| 

تتضمن القراءة الشاملة لـ«الثورة المجهضة» التي يقدمها الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي، في كتابه الصادر حديثا بهذا العنوان، محورين أساسيّيَن، الأول يمثل مراجعة لتجربة الثورة الفلسطينية، الممتدة على مدى يقارب خمسين عاما، ويتضمن المحور الثاني البدائل التي لا بد منها إذا أراد الفلسطينيون الخروج من المآزق والأزمات التي وقعت فيها، بل خلقتها حركة التحرر الفلسطينية في مسيرتها نحو التحرير. والقراءة تأتي لأن التجربة الوطنية الفلسطينية، بما لها وما عليها، «لم تحظ بمراجعة نقدية إستراتيجية، على الرغم من خطورتها وتعقّد قضاياها وتنوّع أشكالها، ومداخلاتها الدولية والإقليمية، وعلى الرغم من امتدادها على مدار ما يقارب قرن من الزمن».
مراجعة ماجد كيّالي (المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت وعمّان، 2013) هي من المراجعات القليلة التي جرت على هذا المستوى، فهي قراءة في تجربة متعددة الوجوه والأبعاد، وتتطلب دقة في التعبير، كما أنها تأتي، كما يكتب المؤلف «في ظرف صعب يمر به شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، فثمة انتهاء مرحلة، ببناها وخياراتها وأشكال عملها، وليس ثمة يقين من بدايات مرحلة جديدة. أيضا، ثمة واقع ثورة فلسطينية مجهضة، في حين ثمة ثورات شعبية وليدة ما زالت تتفاعل في أكثر من بلد في هذا العالم العربي، وهو تفاعل لا بدّ سيؤثر على مستقبل شعب فلسطين وشكل تعبيره عن ذاته في المستقبل». وبعد أن «بات ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الفلسطينيين على كياناتهم السياسية، فمثلا: هل ما زالت القوى السائدة قادرة على حمل المشروع الوطني؟ وهل المعطيات التي تأسّست عليها تلك القوى، بشعاراتها وبناها وأشكال عملها مازالت صالحة، على ضوء النتائج، والتغيرات والتحولات العربية والدولية والفلسطينية والإسرائيلية؟ وهل الخيارات السياسية والكفاحية مازالت صالحة، ام ينبغي البحث عن خيارات اخرى بديلة او موازية؟».
الحديث عن المشروع البديل مما هو قائم، هو السؤال الأساسي لكيّالي في خاتمة بحثه، وهو غاية هذا البحث كما يتجلى في الأطروحة التي يقترحها، لحل أزمة الهوية والكيانية عند الفلسطينيين، الأزمة التي «لم تنشأ بمعزل عن التأزّم الهوياتي والكياني الذي تكابد منه مجتمعات ودول المنطقة، أيضا، رغم حصول هذه على استقلالها، على خلاف الفلسطينيين الذين حرموا من ذلك». وتتمثل هذه الأطروحة في حلول يعتبرها الباحث جذرية وضرورية للقضية التي تعتبر من أقدم وأخطر القضايا المعقدة في القرن العشرين، وتأتي ضرورة تقديم بدائل اليوم وسط ما هو شائع من «ثورات الربيع العربي»، وضمن مشاريع التحرر التي تسود المنطقة، وارتفاع شعارات «الشعب يريد»، في عدد من الدول العربية، وحتى صعود هذا الشعار في فلسطين في صيغة «الشعب يريد إنهاء الانقسام».
القراءة النقدية لتجربة النضال الفلسطيني، تبدأ من الانطلاقة التي بدأت عسكرية، ولم تطلقها طاقات الشعب، وإن كان الشعب قد احتضنها لما تحققه من محاولة خروج من حال النكبة التي تعرض لها، فقد «استطاعت حركة التحرر الفلسطينية، منذ قيامها في منتصف الستينيات، استنهاض الفلسطينيين، وصوغ هويتهم كشعب، وبعث كيانيتهم السياسية، في ما شكّل ردّا على محاولات التغييب والإلغاء التي تعرض لها هذا الشعب، بعد اقتلاعه من أرضه (1948)، وتمزيق وحدته المجتمعية، بفعل المشروع الصهيوني، ونتيجة الظروف المختلفة التي خضع لها في بلدان اللجوء والشتات»، كما يقول المؤلف.
مع تركيز الباحث على خطورة «عسكرة» الثورة، واعتمادها المقاومة المسلحة خيارا وحيدا، فهو ينتقد في المقابل اعتماد التسوية السلمية خيارا وحيدا أيضا، قائلا بضرورة اعتماد «مَرْوَحة» من الخيارات التي تتيح الوصول إلى الحل، فهو لا ينتقد الكفاح المسلح بحد ذاته، لكنه يطالب بترشيد هذا الخيار ووضعه في إطار مخطط إستراتيجي، لا أن يترك للفوضى والمزاجية، وكذلك الأمر في خيار المفاوضات الذي يجب أن يكون ضمن هذا المخطط، حيث الكفاح المسلح في خدمة المفاوضات. وفي الإطار نفسه تأتي الانتقادات لسلوك القيادات والفصائل الفلسطينية.
البديل مما هو سائد، وفي ظل الجمود الذي وصلت إليه محاولات التسوية والمفاوضات، وتوقف المقاومة بأشكالها وصورها المختلفة، هو مشروع للعودة إلى التأكيد على أنّ «مجال الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة هو أرضُ فلسطين الكاملة، وللاشتغال على صياغة تاريخ فلسطين وشعبها في مواجهة تحدّي المشروع الصهيونيّ. (والتشديد على) ضرورة تجاوز هذا المشروع، بمعنى استيعابه وتحويله ونفيه، عبر عملية الصراع معه». ولذلك فهو يعتقد أن «الفلسطينيين معنيّون بأن يتسلّحوا برزمة خيارات، وضمنها طلب الوصاية الدولية، لكن المهم هو عدم الانحصار بخيار واحد (حـل الدولة المستـقلة في الضفـة والقـطاع)، وضمن الخيارات التسلّحُ برؤية سياسية مستقبلية، تربط بين المرحلي والممكن والواقعي، وبين المستقبلي والمتوخَّى الذي يتلاءم مع الحقيقة والعدالة». ويتبنى طرح «دولة ديموقراطيّة علمانيّة في فلسطين».
مع ما يحمله هذا المقترح من مصاعب، إلا أنّ «قيام مثل هذه الدولة»، بحسب كيّالي «هو من شأن التفاعلات السياسيّة الجارية، ومن شأن إرادات الفاعلين السياسيين في هذه المرحلة. وسواءٌ قامت هذه الدولةُ على هذا الشكل أو ذاك، أمْ لم تقم، فإنّ هذا لن يقلّلَ من ضرورة قيام الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة باعتماد رؤية سياسيّة وثقافيّة وأخلاقيّة، واضحة وشاملة، للصراع في فلسطين وعليها: رؤية تنسجم مع التحدّيات التي تواجهها هذه الحركة، سواءٌ بشأن ترميم حال الشعب الفلسطينيّ، أو بشأن تقويض مختلف تجلّيات الصهيونيّة في فلسطين. ومن نافل القول إنّ وجود رؤية كهذه من شأنه الإسهامُ في حفاظ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة على طابعها كحركة تحرّر وطنيّ، وبما لا يتعارض مع تمتّعها بالعقلانيّة والواقعيّة».
وهو يرى أخيرا، أنّ خيار «الدولة الواحدة الديموقراطيّة العلمانيّة (بمستوييها: دولة مواطنين أو دولة ثنائيّة القوميّة)، ينبغي الاشتغالُ عليه بشكل حثيث لترسيخه في الوعي السياسيّ للفلسطينيّين، لأنه الشكلُ الوحيدُ الذي يمْكن أن يستجيبَ لمجمل حقوقهم في ظلّ ظروفهم الصعبة والاستثنائيّة». وهذا الخيار بالنسبة إلى كيّالي «ليس بالضرورة بديلا لخيار الدولة المستقلّة، الذي يتماشى مع المعايير الدوليّة، ومع معطيات الفاعلين السياسيين وإراداتهم راهنا، بل يمكن أن يدعّم هذا الخيار». علما بأن «أي بديل سيحتاج بداهة، بعد كل هذه التجربة المهيضة، إلى مشروع وطني مُلهم، يجاوب على أسئلة الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ويوقظ الحلم مجدّدا عندهم ويحفّز هممهم، بعد هذا الضياع والإحباط، على أساس تضمين قيم الحقيقة والعدالة والكرامة. العمل الآن، إن لم يكن بات الوقت متأخرا، يتطلّب «قلب الطاولة»، أو تغيير المعادلات والخيارات السياسية القائمة، إذ بات التمسك بحرفية اتفاق أوسلو وتوابعه، من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية، مجرد طوق يكبّل الفلسطينيين، ويشلّ حركتهم، فضلا عن أن إسرائيل ذاتها تجاوزت، منذ أكثر من عقد من الزمن هذا الاتفاق، الذي كان يفترض أن ينتهي في العام 1999، مع بقاء هيمنتها على الفلسطينيين وتعزيزها الاستيطان في أراضيهم، وبنائها الجدار الفاصل، وانسحابها الأحادي من قطاع غزة، وفرضها الحصار عليه».

* كاتب وشاعر فلسطيني مقيم في عمان