| 

كلما دقّ كوز النكبة الذائعة الصيت بجرة سايكس ـ بيكو المرذولة تاريخياً تنادى «جهابذة» الفكر الفلسطيني إلى لقاء نياح عن مُلك ضاع، ونعقوا كغربان البين وبوم القاع الصفصف، فذكّروا أهالي مخيمات النزوح ببؤسهم السرمدي، وزيّنوا لهم، بمفاتيح صدئت، أن البيّارات راجعة، وان القرى المندثرة عائدة، فآمن بهم هؤلاء المعدمون المتشبثون بحبال الهواء والجالسون على قبض ريح، فهم لطيبتهم وأحياناً لبراءتهم يجهلون ان النيونكبويين في كل حفل يقيمون الدنيا ولا يقعدونها بتحويل نكبة 1948 إلى طقس جنائزي وخطاب ميتافيزيقي، فيغيب عن بال هؤلاء الساكنين في أتون النزوح ان زعماءهم أنفسهم هم مَن دفعوا من قبل ببروليتاريا المخيمات إلى جحيم الصراع، فيما ينعم النكبويون الجدد بأسوار ثقافية منيعة، وها هي أدبياتهم شاهد على بطر زائل فيما سكّان أكواخ الصفيح يكتوون كتنّور... إن بياض شعر بعض «الجهابذة» لا يعني الحكمة أو الوقار، بل يشير، في معظم الأحيان، إلى ضحالة فكرية وعفونة ثقافية ورداءة سلوكية.
أمس مرّت الذكرى الخامسة والستّون لنكبة فلسطين، فكأنها اليوم وبعد شهر لم تكن، فالبكاء والعويل والخطب الرنّانة والكرنفال الطنّان حجب حجم المأساة البادية على وجوه فلسطينيي الوطن والشتات.
في الخمسينيات والستينيات انبرى غوغائيو البرجوازية الفلسطينية للمناداة بتحرير فلسطين من ملعب بيروت البلدي ثم انتقلوا في السبعينيات والثمانينيات إلى سينمات شارع الحمرا، ومؤخراً إلى الصحف والتلفزيون، فكأن مسألة فلسطين قصّة إبريق الزيت أو الكيمياء التي قالوا ولم تصب، وها هو الفكر النيونكبوي ينهض على مقولات تافهة مدماكها الرياء والنفاق من جهة والتلاعب بمصائر سكان المخيمات من جهة ثانية، وها هي هذه البرجوازية تحوّل نكبة 1948 إلى مهرجان سنوي.
فيا أيها النكبويون الجدد خيّطوا بغير هذه المسلّة فقد صدئت، وفي فلسطين السليبة تزدهر فراديس الاحتلال وفي الشتات يهوي جيل اثر جيل في أنظمة تتهاوى في صحاري جرداء.
م. ش.