| 

الشعر الفلسطيني المعاصر، الذي دشن حضوره المتألق في ستينيات القرن العشرين، كان وارثاً للمرحلة الشعرية التأسيسية التي ظهر فيها ابراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وهارون هاشم رشيد وفدوى طوقان وحسن البحيري ثم يوسف الخطيب وكمال ناصر. وفي سماء هذه الحقبة الجديدة لمع محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو على اختلاف قاماتهم الإبداعية وتباين لغاتهم الشعرية. وقد واكبهم شعراء آخرون أمثال راشد حسين وتوفيق زيّاد وسالم جبران، ثم جاء بعدهم خالد أبو خالد وأحمد دحبور وعز الدين المناصرة ووليد خازندار وابراهيم نصرالله وغيرهم. ولا ريب في ان تجارب محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو تباينت كثيراً، فمحمود درويش كان الوحيد الذي تمكن من تطوير لغته الشعرية بشكل بارع جداً، وسما بها إلى فضاءات إبداعية مدهشة. لكن تجربة سميح القاسم ظلت مسوّرة بحدود المكان الضيِّق الذي عاش فيه، فجعل من هذا المكان ميداناً لمنازلة الدولة الإسرائيلية.

******
معين بسيسو من عائلة ميسورة في مدينة غزة، لكنه عاش سنوات عمره قريباً من أبناء الفئات الفقيرة في غزة والعراق ومصر وسوريا ولبنان، ولا سيما بعد أن صار شيوعياً متحمساً. عمه عاصم درس في اسطنبول، وانضم إلى «المنتدى العربي»، وحكم بالإعدام، وأفلت بأعجوبة. أما والده فقد علمه صيد الطيور في وادي الشريعة الذي يفصل غزة عن بئر السبع، فصار صياداً للكلمات. وعلّمه عمه أحمد السباحة عندما ألقاه من قارب إلى الماء، فذاق طعم الملوحة، وتعلم كيف يقاتل بيديه لينجو. وفي ما بعد راح يقاتل بالحروف كي تكون له ولشعبه حياة.

******
تأثر منذ طفولته الأولى بالشعراء الجوالين الذين كانوا يجوبون القرى ليقرأوا سيرة أبي زيد الهلالي وقصة عنترة بن شداد العبسي ويعزفوا الربابة. ثم قرأ في يفاعته سيرة أبي ذر الغفاري وسيرة عبدالله بن علي صاحب الزنج، فمال إلى المعذبين الثائرين. ولا شك في أنه تأثر بأشعار «أبو سلمى» العاطفية والوطنية معاً، ونشر أولى قصائده في مجلة «الحرية» اليافاوية في سنة 1944، وكان عنوانها «الفلاح الفلسطيني». ومنذ سنة 1946 ثابر على نشر قصائده الوطنية في جريدة «الاتحاد» الشيوعية الحيفاوية، ثم راح ينشر كتاباته في مجلة «الملايين» المصرية الناطقة باسم «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني» (حدتو). وقد ساعده الشاعر المصري عبد الرحمن الخميسي في نشر أول قصيدة له في مصر، وهي عن عباس الأعسر الذي كان أول شهيد لحركة أنصار السلم المصرية الذي سقط في قناة السويس في سنة 1951، والتي اشتهرت جداً في جميع أنحاء العالم العربي، ومن أبياتها:
أنا إن سقطتُ فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
واحمل سلاحي لا يُخِفْكَ دمي يسيل من السلاح
وانظر إلى عينيَّ أُغمضتا على نور الصباح
أنا لم أمت... أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراح
كان الشاعر كامل الشناوي أول من كتب عن ديوانه الأول وقدمه في سنة 1952 إلى توفيق الحكيم في الأهرام. وصدر ديوانه الأول الذي وسمه بعنوان «المعركة» في 27/1/1952، أي في اليوم التالي لاندلاع حريق القاهرة المشهور، وقد رسم غلافه الفنان حسن التلمساني، ورسم لوحاته حامد ندا وفريد كامل وصلاح جاهين. ومن طرائف تلك الفترة أن جاهين وبسيسو زارا الحاج أمين الحسيني في مقر إقامته في القاهرة، وقدما الديوان له، فاشترى مئة نسخة دعماً للشاعر. وعلى الفور دعا معين صديقه صلاح جاهين إلى العشاء في مطعم شهريار في الجيزة، ودفع ما يعادل ثمن عشر نسخ، فقال له صلاح جاهين: الآن أكلنا عشر نسخ من الديوان وبقي لنا تسعون.

******
اثنان كان لهما شأن مهم في تكوينه الفكري والسياسي: الأول فخري مرقة الذي كان شاويشاً في مخفر المجدل إبان حرب 1948، فاستولى على بنادق المخفر وحملها في صندوق سيارة والتحق بمجموعة الشيخ حسن سلامة. والثاني مخلص عمرو الذي رئس تحرير مجلة «الغد» الشيوعية والناطقة باسم «رابطة المثقفين العرب». وفي تلك الفترة تعرف إلى بعض أعضاء «عصبة التحرر الوطني» امثال محمد خاص وعلي عاشور وفتحي شراب وفهمي السلفيتي. وكان فؤاد نصار أول من دفعه إلى الخطابة أمام الناس حين أوقفه خلف الميكروفون في احتفال لعصبة التحرر الوطني في سينما السامر في غزة، ثم قدمه إلى إميل توما وإميل حبيبي، فصار شيوعياً مثلهم. وبعد النكبة كان واحداً من مجموعة بسيطة عقدت المؤتمر الأول للحزب الشيوعي في قطاع غزة في أواخر سنة 1953، واختير سكرتيراً لهذا الحزب، ثم انضم إليهم فايز الوحيدي وعبد الرحمن عوض الله، وهؤلاء معاً أصدروا نشرة «الشرارة». ومنذ ذلك التاريخ ساقته أقداره السياسية إلى السجون والمنافي. ففي سنة 1955 عرض مشروع لتوطين اللاجئين في شبه جزيرة سيناء، فهب الفلسطينيون لإسقاط هذا المشروع، واستشهد حسني بلال من الحزب الشيوعي وهو يحمل لافتة مكتوب عليها: «كتبوا مشروع سينا بالحبر وسنمحو المشروع بالدم». وفي 9/3/1955 اقتحم جنود مصريون منزل عمه عاصم حيث كان يختبئ، وحاولت زوجة عمه، وهي خالته في الوقت نفسه، أن تحميه بعدم فتح الباب، لكنها، لشدة غضبها وانفعالها وخوفها عليه، دهمتها ذبحة قلبية أودت بها. والطريف أن بعض الأناشيد التي صدحت بقوة من إذاعة صوت العرب في أثناء العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956 كانت من تأليفه. وقد سمع الرئيس جمال عبد الناصر هذه الأناشيد، وعلم أن كاتبها نزيل السجن الحربي، فأمر بالإفراج عنه فوراً.
اعتقل مجدداً في 23/4/1959 بعد احتدام الخلاف بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم، ونقل إلى السجن الحربي في مصر ثم إلى سجن الواحات، وأفرج عنه في آذار 1963. وفي السجن أمضى أيامه مع نخبة من السياسيين والمفكرين والفنانين الشيوعيين المصريين فأثرى تجربته الشخصية وأكسبها مزيداً من الغنى.

******
كان يرسم اسمه على شكل سيفين متقاطعين. فالنون في «معين» يرسمها سيفاً. وكذلك يرسم حرفي الباء والسين في اسم عائلته. هكذا وقّع مسرحية «شمشون ودليلة» (1972). وكان يفخر أن دليلة فلسطينية من غزة، وتمكنت من أن تهزم شمشون العبراني. أما هو فقد «هزمه» الحب في احدى المرات، فتزوج صهباء البربري. ولعل أثر هذا الاسم غمر معظم أشعاره، فكانت قصائده هادرة كحصان طليق. غير أن الحياة لم تمنحه مزيداً من الأيام، فمات بجلطة صاعقة في لندن في 24/10/1984، فطوى الشعر الفلسطيني بموته أحد أبرز أركانه في حقبة ما بعد النكبة.