| 

تعتبر الخليل من أقدم مدن العالم، ويعود تاريخ بعض المواقع الأثرية فيها إلى أكثر من 5500 عام. وأخذت المدينة اسمها من النبي ابراهيم الخليل الذي سكنها قبل أكثر من 3800 عام، ثم توفي ودفن فيها. وتقع محافظة الخليل في جنوب الضفة الغربية على بعد 35 كم جنوب مدينة القدس، وتضم أكثر من 100 مدينة وبلدة وقرية. وتعتبر أكبر محافظات الضفة الغربية من حيث المساحة والسكان، إذ تبلغ مساحتها 997 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها نحو 650 ألف نسمة. وكما أن الخليل هي المحافظة الأكبر مساحة وسكانا، فهي أيضا الأكبر من حيث عدد المواقع الأثرية والتاريخية، ويقدر عدد تلك المواقع بحوالى 400 موقع تنتشر في المدينة والبلدات والقرى المجاورة. وتعد الخليل القديمة، وفيها الحرم الابراهيمي، الموقع التاريخي والأثري الأبرز في المحافظة، حيث يحتضن الحرم قبور ومقامات إبراهيم وزوجاته وأولاده اسحق ويعقوب ويوس.، كما يوجد أيضا في المحافظة العديد من مقامات الأنبياء، مثل مقام النبي نوح في مدينة دورا، ومقام النبي يونس في مدينة حلحول، ومقام النبي لوط في بلدة بني نعيم، إضافة الى عدد كبير من قبور ومقامات الصحابة والصالحين. وهذا كله جعل المحافظة تحتل المكانة الثانية من حيث القدسية لدى المسلمين في فلسطين بعد مدينة القدس، الأمر الذي جعلها محطا للأطماع الاستيطانية والتهويدية، حيث قسم الحرم الابراهيمي عنوة بين المسلمين واليهود، وسيطر الاحتلال والمستوطنون على الكثير من البيوت والأماكن الأثرية، وتقطعت أوصال المدينة بفعل عشرات الحواجز العسكرية التي أقامها الاحتلال.

أقدم المواقع الأثرية

يقول الدكتور محمد العداربة، أستاذ الآثار في جامعة الخليل: أثبتت الحفريات الأثرية والمؤلفات التاريخية وكتب الرحالة أن لقضاء الخليل ومركزها شأناً بالغ الأهمية في رسم ملامح الصورة الحضارية للمنطقة على مر العصور، بدءاً من بزوغ الفجر الحضاري وحتى الوقت الحالي، من خلال بعض المواقع مثل بيت مرسم وتل الدوير (لاخيش) وتل الرميدة وتل غيلا وقلعة الكرمل وقلعة البرج زيف وشويكة وبيت جبرين وماريسا وتربينتس (حرم الرامة). ويشير إلى أبرز هذه المواقع على النحو التالي:
بيت مرسم
في الجنوب الغربي للمحافظة يقوم الموقع التاريخي المهم والعريق بيت مرسم، ليبرهن على بداية التقدم الحضاري من خلال الكشف عن أطلال المدينة الأثرية التي تعتبر أفضل النماذج الباقية حتى الآن، والتي قدمت صورة عن بداية التمدن والتحضر في العصور البرونزية المبكرة والمتوسطة (3100 - 1550 ق.م).

تل الدوير

يقدم تل الدوير (لاخيش) غرب الخليل لمحة حضارية هذه المرة عن العصر البرونزي المتأخر والحديدي (1550 - 586 ق.م).

بيت جبرين

كانت من أهم وأكبر المدن الرومانية والبيزنطية في هذه المنطقة، التي اعتبرت آنذاك عاصمة لأكبر المقاطعات الجنوبية لفلسطين، إذ كانت تابعة للحكم الروماني والبيزنطي (64 ق.م - 636 م).

تل الرميدة

موقع أثري يقع على تلة وسط مدينة الخليل في حي يحمل الاسم نفسه، ويعتقد المؤرخون أنه أقدم موقع سكني في المنطقة، ويعود تاريخه إلى العصر الحجري، وبعد ذلك سكنه الكنعانيون. وقد سجل أول حالة استقرار بشري من خلال ما تم العثور عليه من لقى أثرية في الناحية الشرقية والجنوبية من التل، الذي أثبت أن الإنسان في العصر الحجري النحاسي (4500 - 3100 ق.م) وجد لنفسه ملاذاً آمنا في جوانب هذا التل وفي الكهوف المنتشرة في الموقع. واستمر بعد ذلك موقع تل الرميدة يقدم أفضل نماذج التطور الحضاري على امتداد عصور لاحقة كالعصر البرونزي المتأخر والعصر الحديد.
 
الحرم الابراهيمي

يقع الحرم في جنوب شرق مدينة الخليل في قلب البلدة القديمة، ويعتبر أهم موقع أثري في المحافظة حيث توجد في الحرم أضرحة ابراهيم واسحق ويعقوب وزوجاتهم. كما يعتقد أن قبورهم موجودة في الغار الذي يقع أسفل المسجد، وأن أسواره الحالية بنيت في عهد الملك هيرودس قبل 2000 عام، وجرى سقفه في العصر الأموي. وخلال الحملات الصليبية حوله الصليبيون إلى كنيسة، لكن صلاح الدين الأيوبي أعاده إلى مسجد بعد انتصاره في معركة حطين. ويتكون الحرم من مصليات عدة هي الجاولية والاسحاقية واليوسفية واليعقوبية والحضرة الابراهيمية والعنبر وصحن الحرم.
الجدران الخارجية للمسجد هي الحصن السليماني، وهي على شكل مستطيل مقاسه الخارجي 59.28 × 33.97 مترا مربعا، وسمكها 2.68 متر، وارتفاعها 16 مترا، مبنية بأحجار ضخمة على هيئة مداميك، ويبلغ طول بعض أحجارها نحو 7 أمتار، وارتفاعها نحو متر. وللمسجد مئذنتان مربعتا الشكل، ترتفع كل منهما 15 مترا فوق سطح المسجد، وتعودان إلى العهد المملوكي. ويضم الحرم منبر صلاح الدين الذي يعتبر غاية في الجمال وعمره أكثر من 900 عام، وهو واحد من ثلاثة منابر مماثلة؛ الأول في المسجد الأقصى، والثاني في المسجد الأموي في دمشق. وتزين جدران وأسقف الحرم الكثير من الآيات القرآنية والنقوش والزخارف والزجاج الملون، وتعود في غالبيتها للعصر المملوكي.
قسّمت سلطات الاحتلال الحرم بين اليهود والمسلمين بعد المجزرة التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين عام 1994، واستشهد خلالها 29 مصليا وأصيب العشرات.
ويقول حجازي أبو سنينة، رئيس سدنة الحرم: إن 60% من مساحة الحرم مخصصة لصلاة اليهود. وتسيطر اليوم على الحرم قوة إسرائيلية من الشرطة تتحكم في دخول المصلين المسلمين وخروجهم عبر عدد من الحواجز والبوابات الاكترونية، فيما يمنع رفع الآذان في الحرم أكثر من 50 مرة في الشهر.

الكنيسة الروسية (المسكوبية) والبلوطة

تقع المسكوبية في الجهة الغربية من مدينة الخليل على تلة مشرفة على المدينة في حي الجلدة، وهي الدير المسيحي الوحيد القائم في مدينة الخليل. وتبلغ مساحة الكنيسة نحو 600 متر مربع، وهي قائمة على قطعة أرض بمساحة 74 دونماً. ويتألف الدير من الكنيسة والبلوطة والقلعة ومضافة سيدنا ابراهيم ومسكن الرهبان. كما يضم هذا الدير العديد من القبور التي تعود لبعض الرهبان ممن أقاموا فيه، إضافة إلى قبور قديمة يعتقد أنها تعود لبعض أحفاد ابراهيم عليه السلام. والكنيسة بناء ذو تصميم معماري جميل، وهي مبنية على شكل صليب، وتعلو البناء قبتان مذهبتان. وفي داخل الكنيسة قاعة كبيرة للصلاة، والكثير من الرسومات والصور والزخارف والنقوش الجميلة.
بدأ بناء الدير على أيدي الروس عام 1870، ويعود اسمه إلى موسكو عاصمة روسيا. ويقول الأب ألكسي، رئيس دير المسكوبية: لقد بنى الدير عام 1870 الأرشمندريدت انتينين كبوستين، رئيس البعثة الروسية في فلسطين في ذلك الوقت. أما الكنيسة، فقد تأخر بناؤها حتى عام 1904 بسبب رفض الدولة العثمانية التي كانت فلسطين تحت سيطرتها. وقد بنيت الكنيسة على يد الأب لينانيد سنسوف، وتنفيذ المهندس الايطالي نكولاي برغا. وعن أهمية هذه الكنيسة، يقول الأب ألكسي: لقد جاءت أهمية الكنيسة كون هذا المكان يتمتع بالقدسية قبل ولادة المسيح، ويعود ذلك إلى قصة نزول الملائكة على ابراهيم وزوجته سارة حينما كانا يستظلان بظل شجرة البلوط وبشراهما بولادة اسحق. وتقع بلوطة ابراهيم في ساحة كنيسة المسكوبية، أمام الكنيسة من الجهة الجنوبية، واليوم الشجرة شبه جافة ومتهالكة ومدعمة بالأسلاك الحديدية التي تحميها من السقوط، إضافة إلى الأسلاك الشائكة لحمايتها من عبث العابثين. ويزور الكنيسة والبلوطة آلاف السياح والحجاج المسيحيين سنويا، خاصة السياح الروس ومواطني أوروبا الشرقية.

بئر حرم الرامة

هي بئر ماء أثرية، ويقال إنها أيضا تعود إلى عهد سيدنا ابراهيم. وتقع في الجزء الشمالي لمدينة الخليل في حي يحمل اسمها نفسه. وترجع أهميتها إلى أن إبراهيم أقام في هذه البقعة أكثر من مرة، بالإضافة أن إسماعيل قضى فيها جزءا من طفولته وحياته مع أمه هاجر، وفيها بئر ماء قديمه وأساسات لتحصينات رومانية وآثار كنيسة بيزنطية اقيمت في ما بعد.
بركة السلطان
بركة السلطان تقع وسط المدينة إلى الجنوب الغربي من المسجد الإبراهيمي، بناها السلطان المملوكي سيف الدين قلاوون، الذي تولى السلطنة على مصر والشام (1884 - 1886) بهدف سقاية الحجاج القادمين من الشام إلى مكة والمدينة المنورة، وقد بنيت بحجارة مصقولة، واتخذت شكلاً مربعاً بلغ طول ضلعه أربعين متراً تقريباً. وفي سنوات السبعينيات من القرن الماضي، وبسبب كثرة حوادث الغرق، قررت دائرة الأوقاف الإسلامية مع البلدية، تفريغها من المياه وتجفيفها نهائياً وإغلاق القنوات المؤدية إليها.
البلدات القديمة:
تضم محافظة الخليل العديد من البلدات القديمة، التي تحوي عددا كبيرا جدا من المباني الجميلة التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة أبرزها:

البلدة القديمة في الخليل

تعتبر البلدة القديمة من الخليل كنزا معماريا حقيقيا، حيث انها تضم الكثير من المباني والبيوت القديمة التي يعود تاريخها إلى مئات السنين، ولا تزال تحافظ على جمالها حتى اليوم. ومن تلك المباني المدارس القيمرية والفخرية ومدرسة السلطان حسن، والحمامات مثل حمام الشيخ وحمام كاتبه بدر وحمام الداري وحمام البركة، والزوايا والمساجد مثل مسجد عثمان ومسجد القزازين وغيرها. وقد قامت لجنة إعمار الخليل بترميم الكثير من هذه المباني.
وتتعرض الخليل القديمة لحملة شرسة من قبل الاحتلال والمستوطنين اليهود بهدف تهويدها، حيث تقيم قوات الاحتلال الحواجز وتغلق الشوارع والمحال (حوالي 800 محل تجاري مغلق)، ويقوم المستوطنون بالاستيلاء على البيوت والمحال التجارية أحيانا بالقوة، وأحيانا بالتزييف وبشتى الطرق الملتوية. وجرى في سياق هذه الحملة هدم وتخريب الكثير من البيوت والمباني الأثرية القديمة.

البلدة القديمة في الظاهرية

وهي من أهم وأقدم البلدات القديمة في فلسطين، إضافة إلى أنها تضم عددا كبيرا من المباني (حوالي ألف مبنى) يعود أغلبها إلى العهد العثماني، ويرجع بعضها إلى العصر الروماني مثل «مبنى الحصن» الذي يعتقد أنه أحد الحصون الرومانية، بالإضافة إلى «مبنى الخوخة» الذي يقع في الظاهرية، وهو بناء على الطراز العثماني، حيث النوافذ المغلقة داخل أقواس في الطابق الأول، والطابق الثاني كان مقر قيادة الجيش العثماني في الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت الحالي تم ترميمه وتحويله إلى مركز ثقافي. ويوجد في البلدة أيضا القيسرية أو الخان الكبير الذي كان يشغله التجار والمسافرون ويشتمل على أسواق متفرقة معروفة من العهد المملوكي. كما أن قسما كبيرا من هذه المباني تم ترميمه ضمن مشروع تنفذه بلدية الظاهرية منذ عام 2005 بالتعاون مع مؤسسة «رواق».

مقامات الأنبياء

يوجد في المحافظة العديد من المقامات التي يعتقد أنها تعود إلى بعض الأنبياء والصالحين منها:
مقام النبي نوح: وهو مسجد قديم يقع في وسط مدينة دورا جنوب غرب الخليل، وفيه ضريح قديم يقال إنه يعود لسيدنا نوح.
مقام النبي لوط: يقع المقام في مسجد سمي مسجد النبي لوط في بلدة بني نعيم شرق مدينة الخليل، في منطقة قريبة من البحر الميت الذي يعتقد أنه بحيرة لوط.
مقام النبي يونس: يقع المقام في مسجد النبي يونس في حلحول (5 كم شمال مدينة الخليل).
كما يوجد في المحافظة كثير من مقامات الصحابة مثل مقام تميم الداري وأبو عبيدة بن الجراح وفاطمة بنت الحسين وعبد الله بن مسعود، إضافة إلى عدد من مقامات الصالحين مثل مقام أبو خروبة والغماري في الظاهرية.
وإلى جانب كل ذلك، هناك الكثير من المعالم الأثرية المنتشرة في بلدات وقرى المحافظة، مثل البيوت القديمة ومقامات الأولياء والصالحين، والمساجد القديمة مثل مسجد عثمان بن عفان في البلدة القديمة بالخليل، وجامع الشيخ علي بكاء، والمسجد العمري الموجود بالاسم نفسه في معظم بلدات وقرى المحافظة، إضافة إلى الخرب والأديرة، لكن بعضها مهدم وبحاجة إلى ترميم، وبعضها يصعب الوصول إليه أو استغلاله سياحيا.
ويقول محمد صبارنة، مدير دائرة الآثار في الخليل: يواجه قطاع الآثار في الخليل مشاكل عدة، أهمها الاحتلال ومعوقاته وتحكمه في الأفواج السياحية، والتوسع العمراني الذي كثيرا ما يتم على حساب المناطق الأثرية، ومشكلة سرقة الآثار والسوق السوداء.
ويضيف صبارنة: رغم كل العقبات، تحاول وزارة السياحة، ودائرة الآثار بامكانياتها المتواضعة، التغلب على هذه المشاكل والنهوض بقطاع السياحة والآثار من خلال العمل على افتتاح متحف في مدينة الخليل، وآخر في دورا، ومركز للاستعلام السياحي في الخليل، إضافة إلى إصدار كتيبات وملصقات للتعريف بالأماكن السياحية.

* صحافي فلسطيني مقيم في الخليل.