| 

كثيرة هي المدن التي جرى «اغتيالها»، وقليلة تلك التي لم تطلها عملية الاغتيال عبر عصورها المختلفة على أيدي محتليها. غير أن لمدينة الخليل، التي شكلت حالة حضارية مدنية في فلسطين، حكاية اغتيال مُرة، ذلك أن المدينة التي تأسست فيها منذ نشأتها الأولى مقوّمات المدينة الحديثة والمكوّن المدني الأول، ليس محليًا فحسب، بل على مستوى العالم العربي، لا تزال ترزح تحت آخر احتلال في الكون. وقد ثبت عبرها، ما كان مثبتاً طوال التاريخ، وبشكل لا يقبل أي تأويل، بأن المدينة الفلسطينية، على أرض فلسطين، كانت قائمة ومزدهرة، وأن هذه الأرض هي لشعب هو الأصلاني فيها وعليها. والخليل أكبر المدن الفلسطينية (يبلغ عدد سكانها قرابة 225 ألف نسمة، وتبلغ مساحتها 42 كم)، أسسها الكنعانيون في الألف الثالث قبل الميلاد، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى النبي إبراهيم الخليل الذي يعتقد أتباع الديانات السماوية بأنه أبو الأنبياء. حيث يعتقد أنه سكن مدينة الخليل في منطقة الحرم الإبراهيمي اليوم بعد هجرته من مدينة أور السومرية.

استقرار سكاني رغم التدمير والتهجير

يشير كتاب «جغرافية وتاريخ الخليل» إلى أن المدينة كانت تسمى «قرية أربع» نسبة إلى ملك كنعاني اسمه أربع، وسميت بعدها «حبرون» نسبة إلى الملك عفرون الحثي الذي باع المغارة لإبراهيم من دون مقابل، وبحسب الرواية التوراتية بأربعة شواقل، وكان الشاقل العملة الكنعانية. وفي أوائل القرن التاسع عشر قبل الميلاد سكن إبراهيم بعض السنين تحت بلوطات «ممرا» الواقعة شمال الخليل، وتضم الخليل رفاته ورفاة زوجته سارة، وأبنائه اسحق ويعقوب ويوسف ولوط، ثم صارت الخليل قاعدة لداود بن سليمان سبع سنين ونصف السنة فقط بحسب المرويات التوراتية. وكذلك تضم رفات بعض الصحابة، وفي مقدمتهم شهداء معركة أجنادين.
وصف الاصطخري في كتابه «المسالك والممالك» المدينة بقوله: «ومن بيت لحم على سمته في الجنوب مدينة صغيرة، شبيهة في القدر بقرية، تعرف بمسجد إبراهيم، وفي المسجد الذي يجمّع فيه الجمعة قبر إبراهيم واسحق ويعقوب صفاً، وقبور نسائهم صفاً بحذاء كل قبر من قبورهم قبر امرأة صاحبه، والمدينة في وهدة بين الجبال كثيرة كثيفة الأشجار، وأشجار هذه الجبال وسائر جبال فلسطين وسهلها زيتون وتين وجميز وعنب وسائر الفواكه أقل من ذلك».
كما وصفها المقدسي في كتابة «أحسن التقاسيم في معالم الأقاليم» بقوله: «حبرى هي قرية إبراهيم الخليل. فيها حصن منيع. يزعمون أنه من بناء الجن من حجارة عظيمة منقوشة، وسطه قبّة من الحجارة إسلامية، على قبر إبراهيم وقبر اسحق، قُدَّام في المغطى، وقبر يعقوب في المؤخر. حذاء كل نبي امرأته. وقد جُعل الحبر مسجداً وبني حوله دوراً للزّوار. واختلطت فيه العمارة ولهم قناة ضعيفة. وهذه القرية إلى نحو نصف مرحلة من كل جانب قرى وكروم وأعناب وتفاح، تسمى جبل نصرة لا يُرى مثله، ولا أحسن من فواكهه، عامتها تحمل إلى مصر وتنشر. وفي هذه القرية ضيافة دائمة وطبّاخ وخباز وخدام، مرتبون يقدمون العدس بالزيت لكل من حضر من الفقراء. ويدفع إلى الأغنياء إذا أخذوا. ويظن أكثر الناس أنه من قرى إبراهيم وإنما هو من وقف نميم الداري وغيره. والأفضل عندي التورُّع عنه».
تعتبر الخليل من المدن التي حافظت على استمرارية الاستقرار البشري على مر العصور بالرغم من عمليات التدمير والتهجير لقدسيتها المميزة وموقعها الاستراتيجي بالإشارة إلى منطقة تل الرميدة ونمرة والبلدة القديمة. للمباني العامة كالمدرسة القيمرية والفخرية والسلطان حسن، والحمامات كحمام إبراهيم الخليل وحمام داري وحمام البركة وحمام كاتبة بدر وحمام الشيخ بدير، وقنوات المياه والبرك والأسبلة كسبيل الطواشي وصحن الحرم وسيف الدين سلار وسبيل وقناة العين الحمراء والرباطات والتكية والزوايا ومسجد ابن عثمان ومسجد القزازين.

مركز اقتصادي

تشتهر مدينة الخليل بحرفها التقليدية مثل صناعة الزجاج والفخار والخزف ودباغة الجلود وتبييض النحاس وحرفة النجارة والحدادة والغزل والنسيج ومعاصر زيت الزيتون والسمسم، والحفظ بالتجفيف والتمليح والسكر وصناعة طحن الحبوب. ومن هنا تظهر أهمية الخليل الاقتصادية إلى جانب أهميتها التاريخية، حيث تُعتبر من أكبر المراكز الاقتصادية الفلسطينية. ذلك أن تاريخ المدينة الاقتصادي يشهد لها تطورها في العهدين المملوكي والعثماني، فيما اشتهرت في عصر العثمانيين بصناعة القناديل والزجاج الملوّن، وبلغ من تقدمها آنذاك أن شاركت في المعرض العالمي الذي أقيم في فيينا عام 1873م، حيث عرضت صناعات الخليل من أدوات الزينة المصنوعة من الزجاج الملوّن.
ويؤكد د. أشرف حجة في كتابه «الخليل عبر العصور» أنه مر على الخليل التي تعتبر من أقدم مدن العالم (تاريخها يعود إلى 5500 عام) عدد من الغزاة عبر التاريخ، حيث تعرّضت هي وبقية فلسطين للغزو الآشوري والبابلي والفارسي والإغريقي والروماني والبيزنطي قبل أن يفتحها العرب المسلمون في القرن السابع الميلادي. واحتلها الصليبيون عام 1167 وبنوا كنيسة فوق المسجد الإبراهيمي، ولكن القائد صلاح الدين الأيوبي استردها منهم بعد معركة حطين سنة 1187م .
ويشير كتاب «سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر» الى أن العثمانيين فتحوا الشام ومدينة الخليل بعد معركة مرج دابق عام 1517 م، واستمر حكمهم 4 قرون، حتى جاء الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917م إلى عام 1948 م، ثم للإدارة الأردنية عام 1950 م، قبل أن تحتل إسرائيل محافظة الخليل بما فيها المدينة في حرب 1967 - بعد احتلالها نصف قضاء الخليل عام 1948، وقامت بمصادرة جزء كبير من المدينة لإسكان المستوطنين فيها، وبخاصة في البلدة القديمة.

سياسة الفصل

تنتهج إسرائيل، بحسب منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، نظاماً يستند بصورة صريحة ومكشوفة إلى «مبدأ الفصل»، الذي على ضوئه أوجدت إسرائيل عزلا (SEGREGATION) على الأرض، وعزلا قانونيا ما بين المستوطنين الإسرائيليين وبين الغالبية الفلسطينية. وقد أدت هذه السياسة إلى انهيار الاقتصاد وسط مدينة الخليل ونزوح واسع للسكان الفلسطينيين. وتُظهر المعطيات المتوفرة، أن الفلسطينيين نزحوا عما لا يقل عن 1014 شقة سكنية في وسط مدينة الخليل، علماً أن هذه الشقق تُشكل 41.9% من مجموع الشقق السكنية في هذه المنطقة. كما أن 65% من الشقق التي تم إخلاؤها، وعددها 659، نزح عنها سكانها خلال الانتفاضة الثانية. كما يتضح من نتائج العديد من المسوح أن 1829 محلا تجاريا فلسطينيا في المنطقة التي جرى مسحها أصبحت مهجورة اليوم، علماً أن هذه المحال التجارية المغلقة تشكل 76.6% من مجموع المحال التجارية في هذه المنطقة. 62.4% من المحال التجارية المغلقة، وعددها 1141 محلا، تم إغلاقها خلال الانتفاضة الثانية، و440 محلا منها جرى إغلاقها بأوامر عسكرية.
إن المكونات الأساسية لـ«سياسة الفصل» الإسرائيلية تقوم على الحظر الشديد والواسع لحركة الفلسطينيين والامتناع المنهجي عن فرض القانون والنظام على المستوطنين العنيفين الذين يعتدون على الفلسطينيين. كل هذا إلى جانب ما يلحق سكان المدينة الفلسطينيين من أذى مباشر من قبل القوات الإسرائيلية.
استمر هذا الوضع حتى إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1995، وأصبحت المدينة منذ ذلك الحين، مركزا لمحافظة الخليل. في عام 1994، عندما كان سير عملية اتفاق أوسلو في أوجه، قام المستوطن اليهودي باروخ غولدشتاين بإطلاق النار على المسلمين الذين كانوا يصلون في الحرم الإبراهيمي وقتل 29 منهم وأصاب عددا أكبر بكثير.
استمر مسار اتفاق أوسلو، وفي شباط/ فبراير 1997، تم توقيع اتفاق حول الانتشار الجزئي للجيش الإسرائيلي في الخليل، وتم تقسيم المدينة إلى قسمين: منطقةH1 ، التي تم تسليم السيطرة عليها للسلطة الفلسطينية، ومنطقة H2 التي بقيت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. وفي أبريل/ نيسان 2002، سيطر الجيش الإسرائيلي على المدينة بأكملها، ووضعت أبراج مراقبة ثابتة في منطقة H1 في المدينة في عام 2003.

هجمة استيطانية

ثمة مفارقات وقصص موجعة تحتفظ بها خزانة الذاكرة الجماعية عن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، حكايات تتحدث عن مجزرة الحرم الإبراهيمي، وعن المدارس التي تحولت إلى معسكرات، وعن البيوت العتيقة التي هدمت، والمتاجر التي أغلقت، إضافة إلى وقائع أخرى تكشف عن فداحة المحنة التي منيت بها المدينة منذ احتلالها عام 1967، وما بعد ذلك مع أول وجود استيطاني فيها عام 1972 عندما تم تشييد مستوطنة «كريات أربع» على أراض منهوبة شرق المدينة، وتشييد «بيت هداسا» النقطة الاستيطانية الأولى في شارع الشهداء وسط المدينة في العام 1979.
ويقول خبير الخراط والاستيطان عبد الهادي حنتش، إن وتيرة بناء المستوطنات تصاعدت بشكل مطرد في الخليل، حيث بدأت حكومة الاحتلال الإسرائيلية عام 1983 بإقامة مستوطنة «جفعات خارصينا» إلى الشمال من مستوطنة «كريات أربع». وأضاف: في عام 1984 بدأت ذات الحكومة بإقامة مستوطنة «بيت حاجاي» على الطرف الجنوبي من المدينة، وفي العام ذاته وضع المستوطنون مجموعة من البيوت المتنقلة (كرافانات) في منطقة جبل الرحمة/ تل الرميدة فوق الموقع الأثري، وأقاموا البؤرة الاستيطانية المسماة «رمات يشاي». وتابع: قامت قوات الاحتلال من جانبها بالاستيلاء على محطة الحافلات الوحيدة الواقعة في شارع الشهداء وحولتها إلى ثكنة عسكرية لغرض توفير الحماية للمستوطنين ومساعدتهم في عمليات التوسع الاستيطانية داخل الخليل.
وفي قصة أهالي البلدة القديمة بالخليل والاستيطان فيها، دماء ودموع ومهانات تفرض نفسها على حياة المواطنين حين تذكر الهجمات المنظمة التي تشنها مجموعات مسلحة من المستوطنين على البيوت، وسرد سلسلة الأوامر العسكرية القاضية بإغلاق عشرات المتاجر، واستمرار إغلاق شارع الشهداء، ومنع أعمال الترميم للعديد من المنازل العتيقة، واحتلال المباني بقوة السلاح، ومحاصرة الأسواق والأحواش القديمة، وفي تفاصيل كثيرة ويومية تطال كل ما يتعلق باستمرار تواجد أهالي المدينة في «منطقة محرمة»!
«إن أكثر من 111 حاجزاً وبوابة الكترونية ونقطة تفتيش عسكرية تمنع استمرار الحياة الطبيعية في المدينة القديمة بالخليل، وتمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي لها، من أجل حماية أربعمئة مستوطن يعيشون فيها». هذا ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.
«الاعتداءات على ممتلكاتنا والاستيلاء عليها، وتواصل التوسعات الاستيطانية المتصلة بإجراءات الإغلاق والحصار، يجر الوضع في الخليل شيئاً فشيئاً، إلى وضع أسوأ من المذبحة»، هكذا يقول مواطنون يبنون لفناءات منازلهم سقوفاً من سياج لدرء حجارة المستوطنين، في إشارة إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المستوطن المتطرف باروخ غولدشتاين في شباط 1994، وراح ضحيتها 29 مصلياً. وأضافوا أن المذبحة التي مثلت علامة فارقة في حياة المدينة، لا تزال «طازجة» في الوجدان، وهي دائمة الحضور وتشكل جرحا مفتوحا على الدوام... باختصار، إنها مدينة في قيد «الاغتيال»!!

* صحافي فلسطيني مقيم في الخليل.