| 

شكلت الحركة الطالبية الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية ولا تزال رافدًا مهمًا من روافد الحركة الوطنية في مناطق 1948. وكانت الحاضنة السياسية والفكرية لأكثر من رعيل من قادة فصائلها المتعددة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الحركة لم تحظ حتى الآن بدراسات كافية من جانب الباحثين في الداخل، بما يتيح إمكان تقييم دورها واستخلاص الاستنتاجات الفكرية المطلوبة من هذا الدور، سواء بالنسبة إلى الحاضر أو المستقبل. وكان هناك استثناء - قد يكون وحيدًا - يتمثل في البحث الرائد الذي أنجزه الدكتور مهند مصطفى بعنوان: «الحركة الطالبية العربية في الجامعات الإسرائيلية»، وصدر عن منشورات «جمعية اقرأ» في طبعتين: الأولى سنة 2002، والثانية سنة 2011، وقد غطى فيه جوانب عديدة من تاريخ هذه الحركة، وحاول أن يستشف موقعها ودورها في سياق التطور السياسي والفكري الذي شهده الفلسطينيون في الداخل منذ نكبة 1948 وما بعدها. وقد أشار مصطفى إلى أنه أدخل تعديلات على الطبعة الثانية من بحثه، مستفيدًا من النقد المهم الذي وُجّه إلى الطبعة الأولى، لا سيما من جهات سياسية وأكاديمية، ومن ناشطين كان لهم شأن في الحركة الطلابية. فأضاف الى الطبعة الثانية فصلا خاصًا يتناول التيار الإسلامي في الجامعات الذي تحوّل إلى مُرَكّب مهم وفاعل في الحركة الطالبية في الداخل، وعلى وجه التحديد خلال العقد الأخير.
وسبق أن أشرنا من على صفحات هذا الملحق (العدد 23، آذار/ مارس 2012) إلى أن سنة 1989 تشكل بداية انتقال الحركة الإسلامية في مناطق 1948 من مرحلة العمل الدعوي والمؤسساتي الأهلي إلى مرحلة العمل السياسي، وذلك عبر خوض انتخابات الحكم المحلي التي جرت في تلك السنة، وقد سجلت فيها نجاحا كبيرا أمام الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) وحلفائه، وأساسًا في منطقة المثلث عامة ومدينة أم الفحم خاصة التي أصبحت سلطتها البلدية منذ ذلك الوقت في قبضتها. وفي ما بعد شهدت هذه الحركة بين السنوات 1992 - 1996 جدلا داخل صفوفها بشأن إمكان خوض انتخابات الكنيست، تمخض عشية جولة انتخابات 1996 عن انقسام الحركة بين تيار يؤيد عملية الاشتراك في الانتخابات البرلمانية (الجناح الجنوبي) برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش، وتيار يعارض الاشتراك في الانتخابات (الجناح الشمالي) برئاسة الشيخ رائد صلاح. واقترن ذلك الحراك أيضًا بتأسيس الحركة الإسلامية «جمعية اقرأ لدعم التعليم في المجتمع العربي» والتي وضعت نصب عينيها، من جملة أهداف أخرى، هدف المساهمة في تنظيم هيكلة لجان الطلاب العرب والاتحاد القطري للطلاب العرب، وتفعيل أدوارها الأساسية، ومضاعفة جهدها في مجال انتزاع حقوق الطلاب العرب التعليمية والوطنية.

أربع مراحل

يرى مهند مصطفى أن في الإمكان تناول التطوّر الذي مرّت به الحركة الطالبية الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية في إطار أربع مراحل:
المرحلة الأولى، استمرت من أواخر خمسينيات القرن العشرين الفائت حتى بداية السبعينيات من القرن نفسه، وشهدت ظهور أول أنوية لنشاط الحركة الطالبية وأساسًا في «الجامعة العبرية» في القدس.
المرحلة الثانية، بدأت في أواسط السبعينيات واستمرت حتى أواسط الثمانينيات. وتشهد وقائع هذه السنوات على أنها كانت بمنزلة المرحلة الذهبية، التي شهدت تطوّر العمل الطلابي الجامعي في الداخل إلى مستوى رسوخ حركة طلابية منظمة ذات أجندة سياسية وطنية جامعية ومجتمعية.
المرحلة الثالثة، امتدت منذ أواسط الثمانينيات حتى أواخر التسعينيات، واتسمت بتراجع الحركة الطالبية وخمولها، وذلك تحت وطأة أوضاع داخلية، وأوضاع سياسية خارجية.
أمّا المرحلة الرابعة فكانت بدايتها في مستهل القرن الحادي والعشرين، ولم تكتمل بعد، وهي ما زالت تتسم بإعادة صوغ العمل الطلابي من جديد. وأكثر ما يميزها هو صعود التيار الإسلامي المتمثل في «كتلة اقرأ»، كعامل مهم ساهم في صحوة الحركة ككل، وإن لم يعدها إلى مرحلتها الذهبية.
في الوقت الحالي تتألف الخريطة السياسية للحركة الطالبية في الداخل من أربع قوى رئيسية هي: الجبهة الطالبية (تيار الحزب الشيوعي وحلفائه في الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة)؛ التجمع الطلابي الديموقراطي (تيار التجمع الوطني الديموقراطي)؛ كتلة اقرأ (التيار الإسلامي)؛ حركة «أبناء البلد». ومع أنه تجري سنويًا انتخابات للجان الطلاب العرب في شتى الجامعات والكليات وللاتحاد القطري للطلاب العرب، إلا إن كل قوة من هذه القوى تمارس نشاطها على حدة، ولم تتمكن جميعها بعد من أن تنضوي تحت راية حركة طلابية تكون قائدة لا تابعة لتياراتها السياسية.

«المرحلة الذهبية»

تضافرت عوامل موضوعية وذاتية عدة لجعل المرحلة الثانية مرحلة ذهبية في تاريخ تطوّر الحركة الطالبية الجامعية في مناطق 1948. ولا تزال هذه المرحلة أشبه بنقطة ضوء يمكن الاستفادة منها. ومهما تكن هذه العوامل، لا بُد من الإشارة إلى ما يلي:
أولاً، حرب حزيران/ يونيو 1967 التي تمثلت إحدى نتائجها في استئناف اللقاء المباشر بين الفلسطينيين في مناطق 1948 والفلسطينيين في منطقتي الضفة الغربية وقطاع غزة، اللتين احتلتهما إسرائيل في نهاية تلك الحرب. ووفقًا للكثير من الدراسات التي تناولت الحركة الطالبية في الضفة والقطاع، فإن تلك الحركة أخذت مع بداية سبعينيات القرن الفائت تؤدي دورًا مركزيًا ومهمًا. ويشير بعضها إلى أن هذا الدور انعكس في صنع القرار السياسي، وفي ريادة العمل الوطني، إلى درجة أصبحت فيها بمثابة محرّك جماهيري أساسي في مواجهة الاحتلال وترسيخ الهوية الوطنية. فضلا عن ذلك، فإنه في تلك الفترة أيضًا كان لمؤسسات التعليم العالي الفلسطينية دور مهم، حيث أن الجامعات شكلت حاضنة العمل الوطني، وعاملا مؤثرًا في مناحي الحياة الفلسطينية كافة. وتعتبر النخبة الفلسطينية السياسية والاقتصادية والثقافية الحالية نتاج الجامعات الفلسطينية، وأهمها في حينه جامعة بير زيت، التي انعكس بريقها على زخم الحركة الطالبية في الداخل وحراكها الجماهيري، لا سيما في منطقة القدس.
ثانيًا، منذ بداية سبعينيات القرن الفائت أصبحت عمليات التنشئة السياسية على الهوية القومية الفلسطينية في الداخل جارفة تقاوم كل تيار مناقض، أو حتى أي تيار مختلف معها، الأمر الذي فتح المجال أمام حدوث عملية تسيّس جماهيرية شاملة انعكست أكثر شيء في «يوم الأرض» (1976)، وفي سائر الأيام النضالية التي تلته وتلونت به.
ثالثًا، في تلك الفترة أيضًا، برزت مرحلة جديدة من الوعي الوطني فحواها الأساسي ضرورة تنظم الفلسطينيين في الداخل على أساس قومي للمطالبة بالحقوق القومية إلى جانب الحقوق المدنية (والتي تطورت في فترة لاحقة إلى مرحلة تحدي فكرة الدولة اليهودية). وقد تُرجم هذا الوعي ميدانيًا من خلال إقامة اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، والاتحاد القطري للطلبة الثانويين العرب (الذي كان للدكتور عزمي بشارة دور رئيسي في تأسيسه)، ولجان الطلاب العرب في شتى الجامعات الإسرائيلية، واتحاد لجان الطلاب العرب الذي انبثق منه الاتحاد القطري للطلاب العرب في نهاية السبعينيات. وعلى مستوى الحركة الطلابية، انعكست هذه المرحلة في الدمج الخلاّق بين السياسي - الوطني والمدني - النقابي. وقد جرى النظر إلى موضوع التنظم باعتباره الهدف الرئيسي الذي يتعين على الحركة الطلابية أن تسعى إليه، لكن وبالتدريج انزاح هذا الهدف تحت وطأة الصراع بين التيارات السياسية المتعددة، بصورة أصبحت فيها الحركة الطلابية في الجامعات الإسرائيلية رهن تطورات السياسة الداخلية، ما ساهم في تراجع زخمها، خصوصًا منذ أواسط الثمانينيات.

إلى أين؟

في سنة 2000 شهدت مناطق 1948 انتفاضة شعبية بموازاة الانتفاضة الفلسطينية الثانية عُرفت في ما بعد باسم «هبة أكتوبر»، وقد جرّت ولا تزال ردات فعل إسرائيلية غير مسبوقة على أي حراك للفلسطينيين في الداخل. وتشير ردات الفعل هذه إلى كونها متسمة بمنحيين متوازيين: منحى ترهيبي ومنحى احتوائي. ولا شك في أن المنحى الأول هو استمرار للسياسة الإسرائيلية منذ نكبة 1948 على مراحلها المختلفة. أمّا الهدف الرئيسي للمنحى الثاني، فإنه يتجسد منذ تلك الهبة في تواتر محاولات مسخ أو تشويه الهوية القومية والوطنية لهؤلاء الفلسطينيين، لا سيما هوية الأجيال الشابة التي اعتبرت «الأكثر قابلية للتطرّف» من وجهة نظر المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل، ومن وجهة نظر الأوساط الأكاديمية التي تعمل في خدمتهما.
هذه المحاولات تبدو مقرونة بتطورين: أولاً، رسوخ الهوية القومية والوطنية للفلسطينيين في الداخل؛ ثانيًا، تكرّس الوعي السياسي القائم على أساس تحدي فكرة الدولة اليهودية. ويمكن القول إن أبرز أدوات استهداف الهوية القومية والوطنية للأجيال الشابة من فلسطينيي 1948 هو القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية في شباط/ فبراير 2007 القاضي بتجنيد هؤلاء الشباب في إطار ما يسمى رسميا بـ«الخدمة الوطنية»، والتي تُسَوّق لدى المواطنين العرب على أنها «خدمة مدنية»، وبدأت بتنفيذه.
نظرًا إلى حقيقة أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تولي أهمية كبيرة لدفع برنامج «الخدمة المدنية» قدمًا، فمن المتوقع أن يكون أهم تحد ماثل أمام الحركة الطالبية الفلسطينية في الداخل، المطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بأن تستلهم أجواء تلك المرحلة الذهبية التي وازنت على نحو صحيح بين الوطني والمطلبي، وتوحدت من حول أجندة وطنية جامعية ومجتمعية واحدة.