إلى مدن وقرى من أنحاء مختلفة في فلسطين ما وراء «حدود الهدنة»، كالقدس والرملة وغزة وبئر السبع، وهم يقيمون الآن في المدينة ومخيمي العروب والفوار وبلدات أقرب إلى «حدود الهدنة» مثل دورا وبيت عوا ودير سامت والظاهرية وصوريف وإذنا وبيت أولا وترقوميا ونوبا وخاراس والرماضين، إضافة إلى أعداد أخرى، ولكن أقل، لجأت إلى بلدات يطا وسعير وحلحول والشيوخ ومناطق بدوية جنوب شرقي المحافظة.
بعد 65 عاما على بدء الشتات الفلسطيني، يقيم في محافظة الخليل، الآن بحسب بيانات وكالة الغوث الدولية 218733 لاجئا ولاجئة (52300 أسرة) مسجلين لدى الوكالة، بينهم 1300 يعيشون ضمن 57 أسرة مصنفة في خانة «العسر الشديد» وتتلقى إعانات غذائية ومالية «لا تزيد قيمتها للأسرة من 6 أفراد على 1000 شيكل، كل أربعة أشهر!»، كما أشارت عائلة هشام يونس العزة المقيمة في حي تل الرميدة بالمدينة، فيما تشمل خدمات الوكالة في المحافظة، وهي خدمات شهدت تقليصات كبيرة خلال السنوات الماضية، الإشراف على إدارة 28 مدرسة تضم 14548 طالبا وطالبة و6 عيادات صحية ثابتة وعيادتين متنقلتين، إضافة إلى إدارة «برنامج المال مقابل العمل» بالتعاون مع إدارتي مخيمي العروب والفوار والمجالس المحلية في البلدات حيث يقيم لاجئون، وهو برنامج ودائما بحسب الوكالة - تموله جهات دولية مانحة، بينها الاتحاد الأوروبي، وينتفع منه 1570 لاجئا في المحافظة.
في مخيم العروب المقام عام 1949 على 242 دونما إلى الشمال من الخليل، يقيم نحو 10500 لاجئ ينحدرون من 33 قرية وراء «حدود الهدنة» (نحو 40 في المئة منهم من «عراق المنشية» بحسب مدير المخيم عبد اللطيف أبو صفية)، حيث تدير وكالة الغوث الدولية مدرستين للذكور ومدرستين للإناث تضم نحو 2600 طالب وطالبة (وتوجد في المخيم مدرستان ثانويتان للبنين والبنات تابعتان لوزارة التربية والتعليم تضمان نحو 800 طالب وطالبة)، ومركزا صحيا ومركزا للأطفال وبرنامجا للشؤون الاجتماعية يشمل نحو 300 شخص يعيشون حالات عسر شديدة، حيث يشمل البرنامج تقديم طرود غذائية و10 دولارات نقدية لكل شخص يشمله البرنامج كل 4 أشهر، إضافة إلى إدارة «برنامج المال مقابل العمل» بالتعاون مع المفوضية الأوروبية، وهو يشمل تشغيل نحو 100 شخص ممن يعانون من البطالة في مؤسسات مختلفة بالمخيم، فيما يلفت أبو صفية إلى أن مشكلة البطالة تطال نحو 30 في المئة من سكان المخيم القادرين على العمل، بينهم العشرات من الخريجين الجامعيين.
وقال رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في المخيم أحد أبو خيران، وهي لجنة أهلية تابعة لدائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير الفلسطينية، أن إحدى أكبر المشكلات التي يعانيها المخيم المحاذي للشارع الرئيس (القدس الخليل) تتمثل في تكرار عمليات الدهم واقتحام المنازل التي تنفذها قوات الاحتلال بصورة يومية تقريبا، سواء بالتزامن مع مواجهات مع مجموعات من الشبان والفتية وتتركز في العادة في محيط مدخل المخيم، حيث تقيم قوات الاحتلال بوابة حديدية تتحكم في فتحها وإغلاقها منذ العام 2002؛ أو لغرض اعتقال مواطنين تشتبه بمشاركتهم في المواجهات. ويقدر مدير نادي الأسير الفلسطيني بالخليل أمجد النجار عدد المعتقلين من المخيم (حتى إعداد هذا التقرير) بأكثر من 31 مواطنا، نصفهم من الفتية الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما، بينهم الأسير ناجح بدوي مقبل المحكوم بالسجن مدى الحياة ويدخل عامه الـ 24 وهو في قيد الاعتقال، فيما بلغ عدد المعتقلين من مخيم الفوار 26 مواطنا، أحدهم بحسب النجار محمد عطية أبو وردة صاحب ثاني أكبر حكم بالسجن بين الأسرى والأسيرات الفلسطينيين، وهو محكوم بالسجن 5 مؤبدات و250 عاما!
من بين الانتهاكات الإسرائيلية الأبرز في مخيم العروب خلال الشهرين الأخيرين، فرض الإقامة الجبرية داخل المنزل على الفتى أحمد جوابرة (13 عاما)، وذلك بعد 18 يوما من إخضاعه لتحقيقات قاسية بتهمة مشاركته في رشق حجارة باتجاه جنود الاحتلال، وتنفيذ اقتحامات لعدد من منازل المخيم بحجة التفتيش عن مواد ممنوعة، وهي اقتحامات تستهدف، إضافة إلى اعتقال مواطنين، إلحاق أكبر قدر من الأضرار بمحتويات المنازل، كما جرى في منزل يعود لعائلة المواطن بلال أبو ريّا أثناء غيابها عنه في 22 أيار الماضي؛ حيث قدرت العائلة خسائرها بعد انتهاء «التفتيش» الذي ابتدأ بتفجير الباب الرئيس للمنزل وانتهى بتحطيم قطع من الأثاث والأجهزة الكهربائية بنحو 10 آلاف شيكل على الأقل.
إلى جانب المشكلات الناجمة عن تدابير القمع الإسرائيلية التي تطال سكان «العروب»، حيث سقط خلال الانتفاضتين الأولى والثانية 22 شهيدا، قالت مصادر اللجنة الشعبية التي يترأسها أبو خيران، وهي لجنة شكلت عام 1998 وتضم 13 عضوا، أن ارتفاع معدلي الفقر والبطالة بين سكان المخيم يمثل ثانية أكبر المشكلات، حيث ندرة فرص العمل التي يحصل عليها شبان المخيم تعود بالأساس حسب المصادر - إلى شكل من «العقوبات الجماعية» التي يفرضها الاحتلال بسبب المشاركة النشطة للسكان في المقاومة الشعبية (في إشارة إلى حرمانهم الحصول على تصاريح للعمل في القدس ووراء «حدود الهدنة»)، فيما تضيف التقليصات في خدمات وكالة الغوث صعوبات أخرى، لاسيما في أوساط الأسر التي يعاني أربابها من البطالة.
في حديث «أبو خيران» لـ«ملحق فلسطين»، أشار إلى أن تقليصات خدمات الوكالة في السنوات الأخيرة شملت البرامج الإغاثية والخدمات المتصلة بالتعليم والصحة، حيث طالت في مجال الأخيرة بالإغلاق مركزين للرعاية والطفولة والعلاج الطبيعي وخدمات طب الأسنان والفحوصات المخبرية وصور الأشعة والتحويلات الطبية إلى المستشفيات (انخفضت الأخيرة بنسبة 70 في المئة). وأوضح أن الجهود التي تبذلها اللجنة الشعبية للخدمات ومؤسسات أهلية أخرى بالمخيم لجهة التخفيف من المصاعب المعيشية (بينها اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين ومركز شباب العروب الاجتماعي ومركز البرامج النسوية وجمعية سيدات العروب الخيرية) كانت شملت خلال السنوات العشر الأخيرة بناء مدرستين ثانويتين للذكور والإناث وإنشاء شبكة للمياه وتحسين خدمة الصرف الصحي وتعبيد طرق وإنشاء صالتين للمناسبات وتقديم مساعدات للطلبة والأسر المحتاجة، فيما تدير اللجنة مشروعات قيد الإنشاء بدعم من مؤسسات حكومية وغير حكومية، مشيرا إلى مشروعات قيد الإنجاز لتعبيد 12 ألف متر مربع من الطرق داخل المخيم وعلى أطرافه بدعم من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالكويت، وإنشاء حديقة عامة وملعب لكرة القدم، إضافة إلى إنشاء 9 دفيئات زراعية على 9 دونمات، وذلك لتشغيل أيد عاملة وتوفير مداخيل تساعد اللجنة في مجال تحسين مستوى الخدمات المقدمة للسكان.
مضى 65 عاما على «قصة الهروب الجماعية تحت النار»، غير أن اللاجئين الأحفاد، كما الأجداد من مجايلي «الفالوجي» رصرص، لم ينسوا أن من بين الحقوق التي لا تسقط بالتقادم، ثمة أوطانا صغيرة ترابها من رفات الأسلاف.

* صحافي فلسطيني مقيم في الخليل.