| 

«نعم»... هي ليست جواباً عن سؤال، بل اسم لفرقة مسرحية اتخذت، على عكس عادة الفرق المسرحية الفلسطينية، مدينة الخليل مقراً لها، قبل خمسة أعوام، بمبادرة شبابية من الفنانين إيهاب زاهدة ورائد الشيوخي ومحمد الطيطي، إلا أنها اتخذت في بعض الأعمال من الأطفال هدفاً لها، ما يسهل عملها في المدينة المحافظة التي يختلف طابعها عن المدن الفلسطينية الأخرى.
المتتبع للعروض التي تحتضنها المدينة، يرى ان أغلبها يستهدف الأطفال، أو تبتعد عن قضايا مجتمعية قد يكون طرحها في أي مدينة فلسطينية أخرى أكثر سهولة، وهذا ما حصل حين قرر مهرجان رام الله للرقص المعاصر في العام الماضي، التوسع ليشمل مدناً أخرى، بينها الخليل، حيث اختارت إدارته عرضاً غربياً مخصصاً للأطفال لعرضه في المدينة التي تعاني «كساداً ثقافياً»، إن جاز التعبير.
ولعل هذا الأمر لا يبدو غريباً إذا ما علمنا أن رئيس بلدية الخليل ما بين العامين 1938 و1955 الشيخ محمد علي الجعبري، وكان من أبرز المقاومين للاحتلال، وأصبح بعد العام 1967 رئيساً لمجلس أمناء كلية الشريعة في الخليل، رفض أن يعطي تصريحاً لإقامة سينما في مدينة الخليل، فهو أراد أن تبقى المدينة «نقية من فساد أهل الفن، فهي بلد محافظ وأهلها متدينون بطبعهم، وتضم في جنباتها قبر النبي إبراهيم».
استطاعت فرقة «نعم» السباحة عكس التيار، والصمود بشكل أو بآخر. يقول الفنان إيهاب زاهدة: نحن نعكس في أعمالنا ليس تجاربنا الشخصية وحدها، بل ثقافة مدينة الخليل، ففي مسرحية «3 في 1» سلطنا الضوء على مشكلات الفلسطيني في الخليل، ومن بينها الصعوبات التي تواجه الفنانين في المدينة المحافظة التي تعاني الاحتلال والاستيطان، لافتاً إلى أن خيار «أن تكون ممثلاً في الخليل خيار صعب، لأسباب عدة، بينها العادات والتقاليد، وغياب الحياة الثقافية والفنية عن المدينة. نحن نعمل ما بين القيود المجتمعية، وما بين انتهاكات يمارسها جنود الاحتلال والمستوطنون المتطرفون يومياً، وهذا ما عملنا على عكسه في المسرحية التي تجولت في كثير من المدن الفلسطينية».
يرى القائمون على مسرح «نعم» أنه لم يكن وليد العام 2008، فالقائمون على هذا الصرح يعملون في مجالي المسرح والدراما منذ العام 1997 من خلال عملهم المتواصل في مؤسسة «أيام المسرح»، ولأن الأخيرة قررت الانسحاب من مدينة الخليل عملاً بسياستها التي تقضي بتأهيل طواقم مسرحية كفوءة تستطيع الاعتماد على ذاتها في إدارة مؤسسات مسرحية وفنية جديدة، فقد قرر طاقم الخليل الاستمرار في عمله تحت اسم جديد هو مسرح «نعم»، ومنذ ذلك اليوم قدم مسرحيات عدة.

المسرح وجمهور الخليل

يؤمن زاهدة والشيوخي والطيطي، بأن «المسرح فن راق يستخدم اللعب ولعب الأدوار لتنمية مهاراتنا ومهارات أطفالنا على المستويات كافة». وبحسب زاهدة، فإنه «أدى دوراً رئيساً في النقد والتطوير والتغيير نحو الأفضل على مر العصور»، ولذلك انبعثت فكرة المسرح في الخليل بشكل خاص، فهو نشاط ترفيهي وتربوي بالدرجة الأولى، وهو يمزج الخيال بالواقع ليقود المشاهد إلى العيش في عالم من الخيال الذي يكون مصدراً للإبداع في المستقبل، «ففي المسرح يقوم المشاهدون بتفريغ طاقاتهم وقول وفعل ما لا يستطيعون قوله أو فعله في حياتهم العادية، في البيت والمدرسة والشارع. المشاهد في المسرح يضحك ويبكي ويحلم ويصرخ ويغضب ويعبّر عن كيانه بكل ثقة وجرأة... في المسرح يتعلّم المشاهد احترام الآخر والاستماع إليه، وتترسّخ داخله القيم الأصيلة من خلال طرح آرائه وأفكاره ومشكلاته وأحلامه وأمنياته وطموحاته بأسلوب عفوي بسيط بعيد عن فلسفة الأشياء وتعقيدها. لذلك كله كان مسرح نعم».
وقال زاهدة: كثير من الفنانين الفلسطينيين، وبخاصة في الخليل، يتركون الفن ليزاولوا مهنة أخرى حتى يستطيعوا توفير لقمة العيش. فالفنان مواطن عادي يتأثر بهموم وطنه على جميع الصعد، ومنها الاقتصادية، ولا ينسلخ أبدًا عن هموم شعبه، بل على العكس، يكون التأثير عليه أكبر. وكما أسلفت ليس لدى الفنان الفلسطيني بالعموم، وفي الخليل على وجه الخصوص، راعٍ لحقوقه.. فهو يعاني من مشاكل كثيرة أبرزها عدم وجود جهة رعاية، ونحن نعتمد على جهودنا الفردية في الدفاع عن حقوقنا، ولا ننكر بأنَّنا بحاجة ماسة وملحّة لتشكيل نقابة للعاملين في هذه المجالات من المهن، وهذا لا يقتصر على الفنانين في الخليل».
لكن زاهدة يبدو متسلحاً بالأمل حين يؤكد أن جمهور الخليل منذ بداية عملنا في مسرح «نعم»، هو جمهور متقدم ومتعدد، بالنسبة لما يمكن تسميته بالعلاقة الشائكة بين الجمهور والمسرح. نعم هناك علاقة شائكة وهذا بسبب تنفير بعض الأعمال المسرحية للجمهور، لا يمكن أن نظل نلقي باللوم على الجمهور فقط، وانما هناك مسؤولية تقع على عاتق الفنان بما يقدمه، فالموضوع الشائك هو أن لا يقدم العمل المسرحي للمتفرج أي فائدة أو قيمة، أو أن يجد المتفرج في العمل المسرحي نمطاً لا يختلف عن مسرحيات أخرى، أو أن يخاطب العمل المسرحي فئة بمستوى أعلى من مستوى الجمهور العادي، هذا كله عامل تنفير للجمهور، الهدف هو تطوير المشاهد وجذبه، فالعمل الجميل لا يختلف عليه أحد.
يرفض زاهدة وصف الخليل بالمدينة المنفرة أو الطاردة للثقافة والفنون، ويضيف: هذه ثقافة نمطية لا علاقة لها بمدينة الخليل، ومن يروج لها لم يزر الخليل.. لا ننكر أنه لا وجود لدور السينما والمسرح في الخليل، وأنه في وقت سابق كان ممنوعاً، وهناك أشخاص يحولون دون وجود مسرح في الخليل هذه حقيقة، ولكن علينا ألا نكون مجحفين بحق ثقافة الخليل وجمهور الخليل، فهو جمهور واع بشهادة الكثير من الفنانين الذين قدموا عروضهم في المدينة، وباعتقادي أن العمل الفني الناجح يجب أن يعرض في الخليل، لأن الجمهور هناك يستطيع أن يصوب العمل ويكشف ضعفه ويتعامل مع الأمور بعفوية، فإذا كان هناك إسفاف بالعمل فسيصارحك الجمهور دون مواربة، والخليل مدينة كبيرة فيها نسبة مرتفعة من الأطباء والمثقفين والمتعلمين.
لكن زاهدة، ومن جانب آخر، يقول: لا شك في أن لكل عمل مسرحي محدداته وهذا متعلق بالبيئة التي يعرض فيها. في الخليل، عدا عن اشكالية الفضاء المسرحي المجهز، يكون الفنان في حالة تحدّ، فعليه أن يجد المفردة المناسبة للحديث، وهو أول تحد يواجهه الفنان، خاصة بشأن كيفية التطرق للقضايا الحساسة، وبالتحديد الدينية، ومع كونه محدداً إلا أن العمل حر بطرح تساؤلات حول الدين والتساؤل ليس حراماً، وهذا مستوعب، ولكن ما هو غير مستوعب هو ما تحدثنا عنه، وأعني الشكل المنفر لطرح القضايا.. التحدي الثالث هو وجود العنصر النسائي. ورغم ذلك، نجحنا في مسرح «نعم» باستقطاب عناصر نسائية، وتدريبهن على ورشات الدراما ومسرح الدمى، واستطعنا أن نقدم لأول مرة ثلاث فتيات ممثلات على المسرح في الخليل، وهي قفزة نوعية.

إقبال على الفن التشكيلي

من أهم الفنانين التشكيليين الذين لهم صدى واسع في مدينة الخليل، الفنان يوسف كتلو الذي يُبهر زوار مدينة الخليل بلوحاته وجدارياته التي تحاكي تاريخ المدينة العريق، ومن أهمها جدارية «عيون سارة»، وقام بتثبيتها على سور مدرسة الحسين بن علي في الشارع الذي تحمل اللوحة اسمه، وهو الشارع الرئيس المؤدي إلى مدينة الخليل، إيماناً منه بأن الفن يستطيع ايصال رسالة ما، مهما كان نوعها، سياسية أكانت أم دينية أم وطنية. عن واقع الفن التشكيلي في الخليل يقول الفنان كتلو «هناك إقبال لا بأس به على الفن التشكيلي، لكن لا يخلو هذا الإقبال من بعض التحفظات، بسبب الثقافة السائدة في المجتمع بمدينة الخليل، كثقافة العيب وبعض العادات والتقاليد المعارضة للفن بحجة عدم الفائدة منه، لكن يجب أن نعي بأن الفن هو روح ولغة، فهو لغة مقروءة لجميع الناس يستطيع الجميع أن يشعر فيه ويربطه بمواقف خاصة من حياته بغض النظر عن جنسه ولغته وثقافته».
يقول كتلو «على المجتمع المحلي أن يعي دور الفن التشكيلي، على الأقل على الصعيد الوطني، الذي من خلاله يمكننا توثيق تراثنا المنهوب، وبالتالي الوقوف في وجه المحاولات المستمرة والهادفة دائماً لنفي كل ما يثبت أحقيتنا بالأرض. لذلك على الجهات المختصة القيام بدورهاعلى الوجه الأكمل ودعم الفن التشكيلي وأنواع الفنون كافة في الخليل، التي تعاني بشكل مضاعف من جرائم الاحتلال والمستوطنين».

الفن وسيلة لإحياء البلدة القديمة

يبدو أن دخول العنصر الأجنبي، عبر الفاعليات الفنية المختلفة، ساهم ليس في كسر حصار المستوطنين المفروض على البلدة القديمة في الخليل فحسب، بل في قبول المجتمع المحلي في المدينة أنماطاً فنية لم يكن ليتقبلها من فنانين محليين، ومن بينها عروض في الرقص المعاصر، حيث اختارت إدارة مهرجان رام الله للرقص المعاصر، فرقة «سيتي دانس» الأميركية الشهيرة، لتقدم في الخليل، العام الماضي، عرضاً راقصاً للأطفال بعنوان «كتاب الأدغال»، الذي سبق وقدمته «والت ديزني» في سلسلة أفلام من الرسوم المتحركة، بطلها فتى الأدغال الشهير «ماوكلي»، وهو عبارة عن مزيج فعّال ما بين الحركة والموسيقى والخدع «السحرية»، حيث أكدت إدارة المهرجان، أنه، ولخصوصية مدينة الخليل، فإنه ليس من السهل عرض عمل فني يندرج في إطار الرقص المعاصر، ما لم يكن موجّهاً للأطفال، ووفق شروط خاصة فيما يتعلق بلباس الراقصين، وحتى في طريقة أداء بعض المشاهد.
وفي الإطار ذاته، نظمت قبل أشهر الأمسية الفنية «الخليل مدينة الفن»، من باب دعم النشاط الفني والثقافي في المدينة، حيث قامت الفنانتان السويديتان، لينا سيلايندر وكاتارينا نيتش بالتصوير الفوتوغرافي في مختلف مدن الضفة الغربية، ومن ثم عرض الصور في البلدة القديمة، فيما قدم بعض الفنانين المحليين عزفاً على العود وقراءات شعرية، بدعم من الأكاديمية الإسبانية، و«اليونيسكو»، وبتنظيم من بعثة التواجد الدولي المؤقت في الخليل. وعلى الرغم من محاولة الفنان البريطاني كاسبر هول، عبر معرضه في شباط الماضي، «من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم»، إعادة شيء من الحياة إلى متاجر البلدة القديمة فيما يُعرف بـ«قصبة الخليل»، إلا أن المشهد لا يزال قاتماً، فقد قال حينها: «على مدخل السوق التاريخية في المدينة المعقدة، كما وصفها أحد تجارها، يحتل جيش الاحتلال بناية عملاقة.. يراقب الجندي المسلح عن علو كل القادمين والمغادرين.. وتبدي تحركاته أحياناً إيحاءات بأنه سيطلق النار في أية لحظة، وعلى كل من لا يعجبه، ما وترني بعض الشيء، وجعلني أتردد في تصوير استنفاره الذي رافق قدومنا إلى المكان شبه المهجور». وأضاف هول: فكرة المعرض بسيطة، تقوم على توثيق التجار الأحياء، الصامدين في متاجرهم، رغم كل الظروف القاتلة المحيطة بهم، من وضع اقتصادي خانق، يهبط إلى ما دون الصفر في أحيان كثيرة، ومن إجراءات احتلالية مستفزة، وتشدد من الخناق المفروض عليهم، إلى مزيد من الاستفزاز على أيدي المستوطنين الذين تحيط مدارسهم وبعض تجمعاتهم السكانية بالسوق القديمة التي تحتضر حقاً، من كل اتجاه.
قام هول برسم عدد من البورتريهات لأصحاب متاجر «قصبة الخليل»، والعاملين فيها، وعلق في كل متجر رسم صاحبه، إلا عمر ناصر الدين المشهور بعمر خرواط، فكانت صورة الرئيس الراحل ياسر عرفات تحل مكان صورته في أحد أركان متجره بالقرب من الباب المقوس العتيق، في مساحة تكاد تنطق بأشياء كثيرة.
ناصر الدين تمكن من إيصال رسمه إلى ابنه المسجون لدى الاحتلال في بئر السبع، والمحكوم عليه بتسعة آلاف عام يقضيها خلف القضبان يؤكد أن عرفات لا يتكرر، وأنه «أبو الجميع»، وأن صورته في المكان أجمل ما في السوق البائس. وعن المعرض، الذي نظمه منتدى الفنون المعاصرة، ومقره لندن.. يقول هول إن عنوانه مستوحى من المثل الشعبي الفلسطيني الشهير «من عاشر القوم ِأربعين يوم صار منهم»، مشيراً إلى أنه مكث لأكثر من شهرين في منزل يبعد تسعين متراً عن مدخل السوق في الخليل، وهو ما ساعده في التعرف على المدينة، وبناء علاقات قوية مع أهلها.
يضيف هول: كانت الحياة في البلدة القديمة للخليل شبه معدومة على مدى العشرين سنة الماضية، نتيجة للحصار الإسرائيلي، وإجراءات التهويد، ولكن هناك في الوقت الحالي، خطط وجهود عدة لإعادة إحيائها، وذلك من خلال تقديم الدعم للتجار، وأصحاب المحال التجارية، حيث أنهم من أهم مكوّنات البنية التحتية للسوق القديمة المسمّاة «القصبة»، وهذا ما جعل هؤلاء التجار موضوع مشروعي الفني.
ويتابع هول: يوثق هذا المشروع بعض أهم العوامل الحيوية في المدينة القديمة، خاصة المعاصر منها، بالتوازي مع ما يعكس من نمط حياة سبقت الانتفاضتين الأولى والثانية.
وكوّن الفنان البريطاني رؤيته الخاصة عن تجار الخليل، إذ قال: «التاجر الخليلي في المدينة القديمة يتسم بشخصية فريدة متعارف عليها في جميع أنحاء فلسطين، فالخليلي له مكانة خاصة في الثقافة الفلسطينية، فهو التاجر والبائع والماهر والعنيد، كما أنه محافظ وفخور بماضيه ومكان مولده ومرتبط بقوة بهويته المحلية كخليلي».

* صحافية فلسطينية مقيمة في رام الله.