| 

تشكل الحركة الطالبية مكان تكثيف الحركة المجتمعية، وهي بحكم فاعليتها تقود المجتمع نحو آفاق جديدة قاطعة مع الواقع الجامد، كما يمكن رصده منذ ثورة الطلبة في فرنسا عام 1968 مرورا بدور الطلبة الايرانيين، ولاسيما في الثورة والاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران، انتهاء بثورة اندونيسيا التي اطاحت سوهارتو بعد 22 عاما من حكمه. وامتدادا لهذا التكثيف الذي تقوم به الحركة الطلابية، انطلق «الربيع العربي» معلنا عن فاعل جديد عربيا اجتاح الحيز العام بقوة حضوره. كان هذا الفاعل هو ذاته الذي طالما وصف من المثقفين بالضياع والتيه، لذلك بقي المثقف مشدوها يراقب صناعة التاريخ بأيدي الشباب، فيما طرحت هذه الفاعلية سؤال الغياب؛ غياب شباب فلسطين عن الالتحاق بـ«الربيع العربي»، وهم الذين شقوا طريق العمل الوطني منذ العشرينيات، إلا أن هذا الدور تقلص حتى تحوّل إلى جزء من المشهد اللافاعل داخل مجتمع كفَّ عن إنتاج الحركة الخلاقة.
سنعرض ست اشكاليات ملتبسة، من شأنها إعادة الفاعلية الى الحركة الطلابية:
1 ـ اشكالية التبعية: لا شك في أن الذراع الطلابية تتبع لفصيلها، لكن هذه التبعية عليها أن تتحرر من العلاقة الهرمية التي تملي عليها دون أن تسمح لها بالاقتراح. لقد عرفنا عن الكثير من المبادرات لاندماج الكتل الطلابية تم تعطيلها بقرار سياسي خارجي، بالإضافة للعديد من المبادرات التي تم تقليمها من قبل القيادة السياسية خارج الجامعة. ويعود ذلك إلى علاقة الوصاية التي أصبحت تحكم العلاقة بين الفصيل وذراعه الطلابية، فيما كان سابقا دور الذراع الطلابية أكثر فعالية وابتكارا، بل إنه كان يسبق الفصيل ذاته، ويقترح عليه عمليا طرقا جديدة للمسألة الوطنية.
2 ـ اشكالية التحالف بين الوظيفي والإستراتيجي: فقد نقلت الأذرع الطلابية إلى داخل الجامعة تلك المشاكل التي أفرزها الانقسام، وهذا طبيعي في شكله الأول، لكنه حكم لاحقا شكل اتصالها ببعضها البعض، فلم يعد بالامكان الحديث عن تحالفات إستراتيجية تحكم نفس العمل الطلابي حتى بين تلك الأذرع التي لم تكن جزءا من الانقسام. وغني عن القول إن بناء إستراتيجية موحدة يحتاج لتحالف لا يقتصر على التحالف الوظيفي الذي غالبا ما يقام لغرض انتخابي. لقد تورط الفصيلان الأكبر بشروط السلطة التي تحد الحركة بطبيعة الحال، ولكن الحركة الطلابية متخففة من هذا الشرط، فعليها أن تفكر جديا في بناء إستراتيجيات موحدة، تتفق على المبادئ الوطنية العامة، وتخرج بكل جرأة ما هو خارج الصف الوطني وتعرّيه، بغض النظر عن خلفيته الفصائلية التي يتستر فيها. لا بد أن تلعب الحركة الطلابية هذا الدور التطهيري الذي يندفع دون التفكير بالموازنات الثقيلة، كما أنه اندفاع لا يغفل القدرة على الاحتمال بل هو يحاول أن يأخذها لمداها.
3 ـ اشكالية إعادة الإنتاج: حكمت الأذرع الطلابية دورها بسقف ما يتم طرحه على مستوى الفصيل خارج الجامعة، وبذلك لم تسمح لنفسها ولو تخيلا بتصور آفاق أخرى للعمل السياسي، كما أنها دأبت باستمرار على إعادة إنتاج خطاب الفصيل دون أية إضافة
4 ـ اشكالية الجسم الممثل: هناك حاجة لتفعيل الاتحاد العام لطلبة فلسطين وباقي المؤسسات الطلابية، ليكون هذا الجسم ممثلا لجميع الطلبة الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم. تاريخيا، حصلت رابطة الطلبة الفلسطينيين عام 1958 على العضوية الكاملة في «اتحاد الطلاب العالمي» الموالي للكتلة الاشتراكية وعضوية بصفة مراقب في «المؤتمر الطلابي العالمي» في العام 1962، وهذا يعطي انطباعا عن المثابرة والحيوية التي كان يشهدها العمل الطلابي على المستوى الدولي، وجرى التعبير عن هذا النفس الذي يحكم تلك التجربة، من خلال العمل الطلابي وصحيفة «طلاب فلسطين» تحديدا، حيث استطاع النشطاء الطلابيون تنظيم أعداد كبيرة من الشبان في العمل الثوري الفلسطيني.
إن إنشاء أجسام بديلة تحت ظل السلطة تحد من حركة الطلبة ولا تخدمها. يحضر إلى الذهن «مجلس الشباب الفلسطيني» الذي أنشأ عام 1997 وجمع كافة الأطر الفلسطينية داخله، ومن ثم تجمد بشكل سريع، خاصة بعد الانتفاضة، حين انتقلت له المشاكل البيروقراطية وحسابات الموازين السياسية التي تعاني منها الفصائل ومكونات السلطة.
5 ـ اشكاليّة الخدماتي والسياسي: من الخطأ اختزال العمل الطلابي في طبيعته الخدماتية، وهذا ما تجري محاولة ترسيخه، فنزع السياسي عن العمل الطلابي يحوله إلى لجان خدمات تبدأ بخدمة الطالب وتنتهي هناك. وغني عن القول إن ذلك يحول الحركة الطلابية لكافتيريا جامعية. على سبيل المثال، في جامعة بيرزيت مابين 2005 - 2007 استطاعت كتلة المنبر الطلابي التي عرفت نفسها ككتلة طلابية مستقلة أن تشارك في تشكيل مجلس الطلبة أكثر من مرة، ولكنها سرعان ما اندثرت لأن الخدماتي لا يقوم وحده في السياق الفلسطيني. ومع ذلك، على العمل الطلابي أن يكون طليعيا في التصدي للمشاكل الخدماتية وهموم الطالب، خصوصا تلك التي تتعلق بالارتفاع المذهل والمضطرد في رسوم التعليم، ولكن يجب ربط النضال الحقوقي للطالب ببعده السياسي، فارتفاع الأقساط يرتبط بشكل مباشر بتخلف الحكومة عن دعم التعليم، وهذا يرد بطبيعة الحال إلى طبيعة ميزانية الحكومة الفلسطينية، حيث خصص في ميزانية 2012 أكثر من 30% لصالح الأجهزة الأمنية، فيما حظى التعليم بأقل من 16%. وبحسب رئيس مجلس اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية أمجد برهم، فإن الحكومة أقرت ميزانية قيمتها 9 ملايين دولار للجامعات فقط، من أصل 40 مليون دولار. إن توضيح البعد السياسي لهموم الطلبة اليومية والخدماتية هو في صلب نشاط الحركة الطلابية، وتحويل هذا الربط إلى نشاطات على أرض الواقع تضع الحكومة أمام مسؤولياتها هو مهمة هذا الجهد.
6 ـ اشكالية حدود الحرم الجامعي: لا يقتصر دور الحركة الطلابية على أسوار الحرم الجامعي، ولكن تراجع دورها جعلها تحضر حضورا محاصرا داخل الجامعة، وحتى الفعاليات التي تجاوزت السور، لم تكن ذات طابع إستراتيجي جدي ومخطط له، مثل المشاركة في المواجهات أمام سجن عوفر، والتي شهدت حضور جميع الأطر الطلابية قبل موعد الانتخابات بقليل، مما يشي بعدم جديّة الخطوة، فضلا عن أن المواجهات عند «عوفر» لم تعد تفاجئ الاحتلال وهو يتوقعها ويجيد التعامل معها.
إن انحسار الحركة الطلابية داخل اسوار الجامعات جعلها تغيب عن الحراكات الشبابية، فقلما تجد لها حضورا فعالا في التجمعات الشبابية التي ظهرت منذ عامين مثل «فلسطينيون من أجل الكرامة»، و«الحراك الشبابي»، و«شباب ضد الاستيطان».
بل إنها حتى لم تشارك بنشاطات كانت تستهدف التأثير على الحكومة لدعم التعليم، واكتفت بمشاركة خجولة أمام مقر الجامعة نفسها. وفي هذا السياق، نذكر كيف أن الدعوة إلى التظاهر أمام مقر الحكومة الفلسطينية استجاب لها 7 طلبة فقط! مع العلم أنها قضية تمس كل طالب، مما يجعلنا نفكر بأن العزوف عن العمل السياسي ليس ظاهرة منفردة بل العزوف بحد ذاته هو القضية.
7 ـ اشكالية الشكل: يبقى أخيرا أن نقول إن الفضاء السياسي الشبابي يشهد رشاقة عالية في خلق طابعه اليومي الذي ولد من التجربة الجديدة، وهي التي خلقها الانترنت بما أتاح من مواقع تواصل اجتماعي. هذا كله يشكل رافعة مهمة للعمل الطلابي، إلا أننا نشهد غيابا لها على هذه المواقع، والتي منها يمكن الخروج لوسائل وأساليب جديدة على أرض الواقع تفاجئ الواقع الذي تمت السيطرة عليه لتربكه وتأخذه إلى أرضها.

* مدون وناشط فلسطيني مقيم في رام الله.